مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لِمَنْ تُقْرَعُ الأَجْرَاس؟! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 19 - 04 - 2020


الإثنين
تُصادف هذه الأيَّام، ضمن ما تُصادف، ذكرى انتفاضة 6 أبريل 1985م الخالدة التي أطاحت بنظام الطاغية جعفر نميري (1969م 1985م) إلى مزبلة التَّاريخ. وربَّما لم يسمع الكثيرون من أبناء الجِّيل الحالي بالرَّاحل د. أمين مكَّي مدني، ولا بالدُّور المميَّز الذي لعبه في انتصار تلك الانتفاضة. وفي بعض أهمِّ أوراقه (قيد النَّشر)، استذكر المرحوم ملامح الأيَّام الأواخر لذلك النظام، راسماً صورة بلد فاض به كيل الصَّبر السِّياسي، فما عاد يشغله سوى التَّخلص من الشُّموليَّة البغيضة، إذ ما كان النَّاس يجتمعون في أيِّ مكان، إلا وكان القاسم المشترك بين أحاديثهم التَّخثُّر الذي بلغته الأوضاع العامَّة، فضلاً عن التَّفاكر في سبل الخلاص الممكنة. وتكشف الأوراق، في هذا الجانب، عن سيرة أمين الذَّاتيَّة، كإنسان عالي الهمَّة، وعن تفاصيل الجَّهد الجَّبَّار الذي بذله مع نفر من أصدقائه وزملائه في روزنامة الانتفاضة، والنَّشاط المروحي الذي قاموا به، داخل وخارج السُّودان، تصدِّياً لتنسيق العمل، والتَّبشير بالبرنامج.
ومن خلال روايته لتلك الأحداث يرسم أمين شبهاً لا تخطئه العين بين "الليلة" و"البارحة"، فلكأنه رمى إلى هذا المعنى، وهو الذي رحل "البارحة" قبل أن يقع ما وقع "الليلة"! لكنَّ الرَّاحل لا يبدي، مع ذلك، أدنى ميلٍ للاستئثار بحكمة الشَّبه هذه، وإنَّما يبادر بالاعتراف بها لأهلها، وتلك، بلا شكٍّ، مأثرة أخلاقيَّة نادرة، حيث روى، مثلاً، عن أحد لقاءات قادة القوى النِّقابيَّة بالرَّاحل محمَّد إبراهيم نُقُد، السِّكرتير السِّياسي السَّابق للحزب الشِّيوعي، وكان قيد الاختفاء، وتداولهم معه الصِّعاب التي تواجههم، وإبدائهم، كالعادة، تململاً إزاء ما كانوا يعتبرونه عدم مواتاة من جهة بعض القوى الحزبيَّة، فكان أن أسهب نُقُد في نصحهم بضرورة الصَّبر والمثابرة، منبِّهاً إلى أن طبيعة العمل الجَّبهوى، خاصة مع أحزابنا وقوانا السِّياسيَّة، طبيعة معقدة، تحتاج الى الوقت، والصَّبر، وطول البال، إضافة الى ما ساقه لهم من خبرات النِّقابات، والاتِّحادات، والنَّاشطين الأفراد، وكونهم، مهما بلغ بهم الحماس، لن يستطيعوا إنجاز أيِّ عمل سياسي يتجاوزون فيه الأحزاب، بالغاًً ما بلغ ذمَّهم لها؛ كما أن الانقلاب العسكري، الذي بدت لدى البعض ميول لاعتماده كحل، هو عمل غير مضمون العواقب، مهما وُصف بالتَّقدميَّة، أو تكاثرت حوله المواثيق! وختم أمين بإيراد وصيَّة نقد لهم: حريٌّ بكم، وقد تصدَّيتم لهذه المسألة، أن "تبقوا قدرها"! ثمَّ علق على ذلك مشيداً بحكمة الرَّجل التي كان لها أثرها، كما قال، في كبح جماح أهل "التَّجمُّع النِّقابي" الذي لم يكن أمين، بالمناسبة، جزءاً منه، وبخاصة كبح جماح مَن مال منهم لاجتراح خطَّة الانقلاب العسكري!
