تصريح خطير يستوجب المحاسبة والمساءلة: الناجي عبد الله: (الحكاية دي لو ما مشت عدل الدم حدو الركب) .. بقلم: طارق الجزولي/ رئيس التحرير    بيان من تجمع المهنيين السودانيين    مرحبا بالزواحف الخضراء .. بقلم: راشد عبد القادر    التحزم والتلزم مطلوب في كل الأحوال .. بقلم: سعيد أبو كمبال    الميرغني يهنيء جونسون بفوز "المحافظين"    حركة/ جيش تحرير السودان تدين بأغلظ العبارات إطلاق السلطات الرصاص الحي علي النزلاء العزل بسجن مدينة نيالا    حجم الاستثمار العربى بنهر النيل أكثر من 3 مليار دولار    الحكم على المخلوع بالإصلاح الاجتماعي لمدة عامين    لجنة لتصفية المؤتمر الوطنى وحل مجالس النقابات    الوطني .. فوق الناس!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    مُحَمَّد الهِلَال ولِبِيْنةَ البُكَار- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ الحَادِيَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.    ياسر عرمان: والفهم العالى لمتطلبات المرحلة الانتقالية ومستقبل السودان .. بقلم: د. يوسف الطيب محمدتوم    إنهم أئمة النفاق في مسيرة (الزحفِ الأخضر) المنافقة !! .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    الخرطوم تترقب جلسة النطق بالحكم في قضية البشير    اعتداء دموي على المحامي د. عبد العظيم حسن بعد وقوفه في مسجد المنشية بعد خطبة الجمعة لاعتراضه على الخروج في مسيرة الزحف الأخضر قائلا: (المسيرة دي مفروض تكون مسيرة إعتذار للشعب السوداني)    البنوك الاسلامية وديوان الزكاة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق    عن ملفات سيئة الذكر البيئة!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    البرهان يتعهد بدعم المرافق الرياضية بالبلاد    الصناعة والتجارة تكشف عن تعديل 5 من القوانين    حصار الأمكنة- السودان .. بقلم: درية شرف الدين    قصص قصيرة جدا ونص نثري(2) .. بقلم: د. حامد فضل الله/ برلين    بلاغ ضد غندور بنيابة مكافحة الفساد    مرحبا بالمناضل عركى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    البنك منهجه برمكى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    البرهان: ثورة ديسمبر حقنت الدماء ووحدت البلاد    زيارة مرتقبة لوزير الزراعة الإثيوبي للسودان    مؤتمر (أصدقاء السودان) يتعهد بدعم الحكومة الانتقالية في أبريل    الكوز المُفاخر بإنجازاته .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    (الحرية والتغيير) توصي رئيس الوزراء بإقالة وزير الزراعة    السودان: (الشعبي) يدعو لإسقاط الحكومة احتجاجا على اعتقال السنوسي    المصري حمادة صديقي مدرباً للهلال    صعود فلكي للدولار مقابل الجنيه السوداني قبيل مؤتمر دولي لإنقاذ الاقتصاد    "سان جيرمان": 180 مليون يورو سعر نيمار    اتحاد إذاعات الدول العربية يكرم حمدوك    حمدوك: عدد القوات السودانية العاملة في اليمن "تقلص من 15 ألفا إلى 5 آلاف"    مُقتطف من كِتابي ريحة الموج والنوارس- من جُزئين عن دار عزّة للنشر    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة        والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            مولد وراح على المريخ    الحل في البل    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





علم السودان: الرؤية القومية وغدر النميري .. بقلم: د. ميرغني محمد الحسن/ محاضر سابق بكلية القانون، جامعة الخرطوم
نشر في سودانيل يوم 16 - 09 - 2019

لنبدأ بالمسلم به في شأن العلم. بطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون علم البلاد مجرد "دلقانة"، أي "دلقانة" والسلام. فالعلم هو رمز الهوية الوطنية وهو بالضرورة خلاصة الرسالة القومية التي تسعي الدولة صاحبة العلم لإبلاغها إلى شعوب الأرض.
