النزاعات القبلية .. الدوافع والتداعيات والحول .. بقلم: إبراهيم سليمان    من التحول الديمقراطي إلى حكومة شمولية .. بقلم: يوسف نبيل فوزي    لمن تقرع الطبول في الفشقة !! الاستخفاف بالمواطن الاثيوبي والسوداني البسيط .. بقلم: أيوب قدي رئيس تحرير صحيفة العلم الاثيوبية    إيقاف مشروع تقنية الحشرة العقيمة جريمة كبرى .. بقلم: د.هجو إدريس محمد    غضبة الفهد الأسود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    هذه هي ثمار سياسة ترامب العنصرية .. بقلم: نورالدين مدني    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    تابعوهما .. بقلم: كمال الهِدي    وداعا صديق الصبا المبدع الهادى الصديق .. بقلم: محمد الحافظ محمود    ولَعَلِّي باخعٌ نَفسِّي على آثَارِكُم! الى أرواح من رحلوا عنا . بقلم: عبدالإله زمراوي    الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر    علمنة الدين وعلمنة التصوف .. بقلم: د. مقبول التجاني    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    معلومة ادهشتني حد الصدمة .. بقلم: صلاح الباشا    طائرة (قدح الدم) تثير الغبار بهبوطها ونفيه .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    الحكومة تتسلم رسميا حسابات منظمة الدعوة ومجموعة دانفوديو    أمريكا ولعنة السود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    التجمع الإتحادي: فيروس (كورونا) خطر يفوق قدرة نظامنا الصحي    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مؤشرات الفساد من تجاربي في السودان .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة
نشر في سودانيل يوم 15 - 10 - 2019

بقلم سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة:
الفساد أنواع، حسب المكسب الذي تسعى إليه ممارسته: فسادُ الشره، ويعتمد على الإفساد: إفساد النظام الذي يضبطه، أو إفساد ذمة الشاهدين عليه من إداريين أو متعاملين فيه، من أجل تسهيله أو السكوت عليه، أو الاشتراك فيه.
وهناك فساد الاستباحة بالفوقية العرقية أو الطبقية أو الدينية، بحيث يجد الفاسد مبرراتٍ لطغيانه باغتصاب الحقوق بحكم فوقيته وإضلال مستحقي الحق.
وهناك فساد الأخلاق الذي يبني نفسه على تغييب الضمير وتعتيم الرؤيا وتجميل قبح الفساد حتى يصبح مقبولاً مجتمعياً، وهو الإباحية في استباحة العصمة بتغييب الأمانة، وذلك من فساد البيئة وعمى البصيرة.
وكل تلك المظاهر من الفساد تختمر في حضرة الجهل وضيق الأفق وغباب التجربة وثمرتها من الحكمة.
ولكن هناك الفساد الأكبر الذي يتم إنباته في باحة العلم، والصفاء الذهني التام وبالثقافة واحتراف المعلومة، بالتحريف والتزييف وفلسفة تطبيع بل وتمييز الأنانية والظلم، والذي تُطوّع له الأديان والضمائر في مفترق طريقٍ واحد: هو تغييب الإيمان بالجدلية العمياء لطمس معالم الحق المعلوم بالفطرة السليمة.
والذي دججها بالفلسفة لإدخال فلسفةٍ عقلانية محفّزاً للإقدام على المطامع بدون اعتصام هو الفيلسوف سيء الذكر نيكولو ما كيافيلي، الذي عبّد الطريق للظلم وفساد الأخلاق بنظريته [الغاية تبرر الوسيله]، والتي اتسم بها كتابه المسمى "الأمير"، والذي تم طبعه عام 1532، أي بعد وفاته بعدة سنوات عام 1527، حيث وصف الأمانة وعصمة دماء الضعفاء والحرص على العفة من مكبّلات الأمير الناجح والسياسة الفاعلة.