وفي تعليق على نصائح أخرى كان أسداها لهم الزَّعيم الجَّنوبي أبيل ألير، وصف أمين فكر الرَّجل بوضوح الرُّؤية، وتفهُّم الأبعاد الحقيقيَّة لأزمة الحكم في البلاد، وكتب يقول: اليوم، بعد مضي كلِّ تلك السَّنوات، وبعد سقوط النِّظام المايوي، أجد في ما تفضَّل به أبيل فكراً ثاقباً، ورؤى بعيدة حول مستقبل الأوضاع السِّياسيَّة في السُّودان، بل وربَّما كان في ذلك الحديث ما يتَّسق مع الهدف من وراء تدوين هذه الصفحات، إسهاماً في استشراف آفاق فكريَّة جديدة، علَّنا نجد فيها ما يعين على الخروج من تلك الأزمة.
ويستطرد أمين، في شأن عدم اقتناع بعض مكوِّنات "التَّجمُّع النِّقابي" بأهميَّة العمل المشترك مع "التَّجمُّع الحزبي"، قائلاً إنه ظلَّ يلفت نظرهم إلى ضرورة التَّنسيق مع الأحزاب السِّياسيَّة، فثمَّة عمل جبهوي لا بُدَّ من تنفيذه، ومشروع ميثاق ينتظر الاتِّفاق عليه، بعد أن أُعِدَّ بجهد كبير، فضلاً عمَّا للأحزاب من وزن يضيف بُعداً سياسيَّاً لجهود النِّقابات. لكن أميناً، كما قال، لم يلمس حماساً منهم للفكرة، وقد تلخَّصت حُججهم في ترديد ما أسموه الفشل التَّاريخي للأحزاب، وعدم جدوى الاعتماد على زعمائها الذين انصرفوا، حسب ما ادَّعوا، عن الانشغال بالشَّأن العام، إلى الانشغال بالمصالح الخاصَّة، فآثرت غالبيَّتهم الصَّمت، والإذعان للأمر الواقع، بل وزعموا أن بعض أولئك تعاونوا مع النِّظام، مِمَّا أفقد النِّقابيِّين الثِّقة فيهم! ولاحظ أمين أن تلك لم تكن، فحسب، رؤية الكثير من الفئات والشَّرائح النِّقابيَّة، بل، أيضاً، وللأسف، رؤية بعض السِّياسيِّين المستقلين الذين ينسبون إلى أنفسهم، للمفارقة، النِّضال في سبيل الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة القائمة على الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة، ومعاداة الشُّموليَّة، والأنظمة الدِّكتاتوريَّة، مثلما حدث في مقاومة نظامي17 نوفمبر و25 مايو! لذا فإن رؤيتهم هذه يكتنفها الكثير من الغموض، بل والتَّناقض! وقد يكفي دليلاً على ذلك احتشاد الكثير من رموزهم، في وقت لاحق، بدار نقابة المحامين القديمة "المحكمة الدُّستوريَّة حاليَّاً"، بشارع البلديَّة بالخرطوم، في عقابيل تقديم الجيش مذكرته لمجلس السَّيادة، مطلع يناير 1989م، لتداول الموقف منها، في ترحيب واضح بها، واستعداد تام لدعمها، وقبول ما سيترتَّب عليها!
مهما يكن من شئ فإن أوراق أمين تكشف عن اقتناع أولئك القادة النِّقابيِّين، في النِّهاية، وإن بالكثير من الجهد، بضرورة التَّريُّث في الإعداد للانتفاضة، وقبول مبدأ العمل المشترك مع الأحزاب، واتِّخاذ قرار بذلك في الاجتماع الذي عقده "التَّجمُّع النِّقابي"، مساء أحد تلك الأيَّام، بنادي الخرِّيجين بالخرطوم بحري، وخرج منه عمر عبد العاطي إلى حيث كان أمين ينتظر بالخارج، متلفِّعاً بالظلام، ليبلغه بذلك القرار، وتفويضه في الاتِّصال بقيادات الأحزاب، وموافاة "التَّجمُّع النِّقابي" بالنَّتيجة.