لا غرابة اذاً أن ينشأ فرع من فروع المعرفة، يعرف بالفيكسلولجي "Vexillology"، (ينحدر اسمه من الأصليين: اللاتيني، فيكسلم "vexillum"، أي الراية، والإغريقي، أولجي "ology"، أي العلم) يعني بالأصل التاريخي للعلم، يستقصى مراحل تطوره ويحل رموز رسالته بالرجوع إلى الرؤيا القومية وإلى تطلعات الشعب صاحب العلم. فراية أمة معينة، أي علمها، إنما هي مفتاح لبعض جوانب إرثه التاريخي وإشارات ملونة إلى مقاصده، وربما إلى هويته، وإلى المدلولات السياسية والاجتماعية، التي تلامس منزلة القداسة، في الوعي الجمعي لتلك الأمة.
فلنأخذ علم بتسوانا على سبيل المثال، هذه الدولة الإفريقية الصغيرة بالغة الروعة. عند استقلالها عام 1966، قررت بتسوانا (التي لم يكن بها سوى 22 خريجاً جامعياً حينها) أن تصمم علماً يرمز إلى فلسفة شعبها في الحياة، يرسل إشارة سلام إلى جيرانها، يترجم هويتها الثنائية العرق ويتحدث بلسانها إلى العالم. كانت تحاصرها في فجر استقلالها أنظمة فصل عنصري من ثلاث جهات: روديسيا الجنوبية (زمبابوي) إلى الشمال الشرقي وجنوب إفريقيا إلى الجنوب والجنوب الشرقي وجنوب غرب إفريقيا (ناميبيا) إلى الغرب. أراد شعب بتسوانا أن يهمس بدهاء إفريقي إلى جيرانه، الأسرى لوهم التفوق العنصري، إنهم وصمة عار في ضمير الإنسانية. فالأرض تسع الأبيض والأسود على حد سواء ويمكن لكل ألوان الطيف العيش في سلام مستدام في وطن مدني يحتكم إلى المواطنة الصرفة كمفتاح للمستقبل. قالوا في علمهم إن شعب بتسوانا يرحب بسكانه البيض كمزارعين مثلهم مثل سكان البلاد الأصليين وإن المطر سيكون مصدر الرزق لهم جميعاً، وهو بذلك (أي المطر) عدل سماوي لا يميز بين مزرعة الأسود والأبيض. صمم العلم، اذاً، ليحتفي بالمطر وليكون ابتهالاً أبدياً للغيث (let there be rain) ورجاءاً بأن لا يضن على بتسوانا المضيافة لكرم السحب. أقر ممثلو الشعب بأن يطغي لون الماء (السماوي الفاتح) على علم البلاد. ثم أرادوا الإعلان عن هويتهم بمستطيل أسود على عرض العلم، يتوسط المطر ويزمز إلى سكان البلاد الأصليين على أن يحف بالمستطيل من أعلاه وأسفله شريطان أبيضان إحتفاءاً بالسكان البيض في فيسفاء الوطن الواحد، يقتسمون أرضه وغيثه. وإذا يزدان المستطيل الأسود بخطين أبيضين، من الأعلى والأسفل، يطل حمار الوحش المحبب لشعب بتسوانا، أيقونة التفاؤل والخصوبة، شامخاً في رمز البلاد، يقتات من خير المطر، سارحاً في أرض السود والبيض على السواء، يتخير من العشب أطيبه غير آبه بلون صاحب الأرض الأكثر اخضراراً.
أعتقد صادقاً إن علم بلادنا في فجر استقلالها عبر أيضاً برمزية خالدة عن أمانينا القومية ورؤيتنا للمستقبل من منظور الفيكسلوجيا. فنحن بلد زراعي والزراعة هي مفتاح مستقبلنا إذ ستخضر أرضنا قمحاً ووعداً وتمنى. ومن مياه أنهارنا سنزرع أرضنا لصالح أمتنا وليس لمحالج مانشستر وصناع النسيج البريطانيين. وكان علم الاستقلال بألوانه الزاهية رسالتنا إلى العالم، تعبيراً على عزمنا في المضي إلى آفاق رحبة بسواعدنا وخيرنا. وما زلنا، نحن أبناء الجيل الشائخ، ندمدم في حنين إلى تلك الأيام، التي لم تعد أياماً، "لونك الأخضر زرع، لونك الأزرق ماء، لونك الأصفر أرض يفتديها الأوفياء".
