مسؤولية وزير الداخلية أمام حمدوك !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله    مشروعُ الأَسَد الأجرَب الحِمَارِي- مقتطف من كتابي ريحَة الموج والنَّوارس- عن دار عزة.    ضد تبديل العملة مع "تعويم الجنيه": ولنبدأ فعلياً في ضرب "الاقتصاد الموازي" الذي تسيطر عليه الرأسمالية التي نشأت في العهد البائد .. بقلم: نورالدين عثمان    ألمانيا تبادر بمساعدة "فورية" للسودان في طريقه إلى الديمقراطية    الظواهر الصوتية غرض أم مرض؟ .. بقلم: إسماعيل عبد الله    ما بين الشيخ الاكبر والسلطان ... حكايات تتكرر بين بلة الغائب وآخرون .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    المريخ يرفع درجة التحضيرات لحي العرب    رابطة المريخ بالبحر الأحمر تكرم د. مزمل أبو القاسم    حميدتي: الاتحاد العام ارتكب قصورًا في قضية كاس    تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل زيارة مزعومة لرئيس "الموساد" إلى قطر    "حماس": هنية في موسكو مطلع مارس على رأس وفد من الحركة    كوريا الجنوبية تعلن خامس حالة وفاة بفيروس كورونا وترفع مستوى الخطر إلى أعلى درجة    اليوم اولى جلسات محاكمة المتهمين بقتل الملازم شرطة عصام محمد نور    التحقيق مع مشتبه بهم في بلاغ مقتل اجنبي ببحري    وزير المالية: الاقتصاد السوداني منهزم لارتباطه بسعرين للصرف    أديب: نتائج فضّ الاعتصام لن تملك للعامة    مدير الشرطة يرفض استلام استقالات(251) ضابطًا    مواطنون يهددون باغلاق مناجم تعدين بجنوب دارفور    ريشموند يتوقف عن التدريبات ويطالب بحقوقه    رياك مشار نائبا لرئيس جنوب السودان    فرار المطلوب علي كوشيب للمحكمة الجنائية الدولية إلى إفريقيا الوسطى    كفاح صالح:هذا سر نجاحنا إمام الهلال    اولتراس تصدر بيانا تعلن مقاطعة جميع مباريات الهلال    المحمول جوا وقانونا .. بقلم: الصادق ابومنتصر    هل عجز علماء النفس في توصيف الشخصية السودانية؟ .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    تلفزيونات السودان واذاعاته ديونها 14 مليون دولار .. بقلم: د. كمال الشريف    "بينانغ".. أي حظ رزقتِه في (الجمال) .. بقلم: البدوي يوسف    الضربونا عساكر والحكومة سكتت عشان كدا مفترض الحكومة المدنية تستقيل عشان يحكمونا العساكر ويضربونا اكتر .. بقلم: راشد عبدالقادر    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    بعض قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة .. بقلم: صديق عبد الهادي    نحو خطاب إسلامي مستنير يؤصل للحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعه الخرطوم    ثم ماذا بعد أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تطير في أجواء السُّودان يا فيصل محمد صالح؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    خواطر حول المجلس التشريعي، الدعم السلعي، وسعر الصرف .. بقلم: أ.د. علي محمد الحسن    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    وفاة عامل واصابة اثنين بهيئة مياه الخرطوم لسقوطهم داخل حفرة    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    تركيا تؤكد أن ضماناتها في ليبيا تتوقف على احترام وقف إطلاق النار    كوريا الجنوبية تعلن أول حالة وفاة بفيروس "كورونا"    أسر الطلاب السودانيين بالصين ينظمون وقفة أمام القصر الرئاسي للمطالبة بإجلاء أبنائهم    حجز (37) موتر وتوقيف (125) سيارة مخالفة    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    متى يعاد الطلاب السودانيين العالقين فى الصين الى أرض الوطن؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على    هجوم على مذيع ....!    