وكما سيتضح، لاحقاً، فقد عمل أمين، في ضوء تلك الموافقة، على تنسيق الاجتماع الحاسم الذي تداول ميثاق الانتفاضة، فجر 6 أبريل 1985م، وتمخَّض عن ميلاد "التَّجمُّع الوطني الدِّيمقراطي"، كتحالف بين التَّجمُّعين "النِّقابي" و"الحزبي"، لكن بعد الكثير من إضاعة الوقت، والشَّدِّ والجَّذب، وسط أجواء عاصفة من الاتِّهامات وعدم الثِّقة، الأمر الذي كان له، بالقطع، أثره السَّالب على حكومة تلك الفترة الانتقاليَّة، بل وحكومات "الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة" المتعاقبة، منذ ذلك الحين، وإلى أن انقضَّ الإسلامويُّون على السُّلطة بانقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م!
الثُّلاثاء
نواصل الاحتفاء بالثَّامن من مارس، عيد المرأة العالمي، ونركِّز على الشَّاعرات السُّودانيَّات، باعتبار الشِّعر، كمرآة للمجتمع، أقدم أشكال التَّعبير الجَّمالي اللفظي، في أيَّة درجة من درجات التَّطوُّر كان هذا المجتمع، وبصرف النَّظر عمَّا إن كانت بيئته حضريَّة أم بدويَّة، وبمنأى عن معايير التَّذوُّق الفني، أو قوالبه الجَّماليَّة. الشَّاعرات، إذن، بهذه الخصائص، أقدم ممارسات للخلق الإبداعي المنطوق في التَّاريخ الإنساني. غير أن موازين الشِّعر تتفاوت من حيث الجَّودة والرَّداءة، القوَّة والضَّعف، بحسب الخلفيَّة الثَّقافيَّة، والذَّخيرة اللغويَّة، ومستوى خصوبة الخيال، وتلقائيَّة التَّراكيب، وعذوبة الصِّياغات، والطَّاقة على استيلاد الصُّور، لدى هذه الشَّاعرة أو تلك.
في السُّودان تعدَّدت وتنوَّعت الأشكال الشِّعريَّة، تاريخيَّاً، بحسب تعدُّد أقوام البلاد وشعوبها، وتنوُّع لغاتها وثقافاتها الإثنيَّة. لكن إذا حاولنا سبر غور مسار الحركة الشعريَّة السُّودانيَّة، خصوصاً خلال تاريخها الباكر، فإنه لن تفوتنا ملاحظة علوِّ كعب الشَّكل الشَّعبي على الفصيح، وإن كان ينطوي، في ذات الوقت، على غالب الأغراض المعهودة في الشِّعر العربي القديم، وعلى رأسها المدح، خاصة «مديح» الرَّسول (ص)، والحماسة، فضلاً عن الاهتمام بترديد الوحدة، من حيث الشَّكل، والغناء، كغناء «النَّميم/ النَّم»، الذي يدور حول حثِّ الإبل، والتَّشوُّق للحبيب.