كغيره من زمرة الطغاة الذين قفزوا إلى سقف الكون على أزير الدبابات، كان جعفر نميري حسن النية بادئ الأمر. هكذا ظننا على أية حال. لكنه سرعان ما شرع في إعادة اكتشاف العجلة: غيّر اسم بلادنا إلى اسم يروق له (كأن بلادنا مزرعة دواجن من أملاكه)، أعاد كتابة تاريخنا ليدرج اسمه في سجل الخالدين من صناع أكتوبر، غيّر مزاجنا القومي وغيّر عملتنا الوطنية لتزدهي بصورة "أب عاج" وغيّر علمنا الوطني في غفلة من أمرنا. كان هذا نهج أقرانه من المستبدين الأفارقة في تلك الأزمنة الكالحة، فقد كان تغيير المألوف هواية لمدمني السلطة الأبدية والرؤساء المزمنين. موبوتو غيّر اسم بلاده إلى زائير (بس كدا) وغيّر علمها إلى ألوانه المفضلة، بل غيّر حتى اسمه ليصير لقبه الرسمي "المحارب ذو القوة الخارقة الذي يخوض غمار المعارك غزوة تلو غزوة بفعل قوة تحمله الأسطورية وعزيمته العصية على التراخي في طلب المجد، مخلفاً لهباً مستعراً في طريقه وهو يزحف في مسيرته الظافرة". أما عبقري ليبيا الفذ فقد جادت قريحته الثورية باسم لبلاده لا يمكن استحضاره دون "بخرة" كما غيّر علم البلاد لكي "يطقم" به كتاباً أخضراً يهدي البشرية الحائرة نظرية عالمية ثالثة إلى المجد والفردوس الأرضي!!
لماذا غيّر نميري علم الاستقلال؟ كما نعلم جميعاً فقد قام الزعيمان الراحلان، الأزهري والمحجوب (عليهما رحمة الله) برفع علم الاستقلال إيذاناً بميلاد السودان الخارج لتوه من طغيان الاستعمار. ولكن، سرعان ما فضح الاستقلال خواء الزعماء وضمور خيالهم وضيق أفقهم (عليهم رحمة الله وغفرانه). فلم يكن لأخصبهم خيالاً وأقدرهم على الابتكار أدنى تصّور لما ينبغي عمله في صبحية اليوم التالي للاستقلال. فقد كانت الأولوية هي من يرث عربة القطار الخاصة بالسير الكساندر هلم، آخر حاكم بريطاني عام للسودان، هل أحق بها رئيس الوزراء أم رئيس مجلس السيادة؟ ومن يرث بيته؟ وغير ذلك من القضايا القومية المستعصية. برع الزعماء في المكائد والغدر والدسائس، وكمن ظفر من الغنيمة بالإياب، فقد اكتفوا بإنجاز رفع العلم كأيقونة لمجد سياسي أبدى لا ينال منها القدم ولا يشيخها الدهر. وتحضرني بهذه المناسبة مقولة لكاتب بريطاني ساخر تهكم فيها على القادة الأفارقة، الذين سعوا لاستقلال بلادهم في عزم ملحمي، ثم فضح الاستقلال فقدان خيالهم المريع في نظر شعوبهم. قال ذلك الكاتب أن زعيم الاستقلال الأفريقي النموذجي يذكره بالكلب الذي يلهث خلف السيارة دون أدنى تصوّر لما سيفعله بالسيارة حين يدركها!!
وهكذا فقد قصد النميري، بخبثة الذي سارت به الركبان، أن يجرد زعماء الاستقلال من آخر إنجاز يمكنهم التشدق به. أليس هذا هو العلم الذي رفعتموه؟ حسناً، لم يعد علم البلاد الآن، فماذا أنتم فاعلون؟ لم يأبه نميري أن يبرر لنا لماذا استبدل علم استقلالنا ورمز رؤيتنا القومية بعلم جديد، فيكفي أن العلم الجديد تماهى مع مزاجه الرئاسي ذلك الصباح. لكن زبانية القصر الذين برعوا في تجيير حماقاته ونزواته العسكرية قالوا لنا يومها إن تغيير العلم إنما كان ضرورة قومية إستشعرها الرئيس القائد، المشير أركان حرب، رئيس الجمهورية والقائد العام لقوات الشعب المسلحة وراعي الجامعة والكشاف الأعظم، ليتماهى علم البلاد مع أعلام بعض الدول العربية الصديقة.