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مفاوضات جوبا للسلام وآفاق النجاح .. بقلم: عبد الجبار محمود دوسة
نشر في سودانيل يوم 09 - 12 - 2019

مفاوضات السلام المنتظر انطلاقها في جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، تأتي بملامح مغايرة عن كل عمليات التفاوض السابقة، فهي من حيث الأطراف، قد تعددت كمّاً ونوعاً حيث شملت حركات ثورية مسلّحة، هي الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال والجبهة الثورية بفصائلها المسلّحة ومشتقّاتها من الأفراد والتنظيمات المدنية فيها، وتنظيمات جمعتها كتل قوى الحرية والتغيير وحكومة فيها متحوّرين من عسكر النظام السابق إلى هجين العسكر مع المدنيين في المجلس السيادي الجديد. وضمن كل هؤلاء، ممثلين لتنظيمات دخلت في إتفاقيات سابقة مع النظام المخلوع بدءاً باتفاقيات حسن النوايا ووقف إطلاق النار واتفاقيات فتح الممرات لتعزيز وإيصال المساعدات الإنسانية وإعلانات المبادئ وإتفاقيات إطارية وانتهاءاً بالإتفاقيات النهائية، وبين ثنايا كل ذلك ما خُفي من لقاءآت وتفاهمات خاصة، الأيام كفيلة بإزاحة النُقب والبراقع والحُجُب عنها.
معلوم أن تلك الإتفاقيات قد اشتملت على صيغ ثنائية وأيضاً جماعية، وطاف اسم السودان وأقاليمه خلالها على بساط تحفَّى وهو يحمل القضايا متجوّلاً عبر العديد من مدن المحيط الإقليمي والعالم، أبرزها، (برلين، نيفاشا، نيروبي، أديس أبابا، أبّشي، انجمينا، القاهرة، أبوجا، أسمرا، طرابلس، أروشا والدوحة). كل هذه المدن شهدت مداولات ومفاوضات واتفاقيات بين أطراف سودانية، لأزمة تراكم بناؤها عبر السنين، ولم تفلح كل حكوماتها المتنوّعة والمتبادلة سوى في زيادة إشتعال نارها واستعار أوارها بفهم أو بعدم، والحال كذلك، فقد فشلت جميعها في إحداث الإختراق المنشود لتقويم إعوجاج الدولة السودانية، وآخرها المتجلّي بوهج حارق في النظام الأحادي الذي حكم ثلاثين سنة متشبّثاً بالدولة وإمكاناتها.
اليوم، وبعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر إشراق شمس دافئة في ظل قدر من الحريات، وإطار من استعداد الرؤى لتتلاقى وتتنافح حماية للحرية التي جاءت بقدر متدرّج بعد نضال طويل وشرس دفعت فيه الشعوب أغلى ما تملك وهي الأرواح، فالجميع ينتظر تمام الإجتثاث الكامل لنظام الإنقاذ. في ظل هذا الوضع، يبدو أن السلام بكل معانية اللغوية ومضامينه الضرورية وتطلعاته الشعبوية، ليس بعيداً، ولكن بشرط توفّر العوامل البديهية الماثلة في ذهن كل فرد، والمتمثّلة في النوايا الصادقة والإرادة النافذة، حينها فقط ربما يترآى قريباً. بيد أنه ودون أن نبحث في المعطيات التي من خلالها يتحدد مدى توفّر هذه الشروط والعوامل التي قلنا عنها بديهية، فإن القفز إلى إعلاء الأمنيات فوق الواقع، يوردنا حصاداً لسرابها وحفظاً لمستقبل وطن في أوعية، نتيح فيها للرياح أن تعبث بها، ولتتعَلُّق بعدها بأهداب خيوطٍ عنكبوتية وهناء ملتفّة على رِكاز هشّة وجوفاء.