إلى ذلك، لا نستطيع أن نعدو، في سبر غور هذا المسار، نتاجات الشَّاعرات المستعربات المسلمات، أولاً بحكم الحواجز اللغويَّة التي تجعل من أشعار المجموعات الإثنيَّة غير المستعربة مناطق مجهولة، وثانيا بحكم قوَّة وقِدَم انسياب حركة الدَّفع العربي إلى داخل السُّودان منذ ما قبل المسيحيَّة، بل وما قبل الموسويَّة، كما وما بعد الإسلام، أيضاً، بالطرق الثَّلاث: الشَّرقي، والشَّمالي، والغربي؛ وثالثاً، وترتيباً على ذلك، بطبيعة الحال، بحكم سطوة اللغة العربيَّة، والثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، ومن ثمَّ تركيز الباحثين على النَّتاجات الشِّعريَّة، عموماً، في هاتين الثَّقافة واللغة، مع ملاحظة أن اهتمام بعض هؤلاء الباحثين قد انصبَّ، أساساً، في هذا الإطار، على ما اعتبروه ركاماً هائلاً من التَّقليد خفتت تحته الملامح السُّودانيَّة المخصوصة، فاكتظَّ النَّتاج الشِّعري، وقتها، بالسَّطحيَّة، والمعارضات، والتَّشطير، والتَّخميس، والتِّكرار، والألفاظ الخافتة، وألوان من نظم العلوم، والوقائع التَّاريخيَّة، وما إلى ذلك من سمات سادت خلال تلك الفترة.
مهما يكن من أمر، فلئن تحتَّم على بداية ازدهار القصيدة السُّودانيَّة الفصيحة أن تنتظر إلى ما بعد الحرب الأولى، فإن العهد السِّناري (1504م 1821م)، بعكس العهدين التُّركي (1821م 1885م) والمهدوي (1885م 1898م)، قد انقضى دون أن يسجِّل في شأن الانتاج الشِّعري الفصيح، بوجه عام، أثراً أقرب إلى القوَّة والرَّصانة منه إلى الضَّعف والرَّكاكة، مع تميُّز الشَّكل الشَّعبي، وتفوُّقه، في العهود الثَّلاثة، خصوصاً نتاجات الشَّاعرات النساء، كمهيرة بت عبود التي كانت، في خواتيم العهد السِّنَّاري، ومطالع العهد التّركي، تستثير الحميَّة والحماسة في نفوس الرِّجال لمصادمة الجَّيش التُّركي الغازي، بقيادة إسماعيل باشا: «الليلة استعدُّوا ورِكبوا خيل الكَرْ/ قِدَّامُنْ عقيدُن باللغَرْ دفَّرْ». وكذلك بت المكاوي التي وقفت، في عهد المهديَّة، تستنهض الهمم والشَّهامة بمدح الثَّورة، و«مديح» الإمام المهدي عليه السَّلام.
ورغم فقر الشِّعر، عموماً، خلال العهد السِّنَّاري، مِمَّا تعكسه «طبقات ود ضيف الله»، إلا أن مؤرِّخي الأدب يلاحظون ما أضحى الشِّعر الشَّعبي النِّسائي، بالذَّات، يتغيَّا من قواعد للتَّربيَّة في مسبوكات الحثِّ الصَّريح على اكتساب الرُّوح القتاليَّة، بدلاً من الانكباب على تعلم القرآن والفقه، وكذلك في إيقاظ الضَّمير الجَّمعي باتِّجاه صون الشَّرف، والعرض، والنَّخوة، والكرامة، كما في مثال الأم التي أنشدت تستهجن انكباب ولدها على لوح الدُّروس، فمضت تتمنَّى لو تراه فارساً مغواراً: «مِتين يا حسين اشوف لوحك معلَّقْ/ لا حسين كِتِلْ لا حسين مفلَّقْ». وكذلك لدى آمنة بت حسَّان، وشغبة المرغومابيَّة، وبت مسيمس التي مدحت الزِّبير باشا بتشبيهه بالزِّبير بن العوَّام، من حيث تهلله لدى استقبال المعوزين، كناية عن كرمه الفيَّاض.