ما هي أعلام الدول العربية هذه؟ ما هو أصلها التاريخي؟ ما علاقة بلادنا بذلك التاريخ؟ تتقاسم ثمانية دول في منظومة الجامعة العربية (التي أحتج بعض أعضائها على عضوية السودان الزنجي فيها)، علماً متشابه الألوان، إلى درجة الإرباك (في حالة السودان وفلسطين)، يتكون من أربعة ألوان: الأحمر، الأخضر، الأبيض والأسود. الأصل الذي انحدرت منه هذه الأعلام لم تصممه أي من الدول الثمانية أو يكلف به فريق تصميم عربي. وفي واقع الأمر لم يشترك أي عربي من أية دولة في تصميمه إذ يعود الفضل في تصميمه للعرب الدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس عند اندلاع الحرب الكونية الأولى.
في مستهل القرن العشرين بدأت الإمبراطورية العثمانية الشائخة في التصدع والانهيار فسال لعاب القوى الإمبريالية الأوروبية (بريطانيا العظمى وفرنسا) على الإرث العثماني الشاسع في الشرق الأوسط. فكرّ الإمبرياليون الأوربيون في أقصر الطرق وأقلها كلفة لالتهام المستعمرات التركية: ثورة القبائل العربية ضد الحكم العثماني بتوجيه بريطاني فرنسي. وهكذا بدأت المراسلات بين هيربرت كتشنر، القنصل البريطاني العام في مصر، مع الحسين بن علي شريف مكة في الحجاز عام 1914. وتلي ذلك الوعد الذي قطعه السير هنري ماكمهون، المفوض البريطاني العام في مصر، إلى شريف مكة بضمان خلق دولة عربية موحدة تمتد من حلب في سوريا إلى عدن في اليمن، فقط يتعين على العرب تحرير بلادهم من الاستعمار العثماني. كلفت بريطانيا السير مارك سايكس وكلفت فرنسا فرانسو جورج-بيكو بإثارة نعرة "العروبة" ضد العثمانيين. لكن المعضلة التي واجهت الأوربيين تمثلت في توحيد القبائل العربية المتنافرة المتحاربة لدرجة إن الفرنسيين قالوا "أهون علينا رعي قطيع من القطط من أن نوحد العرب، حتى في سبيل استقلالهم". وفي مكر بريطاني خلاق "نبش" السير مارك سايكس في التراث العربي عله يهتدي على إشارة "لدلقانة"، أي "دلقانة" والسلام ليوحد قبائل العرب حولها. وفي ظني فقد استعان بمركز أوكسفورد للدراسات الشرقية للتنقيب في التراث العربي عن راية يعيد تدوريها لإيقاظ الحس العربي لخدمة الأهداف الاستعمارية. ولما لم يجد ضالته فكر في استحداث "دلقانة" من الألوان التي وردت في قصيدة لصفي الدين الحلي (1339-1277) بعنوان "سلي الرماح العوالي عن معالينا" والتي يقول فيها:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا
خضر مرابعنا، حمر مواضينا
وزعم الداهية البريطاني (أو وجد من يزعم له) إن اللون الأسود يرمز للعباسيين والأبيض للأمويين والأخضر للفاطميين والأحمر للهاشميين. وهكذا استمال الأوروبيون الشتات العربي بكشكول ألوان مصمم امبريالياً يليق بمزاج أهل الشام والعراق وأهل الحجاز وفلسطين. هذا هو أصل ما يعرف بعلم الحجاز أو علم العصبة العربية (The Pan-Arab Flag) الذي قاد تحته القائد البريطاني إدموند اللنبي ولورنس العرب آلاف المرتزقة العرب لحرب العثمانيين. وكان شرط المرتزقة أن يدفع لهم مقدماً قبل خوض أية معركة لنيل استقلالهم مما كبد الخزانة الفرنسية مليون وربع مليون فرنك ذهبي بينما تكبدت بريطانيا 220 ألف جنية إسترليني شهرياً إلى إن سحق العثمانيين تماماً.