الشعوب السودانية كلّها تُمني النفس بسلام يُمكّن من الإستقرار الذي يقود إلى التنمية، حتى نعضض ونبارك القِران بين السلام والتنمية باعتبارهما توأم سيامي حياتهما يتعزز بالإستمرارية متلاصقين، على غير العادة في عدم الفصل بينهما، لا سيما وأن القِران بينهما في الأصل معقود بالفطرة، وهذا لا يتأتى بأفضل التجلّيات إلا بتوفّر الإستقرار الدائم، الذي هو الآخر يبلور صيغة نجاح المفاوضات المقبلة على إشتراط قاطع في تحديد نوع وعمق وحدود القضايا التي ينبغي البحث فيها على مستوى الطموحات المنشودة. معلوم أنه ومن حيث المناطقية وخصوصياتها، فإن اتجاهات السودان الأربعة حاضرة ضمنياً في الأطراف المتفاوضة بحكم الأمر الواقع، وأن الممثّلين فيها اكتسبوا ذلك بوضع اليد من خلال التنظيمات واللافتات التي يجلسون تحت مسمّياتها والتي أيضاً جاءت نتاج تضحيات قدّمها كثيرون مضوا شهداء وآخرين سرباء وغيرهم غبناء ومنهم من بقوا حُرَداء ضمن لفيف من الرُغَباء والأسبطاء. وتجاوزاً لجدلية الأحقّية في التمثيل، وحتى لا نغوص في وحل مَنْ يمثّل منْ، ومَنْ فوّض مَنْ، نستعيض في مضمون مقالنا بالشعارات والقضايا التي يطرحها أؤلئك الممثلون، ونتصوّر أنها الثوب المطّاط الذي يُوائم لابِسَه، وبذلك لن تتعرّض المجتمعات التي تتطلّع إلى عائد السلام للسعات زمهرير الذات وشتائه، ونفترض أن المناداة بالمعالجات فيها سينتفع بمكتسباتها الجميع متى تحققت باستحقاقاتها.
وفقاً لما أشرنا إليه أعلاه، واستصحاباً لمتغيّرات الأطراف والمعطيات، دعونا نتناول ما هي القضايا التي يمكن لمنبر التفاوض الحالي الخوض فيها والوصول إلى اتفاقات بشأنها، والقضايا التي يجب، بل مفترض على الحكومة الإنتقالية البدء في تنفيذها مباشرة منذ يوم مجيئها الأول ولا تحتاج إلى تفاوض فيها، بحسبان أن الأطراف الحالية، حكومة وغيرها، متفقون عليها ضمنياً، على خلاف ما كان عليه النظام السابق الذي ظلّ يُنكِرها ولا يعترف بوجودها في المبتدأ حتى في منابر التفاوض. ثم نتلمّس القضايا التي لا يمكن للمنبر أن يستوعبها أو يكون مفوّضاً بحكم تركيبة التنظيمات وممثليها الخوض والفصل فيها. فالمنبر الحالي وحسب ما هو مشاع، أنه ينقسم إلى مسارين، ذلك الذي تتفاوض عليه الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، والآخر الذي تتفاوض عليه الجبهة الثورية بمكوناتها. وبينما نجد أن المسار الأول أكثر سهولة في تحديد القضايا التي يتناولها لأنه بين طرفين إثنين، فإن ثمة تداخلات للقضايا والممثلين في المسار الثاني، حيث تتعدد القضايا ذات الخصوصية بتعدد الفصائل المكوّنة للجبهة الثورية، وهنا ينبغي تحديدها بشكل أكثر وضوحاً حتى لا يتسلل ضباب اللغو بين ثنايا المداولات ويصعب الوصول إلى نتائج قاطعة فيها، تلك التي توفّر استحقاقات الرضى للشعوب التي ما فتئت مشرئبّة لسلام لم يبن منه حتى الآن إلا الإسم.
كل بنود الإتفاقيات السابقة فيما يتعلّق بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين من الحروب وآثارها، واسترداد الحقوق المادية لأصحابها، والتنمية بما في ذلك تمييزها الإيجابي، ومعالجات الخدمة المدنية، هي قضايا ولطالما الحكومة الإنتقالية الحالية على قناعة كاملة بها، عكس ما كان الحال عليه مع النظام المخلوع، فهي إذن لا تحتاج إلى تفاوض جديد بشأنها، وإنما إلى تفعيل آليات الدولة المعنية بالبدء في ترتيباتها وإعدادها لخطط التنفيذ المباشر. وفي هذا المجال، هناك دراسات متكاملة تمّت لتحديد الإحتياجات لما بعد الحرب في المديات الأربعة، العاجلة والقريبة والمتوسّطة والطويلة، وتبعها عمل مكثّف لإعداد الإستراتيجيات والبرامج والمشروعات والتصميمات بكامل مواصفاتها الفنية والتكاليف وخطط التنفيذ، لكنها اصطدمت بعدم رغبة النظام السابق في تنفيذها فأصبحت رهينة لأضابير الأرفف والأدراج.