الأربعاء
في زمن «سلطة الأخوان» حدَّث عبد الرَّحيم حمدي، في برنامج «الكشَّاف»، على قناة «إس 24»، قال، لا فضَّ فوه: «البيفتكروا سياسة التَّمكين بدعة سودانيَّة ما بيفهموا سياسة. في بعض البلاد سياسة التَّمكين بيقنِّنها الدُّستور. مثلاً: في الولايات المتَّحدة عندما يتغيَّر الرَّئيس بتتغيَّر معاهو مليون وظيفة سياسيَّة لغاية مستوى (الشَّريف) في القرية. دا النِّظام كدا. لازم يجو معاك ناسك البشتغلو ليك، والبيأيدو سياستك. نحنا كنا متأثرين بالنَّظريَّة الإنجليزيَّة البيسمُّوها الجَّنرالست في الإدارة .. إنو الخدمة المدنيَّة تكون محايدة .. السِّياسيِّين يكونوا فوق، والخدمة المدنيَّة تخدم مَن يحكم. دي طبعاً نظريَّة إنجليزيَّة، لكين في الواقع ما كانت كدا، حتَّى قبل الإنقاذ أوَّل ناس عملوا التَّمكين عن طريق إخراج الوظائف المعارضة هم ناس عبود. المادَّة 10 كانت بتسمح ليهم بأنهم يحيلوا إلى التَّقاعد للصالح العام، ودي تعبيراتهم، ودي سياسة موجودة في أيِّ حتَّة في الدُّنيا .. في بعض الأحيان بتحدث بطريقة عنيفة شويَّة؛ الحزب الحاكم أو الجِّهة الحاكمة بتجيب ناسها، ودا طبيعي جدَّاً عشان تنفِّذ سياساتها. فالبيتكلم عن التَّمكين كأنه بدعة سودانيَّة وعملتها الإنقاذ بيجهل أبجديَّات السِّياسة العالميَّة. يعني هل يمكن تتصوَّر الحزب الشِّيوعي في الاتِّحاد السُّوفييتي أو في الصِّين يتسامح في موضوع المعارضة؟! المعارضة في الصِّين لُفِظت .. طُردت إلى فورموزا، يعني فيزيكالي شالوها جدعوها في البحر. وفي ناس عملوها بشكل مقنَّن .. زي النِّظام الأمريكي، ما في زول بيعترض عليهو أو يقول دا حاجة غلط. ممكن تعترض على الإجراء، لكين ما تعترض على الكونسيبت ذاتو»!
هكذا تحدَّث عبد الرَّحيم حمدي في زمن الإنقاذ، أمَّا في زمن «التَّغيير» الرَّاهن فقد انقلب «أخوان» عبد الرَّحيم حمدي يملأون الدُّنيا ضجيجاً، وعجيجاً، ويجابهون أيَّة محاولة ل «تفكيك التَّمكين» بالصِّراخ، والولولة، والهتاف: «لا للإقصاء .. لا للإقصاء»!
الخميس
ظلَّ رأينا، منذ انتصار ثورة ديسمبر في السُّودان، وتدشين الفترة الانتقاليَّة الحاليَّة، أنه ما من شئ يمكن التَّعويل عليه لتحقيق أيِّ فلاح، بدون جهاز تشريعي، وترتيبات عدالة انتقاليَّة! والآن، على حين تكاد ألسُن المنصَّات العدليَّة في البلاد تجفُّ وتتشقَّق من كثرة الشَّكوى لطوب الأرض بسبب بطء عمليَّات الإصلاح القانوني المطلوبة، فها نحن نقرع نفس الأجراس للمرَّة الألف، ونخشى أن نُساءل: لِمَن نقرعها؟!
مهما يكن من شئ، فإن هذه الإصلاحات مطلوبة، بأعجل ما تيسَّر، إن لم يكن لشئ، فعلى الأقلِّ لكونها من استحقاقات الوثيقة الدُّستوريَّة. ويقف على رأس هذه الاستحقاقات إنشاء «مفوَّضيَّة للعدالة الانتقاليَّة»، علماً بأن في هذه العدالة المطلوبة من الثَّقافة الشَّعبيَّة أكثر مِمَّا فيها من القانون، بعكس ما قد يتصوَّر الكثيرون خطأ. كما وتشمل هذه الاستحقاقات «مفوَّضيَّة الإصلاح القانوني»، فضلاً عن إعادة هيكلة الأجهزة العدليَّة، كلٍّ في ما يليه، وبصفة خاصَّة «قانون الهيئة القضائيَّة»، و«قانون النَّائب العام»، و«قانون تنظيم وزارة العدل».