بطبيعة الحال لم يقصد البريطانيون والفرنسيون إنشاء دولة عربية موحدة كما وعدوا شريف مكة. لماذا يسمحون بقيام دولة قوية على الأنقاض العثمانية؟ قصدت القوى الأمبريالية اصطياد عصافير كثيرة بطلقة واحدة بتحريضهم العرب ضد العثمانيين. في الدرجة الأولى كانوا يطمحون إلى أن يكونوا سادة العرب الجدد لإحساسهم إنهم أعلى مقاماً من تركيا المتهالكة ويحق لهم تبعاً لذلك السيطرة على أهم أقاليم العالم قاطبة. ثم أن الحرب العربية التركية سترغم العثمانيين على إعادة نشر آلاف الجنود في الجزيرة العربية، بعيداً عن قناة السويس التي كان الفرنسيون والبريطانيون يخشون من مهاجمة تركيا لها خشية لا حدود لها. وهكذا، أشغل أعدائي بأنفسهم وعجل بالنصر وبالفرج.
وسرعان ما أدركت القبائل العربية فداحة الخدعة التاريخية التي أوقعتها فيها القوى الاستعمارية تحت علم سير مارك سايكس. فقد قالوا للعرب لقد حققتم استقلالكم من العثمانيين ولكن تحت مظلة انتدابنا!! وهكذا قسمت بلادهم مثل كعلة الميلاد: أخذت فرنسا سوريا ولبنان وظفرت بريطانيا بفلسطين وأمارة الأردن والعراق. وقالوا للعرب أيضاً "أتذكرون تلك "الدلقانة" التي صممناها لكم؟ يمكنكم الاحتفاظ بها كتذكار لأيام الحرب!!". وهكذا تبنت مملكة سوريا نسخة من علم السير مارك سايكس عام 1918 وحذت العراق حذوها عام 1921 وتبعتهما الأردن عام 1928 التي أضافت لاقتباسها من العلم النجمة الهاشمية الشهيرة وتبنت فلسطين تصميماً مماثلاً من الألوان الأربعة عام 1948.
حري بنا الآن أن نتفكر في علم بلادنا، رمزنا القومي وموجز أمانينا الوطنية ومدلول هويتنا وجوهر رسالتنا للعالم. ماذا يعني لنا هذا العلم؟ هل يرمز للحسرة القومية لتهورنا في سحق الأتراك دون انتظار الوصاية الأوروبية لنحاربهم بدعم أوروبي تحت علم الحجاز؟ هل قصدنا بتغيير علم استقلالنا إرسال إشارة متأخرة إلى شريف مكة إنه فاتنا شرف حرب الأتراك تحت قيادة البريطانيين والفرنسيين ونعبر له الآن، بعلم جديد، عن انضمامنا لجيش الحجاز بعد كل هذه السنين؟ أين هويتنا القومية في علبة ألوان صفي الدين الحلي؟ هل نحن عباسيون أم فاطميون أم هاشميون؟ وأحسب لو أن صفي الدين استرسل في ألوانه بأن أضاف مثلاً:
زرق عمائمنا، صفر طواقينا
لكان البريطانيون قد أضافوا الأزرق والأصفر لعلم العصبة العربية إجلالاً لعمم العروبة وطواقيها ولكان اللونان قد وجدا طريقهما إلى علم السودان. ولنا أن نتصوّر كيف أن رمزنا القومي إستمد مقاصده اللونية من بيت شعر واحد في قصيدة تفاخر فيها مؤلفها لمعشوقته بأمجاد القبائل الطائية بدحرهم لعصابة آسيوية في تخوم العراق فيما عرف بالعصر المغولي!!