حَرَدان نظام الإنقاذ وعدم رغبته في تنفيذ تلك المشاريع، وضْع غير موجود حالياً، حيث أن حكومة الثورة مقِرّة بتلك الحقوق وعلى قناعة تامة بها، ومن ثم عليها أن تُفعِّل وزاراتها المعنية ووحدات الولايات المختصّة بتحديث بيانات تلك الإستراتيجيات والخطط والمشروعات، والبدء في تنفيذها. وأرجو أن لا تذهب الحكومة في إتجاه العمل من جديد للصرف والبدء في إعداد عمل سبق الصرف عليه وإعداده بشكل ممتاز، أمّنَ على مطابقته المواصفات الدولية البنك الدولي نفسه، على أنه لا ضير أن يتم ذلك في حدود ما هو غير موجود. حتى التعويضات، فالنازحون واللاجئون وبعد السنوات الطويلة التي قضوها وحجم الوعي الذي اكتسبوه، وقرآءتهم للتجارب السابقة، هم لا شك قادرون أن يتعاملوا بشكل مباشر مع مؤسسات الحكومة العدلية والتنفيذية الأخرى وبمعاونة منظمات المجتمع المدني، على تحديد حجم خسائرهم وتحديد حجم التعويضات المطلوبة وكيفية إنفاذها.
نتحدث الآن عن القضايا التي نعتقد بأنه يمكن التفاوض عليها بحسبانها خصوصيات تتعلق بكل إقليم على حده، وأخرى تتعلق بالتنظيمات المتفاوضة، وتتمثل هذه القضايا في القائمة التالية:-
1- قضايا السلطة والمشاركة فيها وفقاً لمعايير لم يتسنّى تفعيلها من قبل، على المستويين الإتحادي والإقليمي والولائي، وإعمال مبدأ التمييز الإيجابي لإحداث التوازن وامتصاص الأغبان التي خلّفتها تراكمات الظلم، وذلك بغرض تهيئة الأرضية والمنصّة العادلة لمركز القرار خلال الفترة الإنتقالية.
2- التوازن والتمييز الإيجابي في كل مؤسسات ومستويات الخدمة المدنية بحسبانها الأداة الفاعلة لتجسيد سلطة الدولة الفاعلة وتنفيذ قراراتها بعدالة وتسيير دولاب الخدمة.
3- التمييز الإيجابي في مستويات التنمية بما يحقق قدراً من التوازن بين الأقاليم، بتفعيل ما يُمكن تسميته بسرعة اللحاق.
4- الحدود المتنازع عليها بين الأقاليم والولايات.
5- الديار والحواكير وحقوق استخدامات الأرض ولكن بضم أطراف أصيلة ليست موجودة الآن ضمن الأطراف المتفاوضة.
6- عودة النازحين واللاجئين إلى مواقعهم الأصلية، بشرط وجود ممثلين من النازحين واللاجئين بوفد مفاوض مستقل.
7- العدالة الجنائية والإنتقالية، والحوار المجتمعي في الأقاليم التي تأثرت بالحروب بغرض تهيئة الحاضنة الإجتماعية عبر معالجة الإفرازات التي تنامت خلال فترة النزاع، وأدت إلى جفوات إجتماعية عميقة، ضماناً لإنجاح تنفيذ أي إتفاقيات يتم التوصّل إليها، والتمهيد لمعالجات إجتماعية تؤدّي إلى إستقرار دائم.
