ناشطون يقدمون مذكرة لمدعي الجنائية بلاهاي ويطالبون لمحاكمة البشير أمامها    تورط بدر الدين محمود في تجاوزات وفتح ملفات شركة (الكالوتي)    الجيش ينفي احتلال قوة عسكرية من دولة الجنوب "منطقة أبيي"    قرار بعودة المنظمات الإنسانية المطرودة في عهد النظام البائد    هتافات ضد الأحزاب بندوة لجان المقاومة بالعباسية    فيروس كورونا يضرب الطاقم الطبي الصيني بالتزامن مع ظهوره في دول مجاورة    الإمارات ردا على تقرير اختراق هاتف بيزوس: استهداف السعودية مجددا لن ينجح    ميركل تعلن دعمها للقاء ألماني تركي روسي فرنسي حول سوريا    تمديد صكوك الاستثمار الحكومية (صرح)    حميدتي: نسعى لاتفاق سلام شامل يغير حياة الناس وينهي المآسي    صقور الجديان تكمل الجاهزية لمواجهة الاريتري    الغيابات تجتاح الهلال قبل موقعة اليوم ضد بلانتيوم    الهلال يحمل لواء الكرة السودانية امام بلانتيوم العنيد    قراءة تحليلية لتاريخ الأزمة السودانية الاقتصادية السونامية ما قبل وبعد الثورة، ومن المسؤول عن ذلك؟ 2_1 .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    عناية الريِّس البُرهان.. أُحذِّرَك من القِطَط السِمان!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    رفع الدعم .. " الضرورة و المخاطر " .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    توثيق لثورة ديسمبر من خلال مشاركاتي فيها (37) .. بقلم: د. عمر بادي    ازمة السودان غياب المشروع القومي والوطني منذ الاستقلال .. بقلم: بولس کوکو کودي/ الويات المتحدة الأمريكية    قتل الشعب بسلاح الشعب .. بقلم: حيدر المكاشفي    الرواية "لايت".. لا صلصة ولا ثوم! .. بقلم: د. أحمد الخميسي قاص وكاتب صحفي مصري    تعلموا من الاستاذ محمود: الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    ضبط شبكة اجرامية تتاجر في الأسلحة والذخائر    قيادي ب"التغيير": أعضاء قحت لا يتدخلون في عمل الجهاز التنفيذي    والي الخرطوم : أزمة الدقيق (شدة وتزول) و(500) مليار لنقل النفايات    إصابة وزير الأوقاف في حادث مروري بالخرطوم    قم الأن .. بقلم: أحمد علام    الشهيد عباس فرح عباس .. شعر: د. محمد عثمان سابل    النشاط الطلابي وأثره في تشكيل الوعي !! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد)    وزير المالية : (450) كليو جرام تدخل عمارة الذهب عن طريق التهريب    الشرطة: انفجار عبوة قرنيت بحوزة نظامي أدت لوفاته وأربعة اخرين وإصابة أكثر من خمسة وعشرين من الحضور بإصابات متفاوتة    السيليكا.. صلات مفترضة مع الإرهابيين .. بقلم: كوربو نيوز .. ترجمها عن الفرنسية ناجي شريف بابكر    وزارة الصحة الاتحادية تنفذ حملات تحصين في الولايات    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    زيارة الدكتور Dr.Anne Sailaxmana إستشاري جراحة العظام والسلسة الفقرية لمدينة المعلم الطبية    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    "الصحة" تحذّر من الاستحمام بالماء البارد    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    طهران.. التريث قبل الانتقام .. بقلم: جمال محمد إبراهيم    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    زوج نانسي عجرم يقتل لصّاً اقتحم منزلها    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    إيقاف منصة بث "الأندلس" المالكة لقنوات طيبة    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بل هي إسلاميات سيدتي الوزيرة انتصار صغيرون .. بقلم: د. قاسم نسيم حماد حربة
نشر في سودانيل يوم 11 - 09 - 2019

استمعت كغيري إلى ما قالته بروفسور انتصار الزين صغيرون وزير التعليم العالي على قناة سودانية 24 في ردها على سؤالٍ للمذيع حيث عبرت عن انزعاجها من قضية المذاهب الأربعة وأن الدين الإسلامي واحد وألَّا داعي لانقسام الناس إلى أنصار سنة وشيعة ولا داعي للتحزب، ثم عادت وأكدت على أن الدين واحد ولا داعي للتعدد فيه ولماذا أخوان مسلمين وهي مسلمة... هذا تحرير لمقالتها، ورغم أن بمقالتها أكثر من وجه يمكن القول فيه إلا أن ما يعنينا فيها استنكارها للتعدد المذهبي والفقهي والجماعاتي، وأن للإسلام سمت واحد، ولنا قول في مقالتها يخالفها، نودُّ تبيينه هنا، لكن هذا لا يقدح فيها أبداً، فسيدتنا عالمة جليلة في مجال الآثار ومقدمة في علمها وتخصصها ولا مشاحاة في ذلك ولها إسهامات جمَّعة في مجال الآثار السودانية شرفت بلادنا، لكن ليس في وسع امرئ الإحاطة بجميع المعارف مهما بلغ به علمه ومعرفته، وما كان لي أن أعقب على قولها-تأدبا وإقراراً بفضلها- لولا ارتباطه بقضايا مهمة من قضايا الإصلاح الديني والمجتمعي الذي تبتغيها الثورة، وتتطلبها جدل الصراع في السودان، ويتأكد لي التعقيب وسيدتنا تتربع على عرش وزارة التعليم التي لها نصيب الأسد في إحداث التغيير والإصلاح المنشود، حيث أن وزارة التعليم أكبر المجالات التي حدثت فيها تعرجات تستوجب الإصلاح، وهي مناطة بتربية الأجيال وإقامتهم على هدىً من المعرفة، وبصيرة من التنوير.