في اعتقادي الشخصي، كان علم نميري تعبيراً عن "إنبطاح" بلادنا الطوعي لشعارات القومية الخاوية ولاستعدادها أن تكون "ملطشة" للعرب حتى دون أن يطلب اليها. كان علم نميري استسلاماً لرغبة اللهث القومي لحسم هويتنا العربية الأفريقية لصالح مكون دون الآخر، ربما بسبب عقدة النقص الأزلية كوننا من عرب الهوامش وضيعي المقام في المخيلة الجمعية العربية. فعلى سبيل المثال عندما علت الأصوات القومية، في أعقاب حرب عام 1967، بضرورة توحيد أعلام "العروبة" لم تأبه الغالبية العظمى من دول الجامعة العربية مثقال ذرة لضوضاء الهتافة وأبقت على رموزها القومية، ذات الجذور التاريخية، لافتات وطنية لشعوبها. فعلم تونس، على سبيل المثال، تعود جذوره التاريخية لعام 1831، فلماذا تستبدل تونس مثل هذا الأرث مهراً لزعيق القومية الجوفاء. وكذا فعلت المغرب التي تبنت علمها الحالي عام 1915 بنجمته الخماسية التي ترمز للحب والصدق والسلام والحرية والعدالة. أما شجرة الأرز اللبنانية فقد ورد ذكرها في موضعين في الكتاب المقدس: "أشجار الرب التي غرسها تسقي جيداً، أشجار الأرز التي غرسها في لبنان" وكذلك القول الشهير في الكتاب المقدس "يزدهر الصالح وينمو مثل شجرة الأرز في لبنان". فهل يعقل أن ترمي لبنان بهذا الشرف السماوي من أجل خطرفات اذاعة صوت العرب "صوت الأمة العربية"؟ وحتى الدول العربية التي نالت استقلالها بعد حرب عام 1967، مثل مملكة البحرين ودولة قطر، لم تهرع إلى ألوان علم العصبة العربية لتصميم رموزها القومية. ورغم اتحادها في العملة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية وسيرها الجماعي نحو المستقبل احتفظت دول المجموعة الأوروبية بأعلامها الوطنية وكذلك فعلت دول الكتلة الآسيوية.
أعلام الأمم أخطر من أن تترك لديكتاتور متسلط يعبث فيها كيفما يشاء من وحي علبة ألوانه الرئاسية. وينبغي أن لا نستبدل علمنا فقط من باب "الكية" للاتحاديين وحزب الأمة لأن زعيمي الحزبين تجرئا على رفع علم الاستقلال. ولنا أسوة حسنة، في تجربة ناميبيا، في كيف تهتدي الأمم إلى رموزها القومية. عند استقلال ناميبيا في عام 1990، طلب إلى الشعب بكافة مكوناته التقدم باقتراحاته لتصميم علم البلاد، شريطة أن يرمز التصميم إلى هوية البلاد وأمالها المستقبلية ويوجز رسالتها للعالم. تلقت اللجنة الفرعية المكلفة بفرز التصاميم 870 اقتراحاً، اختير منها ستة تصاميم. ثم عرضت التصاميم الستة إلى لجنة موسعة اختارت منها ثلاثة تصاميم اتفق أعضاء اللجنة بالإجماع على تطابقها الكامل مع شروط التصميم. ولما لم يكن من الممكن تفضيل أي من التصاميم الثلاثة على التصميمين الآخرين، قررت اللجنة الموسعة أن تدمج التصاميم الثلاثة في لوحة فنية واحدة صمم علم البلاد وفقاً لها.
ونحن الآن نستشرف عهداً مدنياً ديمقراطياً، يحق لشعبنا "نبش" تاريخه السياسي بشفافية ومكاشفة لا مكان فيها للتستر على ما حشر تحت السجادة في عهود التسلط والاستبداد. يحق لنا السؤال دون خشية أومواربة: هل يصح أن ننتصر لمكون اثني واحد في رمز بلادنا، بحسبانه مكوناً أسمى مقاماً من غيره؟ أين رسالتنا القومية في ألوان صفي الدين الحلي التي رتقت بها "دلقانة" العصبة العربية؟ لماذا تحتفظ دول أكثر عروبة من أمتنا (البعض عربية وبعض نوبية وبالغة الزنجية) بأعلامها التاريخية ورموز شعوبها ونلقي نحن بعلم استقلالنا في المزابل استجابة للضجيج القومي ونكاية بزعماء استقلالنا؟ أين يجد ابن جبال النوبة وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق والمحسي والهدندوي رسالة بلادهم في علم يستند إلى قصيدة شاعر طائي حارب أهله المغول؟ أين هويتنا في علم أقتبس ألوانه من "دلقانة" مارك سايكس؟
إنني أقترح أن يناقش المجلس التشريعي عند تكوينه مسألة علم بلادنا للإجابة على أسئلة جوهرية حوله: أين رمزية السودان في علم النميري؟ هل تعبر ألوان علم العصبة العربية عن أمتنا؟ هل نجد فيها ما يوحدنا؟ أين رسالة بلادنا للعالم في هذا العلم؟ ماذا يقول هذا العلم عنا للعالم؟ ما علاقة بلادنا بوعد هنري ماكمهون إلى شريف مكة وحاكم الحجاز؟
لا ينبغي أن يكون علم بلادنا مجرد "دلقانة" أي "دلقانة" والسلام.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.