8- الترتيبات الأمنية لقوات الحركات الثورية، بالقدر الذي تُجسّد فيها المستويات المختلفة للتراتبية العسكرية عمق التنوّع السوداني، وبرامج التسريح وإعادة الدمج.
عطفاً على هذه القائمة، نجد أن ثمة قضايا لا يُمكن البت فيها دون حضور أطراف أصيلة غائبة الآن عن منبر التفاوض، فالنأخذ مثلاً قضية عودة النازحين واللاجئين. طوال أكثر من ستة عشر عاماً من استمرار الحروب، حدثت متغيرات عميقة وجوهرية في التركيبة الإجتماعية على مستوى المجتمعات المتأثّرة بالنزاعات، فالحال اليوم غير الذي عليه في العام 2004م مثلاً. هناك أجيال ترعرعت في هذه المعسكرات وتشرّبت بمفاهيم مغايرة، بعضها مزيج من الثقافات مع شعوب دول أخرى، حدث إحتكاك معرفي بيني وأيضاً مع الآخر، فأصبحت الصورة تتباين في النوع والكم عن تلك التي كانت في بدايات الصراعات، بل أن الحراك التوعوي الذي أحدثته المنظمات المحلية والأجنبية التي عملت في داخل المعسكرات، والأنشطة الجماعية التي بادر بأفكارها ومارسها النازحون واللاجئون بأنفسهم، قد خلقت مناخاً متنامياً من الوعي بالحقوق والواجبات لم يكن متاحاً لهم في مستهل نزوحهم ولجوئهم، حينها كانوا يبحثون عن الأمن والحاجات الأساسية من ملاذ آمن ومأكل ومشرب. بل هم الآن أقدر من يتفاوض على عرض قضاياهم وكيفية معالجتها، وليس الخطاب الذي قدّموه في زيارة رئيس الوزراء حمدوك إلى معسكر زمزم وأبوشوك ببعيد.
مثال آخر هو قضايا الديار والحواكير والأرض واستخداماتها التي أوردناها ضمن قائمة القضايا التي يُمكن التفاوض فيها، ولكن مشروطة باستيفاء تواجد كل الأطراف ذات الصلة بها. دارفور المملكة العريقة سابقاً قامت واستمرّت قوية ومتماسكة على تراضي تحالفات بين القبائل، وأن لكل قبيلة من تلك القبائل دار، وداخل تلك الديار حواكير وأعراف لاستخدامات الأرض، وهي منظومة متماسكة لقرون قبل أن يتدخّل نظام الإنقاذ ويحاول العبث بها بإشعال الصراعات ومحاولات تجاوز تلك الأعراف وإحداث تغييرات ديموغرافية دون اتّباع عرف ونهج التراضي الذي كان الركيزة الأساسية للإستقرار، مما خلق الإخلال الماثل الآن، والذي أدّى بدوره إلى إفرازات عنيفة ودامية خلّفت أغبان غائرة في النفوس. التفاوض لمعالجة قضايا الديار والحواكير والأرض، لا يمكن ضمان نجاحها دون مشاركة القبائل التي تقطن تلك الديار، وأن لكل تلك القبائل منظومات إدارية أهلية، هي بلا شك وعبر التاريخ كانت المتواثقة بالتراضي لحفظ مملكة دارفور وسر نجاحها، ويجب أن تكون حريصة الآن للحفاظ على ديارها وسجل الحواكير بداخلها وعُرف استخدامات الأرض فيها.