فلسفته تلك ضربت النزاهة ومكارم الأخلاق ضربةً موجعة حتى حاربتها الكنيسة والمجتمع المتدين، ولكنها، بما فيها من دهاء الخلاص من القيود، صارت مرغوبة لكل طلاب السلطة من كل المجتمعات، من مختلف الأديان ومختلف المجتمعات، حيث التقت تلك الفلسفة مع جدليات التسييس الديني الوليدة في كنف القبلية والانتقام اللذان كانا لا زالا في بداية مخاطبتهما، منذ نزول الدين الإسلامي وبدعم الثقافة في جدليات الأعراب بعد وفاة الرسول مباشرةً، حول السلطة وحاكمية السيف التي استباحت منذئذٍ السلب والنهب والانتقام، والتي قضى الإسلام بمنعها، فنجحوا في تسييس الدين بالزيادة عليه وتأويله، وسرعان من شربوا من الماكيافيلية، وتبعهم في ذلك المسيحيون في القسطنطينية حيث سعوا لتطبيقها في الشام بخلق إله لهم هو عيسى على أنه يدعوهم للحرب ويوحدهم [كتاب المسيحية والإسلام فوق التأريخ إلى العقيدة بالإله الواحد الأحد للكاتب جوزيف سويشن مساعد الزعيم الإقليمي، وواعظ جالية الناطقين بالصينية، وراعي قاعة زافيير هول]، واقتطف لك منه كيف تطور التسييس الديني لدى المسيحيين، وكيف كان الإسلام في انزلاقٍ نحو التسييس الديني، إلا أنه كان أعدل من المسيحية بعد:-
ومع خوف أوروبا من المسلمين والفايكونج استحدثت الكنيسة صكوك غفران للعلمانيين في الحرب العادلة لحماية النصرانية. ولكن بوصول السلاجقة الأتراك أصبح البيزنطيون الدرع الواقي لغرب أوروبا. ولكن في غيابها عن حال المسيحيين تحت الإسلام جهلت
الكنيسة الهيكل الإجتماعي القانوني الذي يحتويهم، وكان عليها إما محاربة المسلمين أو تنصيرهم.
كانت كل ملابسات الحروب الصليبية، ولو كانت بتبرئتها أنها في سبيل الرب والغفران، دافعاً للسلام أكثر منها لعلاقة المسيحية بالإسلام. برز بعدها الصليبيون الهمجيون من الشمال من وكلاء الكنيسة، فرسان العلمانية النصرانية في "الحرب العادلة" بحسابات السلطة الدينية.
الصليبيات تبنتها المنظمات الدينية، والقديس برنارد السسترساني وعظ للصليبية الثانية وبارك العسكرية الدينية (فرسان الهيكل وفرسان مالطا)، المحارب دينياً للإسلام.
أزعجت عودة الصليبيين البيزنطيين، فاستغلهم الإمبراطور الأكسيس لتحرير الأدرياتيكي من الأتراك، ولكن تخوينهم الإغريق واحتكاكهم بالفرنكيين بالقسطنطينية عند عبورهم، أفقدهم ثقة البيزنطيين. وفي عام 1204 اتجهت الصليبية الرابعة لمحاربة بيزنطة واكتساح القسطنطينية واستباحتها، فسقطت للعثمانيين. ومع وجود الفرنكيين في الأراضي المقدسة، احتدمت الأصولية والجهاد. فتسببت الصليبية في إضعاف الإمبراطورية وتوسع الإسلام، وقوضت مجهود العباسيين في ازدهار التعايش بين الأديان، ففضلوا تركيا على روما.
أما مسيحيو الشرق فقد عانقوا الثقافة العربية الجديدة بدلاً عن الغربية، وأدخلوا تعديلاتٍ في شرعهم مستمدة من الإسلام
واستطاع المتشنجون والحكام المتسلطون تحقيق مكاسب طائلة نجحت بها سياساتهم الظالمة واستشرى بها طمعهم وشهوتهم للمزيد، فتحرّك جميع الديانات باعتلاء قطار الماكيافيلية و برعوا في تحوير دياناتهم متجاهلين بيّناتها الملزمة لتعريف الحق، فابتدعوا الصهيونية والجيسوفاشية أو الإنجيلية، والحاكمية السنية والشيعية، بنصوصٍ غير بيّنة حسبوها على ربهم بالمنقول من باطل القول، وهو الذي جعل الأديان بدلاً من نصوص الخلاص كما سارت بها عند نزولها، إلى مآزق إرهاب وترهيبٍ، ثم ورقة توت للمزيد من الفساد باسم الحق والذي عليه تم إطلاق مسمى "الحكم باللصوصية (كليبتوكراسي)"، والتي ميّزت كل الدول الدينية التي جمعها جميعاً طابعٌ مشترك بينها، هو الظلم والإرهاب وغياب السلام.
هذا الشرُّ الخطير هو الآن ما بدأ معه المجتمع البشري في الانقسام وبث الكراهية والظلم، وانعدام السلام والرحمة، والتحرر من الفطرة التي تكبح جماح العقل البشري من الضياع في وهاد محصورية العقل البشري، والتي يكون فيها العقل البشري مأساة ً للبشر أكثر منه مأساةً لبقية الأحياء، حيث يصطلي هو فقط بحكم توسّع علمه، وكما اتفق عليه جميع العلماء، أن العقل كلما كبر كلما أتعس صاحبه، بينما هو كلما كبر كلما اهتدى صاحبه إلى إيمانه بمحدوديته وبخوفه من معاندة فطرته، ولكن فساد التسييس الديني (أو الماكيافيلية) تسفه عنه ذلك الخوف وتقوده إلى الخسران الكامل.