إلى ذلك تلحُّ الحاجة لإلغاء «القانون الجَّنائي لسنة 1991م»، و «قانون الإجراءات الجَّنائيَّة لسنة 1991م»، وإعادة العمل ب «قانون العقوبات لسنة 1974م»، و«قانون الإجراءات الجَّنائيَّة لسنة 1983م»، أخذاً في الاعتبار بضرورة تعديل النَّصِّ الخاصِّ ببلوغ المتَّهم سن السَّبعين، والذي يتيح الإفلات من العقاب لغالبيَّة رموز النِّظام البائد، بحيث ينبغي ألا تُعطى واقعة السِّن أيَّ اعتبار ما لم تقترن بعدم إدراك المتَّهم لكُنه أفعاله! كذلك لا بُدَّ من التَّعاطي مع «قانون مفوَّضيَّة الفساد لسنة 2016م»، في ضوء «اتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمكافحة الفساد» التي دخلت حيِّز النَّفاذ في ديسمبر 2005م؛ وكان السُّودان قد مهرها بتوقيعه في 14 يناير 2005م، وصادق عليها في 29 مايو 2014م، على أن يُنصَّ على استرداد أموال الدَّولة داخل البلاد بآليَّة إداريَّة، حيث أن «الفساد» نفسه غالباً ما يُرتكب بآليَّة إداريَّة! ولا بُدَّ، أيضاً، من إيلاء الاعتبار اللازم لمسألة «تخريب الاقتصاد»، و«حماية المال العام»، بمنأى عن حصر المفهوم، فقط، في ما يتعلق ب «حصيلة الصَّادر»، و«الحماية الجُّمركيَّة»، وما إليها، تحت المفهوم العام ل «الأمانة»، إذ لا يكفي ل «حماية المال العام» مجرَّد النَّص على جريمة «خيانة الأمانة»، ف «تبديد المال العام» مفهوم جنائي منفصل، وأكثر وسعاً، ويشكِّل جريمة مستقلة. وإلى ذلك ثمَّة حاجة ملحَّة، أيضاً، لتشريع يقضي باسترداد أراضي الدَّولة المنهوبة، سكنيَّة كانت أم زراعيَّة، سواء كانت مخصَّصة لأغراض عامَّة، أو ممنوحة لأفراد بطرق غير صحيحة. كما وتشتدُّ الحاجة، أكثر من أيِّ وقت مضى، لسدِّ الهُوَّة الفاغرة التي يخلفها غياب التَّشريعات في ما يتَّصل ب «تنظيم الأسواق»، و«تحديد الأسعار»، و«توزيع السِّلع المدعومة». ومن المعلوم أن هذه الثغرة لا يمكن سدُّها بغير قانون صارم ل «الرَّقابة على السِّلع»، وبالأخصِّ «تخزينها»، و«التَّعامل» فيها «خارج القنوات الرَّسميَّة». مع ذلك، فإن هذا كله محض «عناوين جانبيَّة»، بل محض غيض من فيض المطلوب إنجازه تحت العنوان الرَّئيس «الإصلاح القانوني».
الجمعة
هاتفني، صباح اليوم، lمعترضاً على ما كتبت في روزنامة الأسبوع الماضي، مَن ساءه قولي إنني شاهدت، في التِّلفزيون، من يزعم أنه رجل دين، وما عدَّته سوى لحية سجَّاديَّة وزبيبة صلاة، بينما هو يستخفُّ بتحذيرات الأطباء، وإرشاداتهم، في مواجهة جائحة «كورونا»، مطالباً النَّاس، من أعلى المنبر، وهو يفحُّ فحيحاً، كمن يحاول استدراجهم للتَّواطؤ معه ضدَّ العلم، بألا ينشغلوا بهذه «الخزعبلات العلمانيَّة»، وأن يكتفوا بالصَّلاة والأدعية، ففيها، وحدها، الشِّفاء بإذن الله!