لا بد أن نعلم أن الأمّة السودانية عبارة عن مجموعة شعوب غالب قاطنوها في الريف ينتمون إلى قبائل عديدة يلتفّون حول منظوماتهم ويلتقون مع بعضهم قبائل شتى ضمن أعراف وقيم التعايش التي سنّوها وتراضوا عليها لقرون، ولا يحيد عن ذلك متعلّميهم وأمّيهم. وفي ظل الدولة السودانية التي تراجعت في عصرنتها للريف، فإن الإعتصام بحبل القبيلة أضحى أقوى وأمتن، مما يعني أن مجهودات العمل لتصميم وصهر هذه الشعوب في بوتقة الأمّة المتجانسة، ونقلها إلى المعاصرة المدنية يحتاج إلى التأنّي، فالشعارات وحدها لا تفي بهذا الإستحقاق، والنزوع العاطفية تمضي دون أن تُخلّف أي أثر كما هي سحابات الصيف. أي محاولات غير ناضجة تسعى إلى عكس عقارب الساعة، إنما يمثّل مخاطرة قوامها الزج بالحواضن الإجتماعية للقبائل في أتون معتركات لم تتوفر لخائضيها العتاد العلمي والمنهجي والتجاربي للعبور. انتقال بهذا القفز الملفوف بالظلام ليس سوى مقذوف نزوة عاطفية مصفّحة بقشور المعاصرة، موجّهة لإصابة كيان يستمد عقله وقوته عبر وجدان القبيلة، مثل هذا المقذوف لا يخدش شيئاً منه.
الإدارات الأهلية في الدولة السودانية ووفقاً للقوانين التي تنظّم دورها، هي تماماً مثلها ومثل العاملين في الخدمة المدنية، يعملون في ظل كل حكومة، وفوق ذلك يختصّون بحكم الأعراف بأعباء إضافية تتمثل في ضرورة الحفاظ على علاقات نسيج متجانس بين القبائل، وهي مهمّة محكومة بمعايير وتقاليد يعرفونها ويعزّونها ويلتزمون بها، وقد عانوا كثيراً في ظل نظام الإنقاذ للحفاظ على كل ذلك الإرث بعيداً عن تسيسه. وعلى أي حال، فقد سيّس الإنقاذ الخدمة المدنية ولم يغادرها العاملون فيها، وبنفس النهج سعت إلى تسييس القبائل وإداراتها. وبينما يطال التطوير الخدمة المدنية وغيرها، لم تنل الإدارة الأهلية حظاً من التطوير لتواكب بآليات متطوّرة متغيّرات العصر وتعقيدات التحوّلات المجتمعية. مسألة التفاوض في قضايا الديار والحواكير واستخدامات الأرض دون وجود ممثلين لتلك القبائل، حرث في البحر سبق تجريبه، فالمسألة معقّدة وتحتاج إلى منظار واسع يستوعب تشعباتها.
دعونا نستعرض معاً قائمة بالقضايا التي لا يُمكن البت فيها في منبر التفاوض الحالي في جوبا بتركيبة الأطراف المعلنة حالياً مع تبيان الأسباب، ونعلم أن الملفات المعنية هنا هي ما يسمّيها الجميع بقضايا إعادة هيكلة الدولة السودانية، حيث أنها ذات تأثير أشمل على كل شعوب السودان، وبالتالي حسمها يتم في منبر أشمل لكل شرائح الشعوب السودانية من حيث التمثيل، هذا المنبر هو المؤتمر الدستوري الذي نادت به كل التنظيمات المدنية والثورية المسلّحة، والمؤمّل انعقاده خلال فترة الحكومة الإنتقالية. إليكم إذن تلك القضايا:-
الهوية والثقافة واللغة.
الوحدة الوطنية وطوعيتها وتقرير المصير.
الحرّيات.
الدين والدولة.
نظام الحكم (رئاسي، برلماني، هجين أو غيرهم).
مستويات السلطة الرأسية، وقضايا الحكم الذاتي والفيدرالية والكونفيدرالية بما في ذلك الحدود الإدارية المرافق لها.
التقاسم الرأسي للسلطات والسلطات ذات الطابع المشترك.
الموارد وتخصيصها والتقاسم الرأسي والأفقي للثروة بين مستويات السلطة.
إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية وعقائدها ودورها في حماية الوطن والديموقراطية.
المنهج الإنتخابي وقوانينه بما يحقق تمثيلاً أشملا.
السياسة الخارجية والمصالح والتمحور والحياد.
الدستور الدائم.
حماية الديموقراطية.