التعدد في الإسلام ومذاهبه بيِّنٌ وواضح ومطلوب، ولو كان الفقه واحدا لا يعتريه تغيير لما توسدت المرأة سدة الوزارة ولما انطلقت من بيتها تزاحم الرجال في كافة المجالات ولما عدلت شهادتها شهادة الرجل، ولبقيت مرتهنة بقوامة الرجل، ولبقيت على حالها حين تنزَّل القرآن قيد ثقافة القرن السابع وجغرافية الوحي، ولبقي الرّق معمولا به والجزية تجرى على غير المسلمين .
لم يفسر الرسول الكريم (ص) القرآن، وإلا كان سيعتقله، وتنتهي فاعلية الرسالة الزمانية والجغرافية، فلا تصلح إلا لتلك البقعة الصحراوية في الجزيرة العربية في القرن السابع لا تتقدمه، ولما بلغتنا الرسالة أبدا، ولربما سمعنا عنها فقط سماعا تاريخياً، فالقرآن حمال أوجه، يسند هذا القول لعلي بن أبي طالب، وهذا مطلوب في حد ذاته فلا ينقطع مدده، ولا تحدُّ تأويلاته، ولم يتوقف فقه الإسلام منذ تنزله، وتجلى ذلك عند الصحابة فنجد آراءهم واختلافاتهم الفقهية مبثوثة في بطون كتب التراث، ثم ظهرت آراء الفقهاء ما قبل ظهور المذاهب الأربعة في شكل مدارس معروفة، ثم ظهرت المذاهب الأربعة ثم المذهب الظاهري الذي يعد خامس المذاهب السنية، وظلت هذه المذاهب تنتج مجتهدين وآراء كل فترة لتستوعب تطور تلك الفترة، ولتستجيب لضرورات اختلافات مجتمعاتهم وثقافاتها، حتى استقبلتنا الألفية الثالثة فظهرت الاتجاهات الحداثية لتستجيب لحاجات مجتمعاتها وثقافاته. وإلى جانب المذاهب الفقهية ظهرت منذ القرن الأول المذاهب العقدية من سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة والقائمة تطول ولا تكاد تنقضي ، وهذه المذاهب أيضاً استجابات لوعيهم بالقرآن، لكن يقف خلف وعيهم ذلك ثقافات بيئاتهم التي نشأوا فيها، فالناس تستقبل الأديان وفق ثقافاتها، وهذا مبحث طويل يكفينا فيه هذا النزر.
والسودانيون أشاعرة المعتقد، مالكية المذهب، وكل المغرب العربي على ذلك، لكن تسلل إليهم المذهب الحنبلي المتشدد قريباً، حيث أن جماعة الإخوان في أصلها الفقهي حنبلية، وإن لم يظهر هذا للغالبة من الناس، ويمكن لمن أراد التوسع في هذا الشأن الاستزادة من كتب الأستاذ ثروت الخرباوي وهو قيادي سابق في جماعة الإخوان المصرية حيث كشف عن علاقة الجماعة بمؤسس المملكة الملك عبد العزيز بن سعود ودعوته، لكنهم لا يهتمون كثيراً بإظهار ذلك استجابة لقول المؤسس الشيخ حسن البنا "فلنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" حيث همهم الأكبر فكرتهم حول الإسلام والدولة والمجتمع ومفهوم التربية، لكن أكثر قراءاتهم في فقه وفتاوى ابن تيمية، وهو حنبلي، لذا تسلل التشدد إليهم خاصة في طائفة منهم تعرف بالقطبيين، وقد انتشر المذهب الحنبلي في السودان ليس باسمه، إنما تحت راية الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة، وتسللت آراء المدرسة الحنبيلة في مناهج الدرس في المدارس والجامعات ، خاصة فيما يتعلق بالذات والصفات.