فكَّرت بم، تراني، أعقِّب عليه، فلم أجد أحسن مِمَّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث رُوي عن عليٍّ، كرَّم الله وجهه، أنه قال: «سيأتي زمان على أمَّتي لا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، المساجد عامرة، لكنها خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السَّماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود».
السَّبت
ما يزال حفل الثَّامن من مارس منصوباً. وخلال بحثي عمَّا يمكن أن يحكم العلاقة بين «حقوق الإنسان» و«السِّياسة» ولعلَّ القارئ الكريم يذكر أنني أبديت اهتماماً بالأمر في بعض كتاباتي مؤخَّراً استغرقتني، هذا المساء، قراءة كتاب أنتوني لوينشتاين الدَّسم «رأسماليَّة الكوارث»، والذي صدَّر فصله الخاتم بمقتطف من آرونداتي روي، عنوانه «فكُّ التَّعويذة»، تقول فيه: «في مكان ما، على الطريق، اختزلت الرِّأسماليَّة فكرة العدالة، لتعني حقوق الإنسان فقط، وأصبح الحلم بتحقيق المساواة كفراً! علينا ألا نقاتل لإصلاح نظام يجب استبداله»! جذبني المقتطف إلى فكرة أن المزيد من التَّعريف بهذه الكاتبة، والرِّوائيَّة، والمناضلة الماركسيَّة الهنديَّة التي تنتمي إلى ولاية كيرالا، حيث اليد العليا، منذ عقود طوال، للحزب الشِّيوعي، قد يهيئ بعض المداخل المناسبة إلى مبحث الإشكاليَّة نفسه.
روي وُلدت عام 1961م، لمُزارع شاي بنغالي، وأمٍّ مسيحيَّة سريانيَّة، ودرست الهندسة المعماريّة، ثمَّ تقلّبت في عدّة وظائف قبل أن تتفرَّغ للكتابة، والصَّحافة، والنِّضال من أجل الحرِّيَّة والعدالة الاجتماعيَّة. وفي 1996م نشرت روايتها الأولى «إله الأشياء الصَّغيرة» التي لقيت إقبالاً كبيراً، وحازت عنها على عدَّة منح وجوائز، من بينها جائزة بوكر للآداب، في 1997م، العام التَّالي مباشرة لنشرها. وبعد عشرين عاماً من الانشغال بالكتابة في الاقتصاد السِّياسي والاجتماع أصدرت، في (2017م)، آخر رواياتها «وزارة السَّعادة الدَّائمة» التي ترجمت إلى العربيَّة العام الماضي (2019م).
يشمل إنتاج روي الغزير، إلى جانب الرِّواية، البحوث، والمقالات، والمحاضرات، والنّدوات، والإعلام المرئي والمسموع. وقد خصَّصت مساحة واسعة من إنتاجها لنقد العولمة والنّيوليبراليّة. وأصدرت كتاباتها في عدّة مجموعات، من أواخرها «الرأسماليّة: حكاية أشباح» عام 2014م، كما ومن أبرزها، خلال السَّنوات الماضية، «كلفة الحياة» عام 1999م، و«دليل الإنسان العادي إلى الأمبراطوريَّة» عام 2004م، و«مسيرة مع الرِّفاق» عن زيارتها في 2010م للمناطق المحرَّرة التي يقود فيها الماويُّون حركة مسلحة قوامها مَن وصفتهم روي بأنهم «أفقر فقراء الهند» من فلّاحين بلا أرض، وقبائل مهملة تعيش في أرض غنيّة بالغابات والمعادن، قبل أن تنشر، مؤخَّراً، كتابيها: «الرأسماليّة: حكاية أشباح»، وهو مجموعة مقالات عن اضطرابات كشمير، وأسلوب عمل منظّمات المجتمع المدني، والمؤسَّسات الخيريَّة، والمنح الدّراسيَّة، في بلد يتوافق نموُّه الاقتصادي المتسارع الوتيرة، على حدِّ تعبيره، مع واقع حياة «أكثر من 80 بالمئة من السكَّان على أقلّ من نصف دولار باليوم»! فضلاً عن مطالبتها بما تسمِّيه «الحق في الحلم داخل نظام حوَّل النَّاس إلى موتى أحياء مخدَّرين إلى الحدِّ الذي يماهون فيه بين النَّزعة الاستهلاكيَّة وبين السَّعادة والانشراح»! أمَّا الكتاب الثَّاني فعنوانه «ما الّذي يجب أن نحبّ؟»، وهو عبارة عن تأمُّلات في الوطنيّة بوجه مخصوص!