هذه القضايا، تمس جوهر التغيير الذي ظلّت الشعوب السودانية على اختلافها تناضل ومنذ فجر الإستقلال للوصول إلى صيغ مرضية تستوعب عبرها طموحات الجميع على قدر متكافئ، ولأنّها تمس ذلك التغيير المنشود، فإن منبر طرحها هو المؤتمر الدستوري المزمع عقده، والذي لا أرى له موعداً أنسب من الربع الأول من بداية السنة الثالثة للفترة الإنتقالية الحالية، ذلك أن حجم وتعقيدات وعمق هذه القضايا، يحتاج إلى وقت كافي للإعداد والمداولات، وقبل كل ذلك تصميم الإطار العام الذي يبيّن المشاركين في هذا المؤتمر ضمن مسائل أخرى عديدة، وهو أمر يفرض ضرورة إنشاء الآلية المناط بها الإعداد للمؤتمر من الآن، بحيث يكون للآلية ذلك الوقت الكافي لدراسة التجارب الشبيهة في المحيط الإقليمي والدولي، بغية وضع الترتيبات ومدارستها وجمع الوثائق وتخطيط خارطة الطريق واختبارها لحزم من الوسائل والآليات من وقت مبكّر، كله لضمان إنجاح المؤتمر في الوصول إلى معالجات دائمة. الآلية أيضاً تحتاج إلى الإنخراط في حوارات التهيئة وتصميم الرسائل الإعلامية التوعوية وقبل كل ذلك إستراتيجيتها وخطتها. كل هذا جزء أساسي من الإعداد للمؤتمر الدستوري. أي تأخير في تشكيل الآلية يعني أن الرغبة في عقد مؤتمر دستوري ناجح إمّا غير متوفّرة أو مستصغِرة، مما يعني بقاء القضايا على ما هي عليها بعد انتهاء الفترة الإنتقالية، وبالتالي تأزيم النزاعات القائمة وزيادة فرص توسّعها ونوعيتها. إن آفاق نجاح المفاوضات ووصولها إلى نتائج إيجابية وقابلة لبناء وتوطين السلام، بلا شك مرهون بأخذ التنبيهات التي أوردناها أعلاه.
يبقى السؤال الذي لا بد أن يكون على لسان كل فرد، ماذا لو لم يقم المؤتمر الدستوري وانتهت الفترة الإنتقالية بقدرة قادر وذهب الجميع منساقين إلى الإنتخابات؟ لوجود مثل هذا الإحتمال، حري بالأطراف المتفاوضة أن تضع بند مّلزماً في الإتفاقيات التي يتم التوصّل إليها، بأنه في حال عدم قيام المؤتمر الدستوري خلال الفترة الإنتقالية الحالية، ولم يتم الفصل في قضايا إعادة هيكلة الدولة السودانية المشار إليها أعلاه، يتم تأجيل الإنتخابات ويتم تمديد الفترة الإنتقالية ستة أشهر أخرى لتمكين قيام المؤتمر، وفي حال فشل قيام المؤتمر خلال فترة التمديد، يحق لكل إقليم راغب في أن يمارس حق تقرير المصير عبر إقامة إستفتاء لمواطنيه تُنفّذه الحكومة الإنتقالية، ويُدار الإقليم بالوضع الذي ينتج عن الإستفتاء إلى حين تحديد موعد جديد لقيام المؤتمر الدستوري والذي في حال قيامه ينتهي وضع الإقليم وفقاً لنتائج الإستفتاءآت ويطبّق الوضع الجديد الذي ينتج عن المؤتمر الدستوري، وحسبي أن إيراد جزئية تقرير المصير بهذه الصيغة الملزمة، هو لتنبيه الحكومة الإنتقالية بأهمية قيام المؤتمر الدستوري خلال فترتها هذه لتفادي حجم المخاطر المحتملة في حال عدم قيامه. وسيكون لنا لاحقاً ما نقدّمه في كيفية إنشاء الآلية المسئولة عن قيام المؤتمر، والتصور المتكامل للمؤتمر نفسه من مرحلة إنشاء الآلية مروراً بالمشاركين إلى المداولات وحتى ختام توصيات وقرارات المؤتمر.
عبد الجبار محمود دوسة
9 ديسمبر 2019م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.