لكني أذهب أبعد من ذلك مستنداً على ذات القاعدة التي تعلل اختلاف المذاهب وهي اختلاف البيئة والزمن، فالمذاهب أُنتجت في بيئات الجزيرة العربية وتفاعلت مع ثقافاتها فولجت إلينا محملة بتلك الثقافة، والدين في أصله لا ثقافة له وإلا كان بشريا لا إلهياَ، والثقافة إنسانية، وأكبر دليل على ذلك أن القرآن الكريم تخلو منه الكلمات التالية (الشرف، النخوة، المروءة، الشهامة، العِرض) رغم أن هذه الكلمات مدار الشعر العربي حيث لا تجد قصيدة تخلو منها، وهي محور الثقافة العربية كلها، وهذه الكلمات في البيئات الأخرى غير محمَّلة بالمدلول العربي، فشرف العربي في بنته وأخته وزوجه، لكن شرف الياباني في عمله... وهكذا، فإن وُجِدت هذه الكلمات في القرآن الكريم فهذا يعني أنَّ القرآن كتبه محمد، لأنه لا يستطيع أن يخرج عن ثقافة بيئته أبداً، وخلو القرآن من تلك الكلمات يؤكد تنزُّله السماوي، وهذا يُفْهِمُنا أن الله تعالى لا يُريد منا أن نصبح عرباً حين أنزل القرآن، وإنما يريد منا أن نصبح مسلمين فقط محتفظين بقومياتنا، قلنا إنه حينما يتفاعل الدين مع الثقافة ينتج تلك الثقافة الملتحفة بذاك الدين، وهذا ما حدث، وحين وفد الإسلام إلينا وفدنا إسلاما عربيا لم يُبيئ سودانياً ، فإن قبلتَه هكذا فقدتَ ثقافتك واستعربت، وهذا ما حدث في الشمال، لكن حدث الصراع في البيئات التي تعلو فيها الثقافات الإفريقية، وإن كان ما يقوله بعضهم عن الأصل الكوشي لمجموعة الجعليين الكبرى صحيحاً وسعادة البروفسور انتصار على رأسهم، فإني أجزم أنَّ سبب استعرابهم واتخاذهم النسبة العربية هو اعتناقهم الإسلام بتلك الصورة، وقضية النسبة العربية نجدها أيضاً في البيئات الإفريقية التي لا تزال على إفريقيتها لكنها اتخذت الإسلام دينا من أمد، مختزلة في بيوتها التي ورثت الحكم في الفور ونوبة العباسية تقلي وبيت الفونج الحاكم، وهذا دليل كافٍ على تلازم العروبة والإسلام.
لكن رغم ذلك غالبت الثقافة السودانية الثقافة العربية الإسلامية التي وفدت إليها وما فتئت تسودنها حتى صارت على نحو سوداني أو قريبٌ من ذلك، وهذا ما كان عليه التدين السوداني حتى مطلع الثمانينات ويُطلقُ المثقفون عليه الدين الشعبي، مما أمدها بطاقة أقدرتها على الانتشار في بيئات إفريقية جديدة في جولة جديدة، لذا انتشر الإسلام جنوبا بتلك السماحة الإسلامية السودانية الكريمة، حتى صحونا على دعاةٍ يبثون بيننا نسخاً من الإسلام الأرثوذكسي، وما فهموا أن نسختهم تلك ما هي إلا دين شعبي من مناطق بالجزيرة العربية، ظنوا فيه الصحة لما رأوا من تقعيدٍ له وتسطير في كتبه، وظنوا أنَّ من تفتَّق عنه التفاعل الثقافي السوداني أنما هو غي وزيغ في كافة جوانبه، وما زالت تلك الجماعات تتدفق، ويرتحل بعض السودانيين طلباً للعيش في بلاد الجزيرة العربية فيأتوننا بتلك النسخة بإدعاء ألَّا تجليات للإسلام غيرها، فيغذوا رافد الجماعات هنا، فيزداد اغتراب التدين السوداني في بيئته ويزداد إضعافه، ويزداد انطماس الثقافة والتراث السوداني بحجة مخالفتها لصحيح الدين.
استجابة لمقتضى الجغرافية والزمن فإننا نحضُّ على إسلام سوداني، بذلك نحافظ على تميزنا الثقافي ونصبح أكثر استجابة لتقبل بقية الثقافات السودانية التي لا تزال تقف على عتبة الثقافة السودانية الجامعة لا يؤذن لها بالولوج بحجج أرثوذكسية، وندعو إلى نفي بعض ما أُدخل في المناهج الدراسية الدنيا أو العليا على السواء مما يخالف العقيدة الأشعرية التي ينتمي غالب شعب السودان إليها، وهي عقيدة الأئمة الأربعة وبعد ذلك يمكن البناء والاستحداث والسودنة عليها بما يتفق مع روح الإسلام عليها. فهي أرحب استجابة.
قاسم نسيم حماد حربة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.