في الإطار الفكري لكتاباتها صوَّرت روي الشَّركات المعولمة كطراز من الملوك «الجُّدد، الأقوياء، غير الرُّحماء، المدجَّجين بالسِّلاح، الذين لم يعرفهم العالم من قبل، مملكتهم رأس المال الخام، فتوحاتهم الأسواق الصّاعدة، صلواتهم الأرباح، حدودهم بلا حدود، أمَّا أسلحتهم فنوويّة»!
وخلال السَّنوات الأخيرة تصدَّت روي لصعود اليمين الشُّوفيني المتطرِّف إلى سدَّة السُّلطة في الهند. وشاركت، بنشاط، في الحملة الشَّعبيّة للحيلولة دون بناء سدّ «نارمادا» الذي شرَّد نصف مليون مزارع من أرضه، وتدعم الكفاح المسلّح للثّوار الماويِّين في ما لا يقلُّ عن 82 مقاطعة، في تسع ولايات هنديَّة. ولا يقتصر نضال روي على الهند، فهي تدافع عن حقّ الكشميريِّين في الاستقلال، وقد عارضت الغزو الأميركيّ لأفغانستان والعراق، وكانت عضواً في المحكمة الدَّوليّة الخاصّة بجرائم الحرب الأميركيّة في العراق. وشاركت، كذلك، في كلِّ جولات التّضامن مع الفلسطينيّين. وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006م، وقَّعت عريضة اتِّهام لإسرائيل بارتكاب «إرهاب دولة»، و«جرائم حرب»، جنباً إلى جنب مع بعض كبار المثقَّفين العالميِّين، كنعوم تشومسكي، وهاوارد زين، وجون برجر، وهارولد پنتر، وغيرهم.
وفي 2014م أدرجت مجلة «تايم» الأمريكيَّة روي بين مئة شخصيّة صنَّفتهم باعتبارهم الأكثر نفوذاً في العالم.
الأحد
روى الأصفهاني، في الأغاني، أن العُتبيَّ ذكر منازعة وقعت بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مَروان، فتعصَّب لكلٍّ أخواله، وتداعوا بالسِّلاح واقتتلوا، وكان أيمنُ بن خريم حاضراً، فاعتزلهم، هو ورجلٌ من قومه يقال له ابنُ كوز! فعاتبه عبد العزيز وعمرو على ذلك، فقال، مستهجناً أن يموت لأجل لا شئ: «أأقتلُ في حجاج بين عمرو/ وبين خصيمه عبدِ العزيزِ/ أنُقتلُ ضِلَّةً في غيرِ شئٍ/ ويبقى بعدَنا أهلُ الكُنوزِ/ لعمرُ أبيك ما أوتيتُ رُشْدي/ ولا وُفِّقْتُ للحِرْزِ الحَريزِ/ فإنِّي تاركٌ لهما جميعاً/ ومعتزلٌ كما اعتزلَ ابنُ كوزِ»!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.