التزاوج المحظور بين الدين والسياسة
هنالك آية في الإنجيل تقول "كن حكيماً كالثعابين ونزيهاً كالحمائم"
هل الواجب هو التزامٌ حرفي للوصول برغبة أصحاب الأمانة إلى هدفها كيفما يجب، أم العدول عنها عندما تتضارب مع النزاهة من عدالة وصدق؟ أم أن الإثنين لا يتقاطعان وبالتالي يمكن تزاوجهما؟
يكون التزاوج ذاك صحيحاً لو أنه تم الافتراض بان التضارب المحدد مع النزاهة لا يمكن تجاوزه، أي أن الواجب يُسمحُ في تنفيذه تخطي أماكن التعقيد من عنق الزجاجة وحسم التردد، وبالتالي تنطبق عليه فلسفة "أن التكليف (الواجب) يتحدد بما هو مستطاع (من إملاءات الضمير بفرضية أن الضمير هو رصيد من المبادئ)" وتكون بذلك لا تكليف فوق الطاقة
حتى أطلت نظرية "الأمير" للفيلسوف "نيكولو ماكيافلي" وهي نظرية "الغاية تبرر الوسيلة"
واصطدمت تلك النظرية بواقع المجتمعات المشرّبة بمبادئ تستلهم غاياتٍ فيما تعتقد أنها أرقى من الذات البشرية التي تستظل بها
ولدى هؤلاء، ومنهم أصحاب العقائد الدينية، هذه القيم المستمدة أمانةً ضميرها (أو لأصحاب العقائد الدينية، أمانة من الله تعالى وحدوده) لا يملك الإنسان ليُساوم بها
وبذا تجلّت القناعة بأن النزاهة بحملها الثقيل من الأخلاق لن تنحني في طريق الواجب ولا يمكنه التزاوج معها، وكان الفيلسوف "إيمانويل كانت" هو أول من نادى بذلك في عصر التنوير
وفي الإسلام أول من أعلنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نسب إليه قوله:
"القابض على دينه كالقابض على الجمر"
حيث لا يمكنه الجمع بين القبض على الجمر وإتمام الواجب من يسمح لنفسه بالمساومة بمبادئه الأخلاقية وهي دينه، فكان بذلك هو أول من بيّن أن التنازلات لا بأس بها من أجل تقليل العبء لإكمال الواجب، ومن تلك التنازلات "التُّقية – بمعناها الصحيح – " و"الهدنة". أما التنازل عن المبادئ فإنه غير وارد
وترسخت القناعة لدعاة مكارم الأخلاق بأن التزاوج بين المبادئ الخلقية والواجب هو فساد الأخلاق
وفي الإسلام، قال تعالى في سورة البقرة "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" صدق الله العظيم
هذه الآية تشرح بدقة كل ذلك كما يلي
الشطر الأول من هذه الآية "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" يبين الله تعالى أن الواجب يتم تنفيذه حسب المستطاع، وهي النظرية الأولى أعلاه بإمكانية تزاوج رصيد المبادئ والواجب
ثم أردفها تعالى بقوله "لها ما كسبت" أي حلالٌ عليها وملزمٌ لها في تنفيذ واجبها ذاك وبتلك الطريقة ما تميزت به من مكاسب وهبها لها الله تعالى، سواءاً كانت في الصحة أو المقدرة أو رخصةً من الله لرفع الواجب عنها أو تخفيفه. "وعليها ما اكتسبت": حيث حذرها الله مما اكتسبته من مكاسب بجهدها وصدق نيتها من سلطة وثقافة وإدارة وتنفيذ وتفسير، بأنها في اكتسابها ملزمة بعدم تعديها "الخطوط الحمراء" التي رسمها تعالى لها، فإذا نفذّت الواجب فهي محاسبة بما تتعداه من خطوطٍ حمراء هي تعلم بها، وهي ما ترمي به النظرية الثانية أعلاه وهي استحالة تزاوج سلطة الواجب وسلطة الضمير (أو المبادئ العميقة)
إن الرسالات السماوية من إسلام ومسيحية ويهودية لها الدور الأعظم في مؤسسية التواضع والرحمة ومكارم الأخلاق، فثبّتت القناعة والأمان في قلوب الناس فوجهوا جهدهم للكسب مع الرضا، وألجموا طموحهم من الطمع بالقناعة والصبر.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.