هل فقدت الشخصية السودانية عذريتها ولم تعد بكرا ؟! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    مع لجان المقاومة (2) "مليونية العدالة والتشريع" .. بقلم: محمد عتيق    تداعيات الصور المقلوبة على مستقبل السودان .. بقلم: حسن ابوزينب عمر    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    المريخ يتصدر بعد تعثر الهلال.. والأبيض والأمل يضمنان الكونفيدرالية    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    ضيق الايدولوجيا وسعة البدائل .. بقلم: د. هشام مكي حنفي    من كره لقاء الشارع كره الشارع بقاءه في منصبه!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    الهلال يتعثر أمام هلال الأبيض والمريخ يكتسح الأمل عطبرة ويلحق به على صدارة الدوري الممتاز    مؤشرات بداية عصر ظهور الإرادة الشعبية العربية .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    تقرير البيئة نحو اقتصاد أخضر مكسى بلون السندس تزفه أنغام السلام للأمام .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر
نشر في سودانيل يوم 01 - 06 - 2020


بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخالجنا شك في أن ديمقراطية الغرب قد نظرت وأطالت النظر في مضامين الحكم في الإسلام وكيفية معاملة الرعايا، فليست هذه الديمقراطية رغم نكباتها قد أتيحت للغرب عفواً، فليست أوربا هي التي اتسع عقلها وهضمت معاني الحرية والوطنية والعدل والمساواة، واشتدت عزيمتها لبسط هذه المعاني في أنحاء المعمورة، هذا محض افتراء، لقد اصطنع الإسلام هذه الأداة ليرحم بعضنا بعضا ويقدر بعضنا بعضا، وفي الحق أن هذه الأداة ليست حكراً على من يؤمنون بهذا الدين، فليس لهم أن يتصرفوا وحدهم فيها، أو يقومون وحدهم من دونها، إذن من السخف أن نعتقد أن فضيلة العدل قد خُلقت وتمت خلقتها من أجل المسلمين وحدهم فضلاً عن غيرهم، فنحن نعتقد أن الله قد أوجده في الأرض ونشره للناس كافة، فلماذا يقتحم الغرب هذا الشرف ويدعيه لنفسه؟ وما ينبغي أن نظل في هذه الحيرة المتصلة بسبب جماعة تتدعي أنها تخفض لنا جناح رحمتها وتتضامن معنا في حمل أثقال الحياة والنهوض بأعبائها، وهي التي أصابت غنىً موفوراً، وعيشاً غضاً، وثراءً عريضاً من مواردنا، فكل هذه الحقائق لا تدل على شيء ولا تنتهي إلى شيء سوى أن البون شاسع بين عدل الإسلام وحيف الغرب، وأن منظومة الإسلام الأخلاقية التي صاغها الغرب صياغة حديثة لم يمس جوهرها البسطاء ولم تخلب ديباجتها نفوسهم عندما يملأ الطغاة أفواههم بها، ولعل الحقيقة التي يجب أن نعمل على حمايتها وحياطتها والنهوض بها أن الإسلام هو من منح الشعوب أدق ما يستطيع من العناية، وأعظم ما يملك من الإنصاف، رغم ترصد الفرق لتفريق شمله، وتمزيق حبله.
ولنا أن نلقي إلى الدكتور حيدر إبراهيم نظرة دهشة واجمة على غرابة زعمه، فلو كان الإسلام دين ودعوة وليس دين ودولة لما كان له حظ من ثبات واستقرار، ولما قدم به العهد، وطال به الزمان، ولكانت رسالته غامضة غير بينة المدى، ولا واضحة الحدود، ولكانت خانقة مهلكة ليس إلى احتمالها من سبيل، ولما استطاع هديه أن يغير بطبيعة الحال من غرائزنا شيئاً، ولما تمكن أن يلين قلوبنا أو يهذب نفسونا، وأبشع من هذا كله، وأنكى من هذا كله، أن يظل الباطل على سيرته الأولى فلا يجوز على قول العميد إنكاره، ولا يباح نقده، ولا يصح أن يلام فيه الذين يقترفونه، ولكن من نعم الله علينا أن الإسلام دين ودولة، والشيء المحقق أن الدولة هي التي منحته القوة والإيد وحب الجهاد والاستشهاد، والإسلام الآن يجد الألم الممض، والعناء الثقيل، لأنه يعرف للغرب خبثه، وإفكه ونكثه، ولا يستطيع أن يروي السيوف العطاش، ولا أن يقمع جحافل الأوباش، فأمته خائفة مضطربة لا ترضى عن شيء، ولا تطمئن إلى شيء، وهي في خزاية لا سبيل إلى إصلاحها، ومما لا مرية فيه أنها ليست شديدة الحرص على الرفع من أمر قديمها، فمن أعسر الأشياء وأبعدها عن متناول فكرها أن تتقمص رداء الأنفة وتستوفي شروط الكرامة كلها أو بعضها، فهي الآن ترفض خبر الجهاد ولا تصغي إليه، وترضخ بأن ينازعها الغير على ما في يديها، كل الذي يعنيها أن تنهمك في اللذات وتتهالك عليها، هذا هو الواقع الذي ترزح تحت نيره أمة الإسلام.
لكن كل هذا لا ينفي أن الإسلام دين ودولة، والدولة أثيرة عند الدين الخاتم، محببة إلى نفسه، ولا يستطيع كل من أنكر هذا الود أو جحده أن يقطع ما بينه وبينها من أسباب، والدليل على ذلك أن الإسلام لو ظل يؤثر العافية ويتعمد الملاينة مع أمم الأرض خشية أن يحيط به الخطر، أو يسعى إليه المكروه، لانقصف سهمه، وانثلم رمحه، واستسرّت آثاره، ولكنه لم يبلغ ما بلغ بالرجاء الكثير والأمل الواسع، ولكن بالجهد والبذل والتضحية، ولم يظفر بكسب حينها إلاّ حرص على أن يبلغ كسباً أكثر منه، ولم يكد يفرغ من جهاد إلاّ وتهيأ لجهاد أعنف منه، هذه هي الأصول التي ضمنت بقاء الإسلام، الجهاد والرباط الدائم، الجهاد الذي قال عنه الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ناصحاً قومه:" لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلاّ ضربهم الله بالذل". لقد شخّص الصديق رضي الله عنه سر هذه الغواشي والنكبات التي تجتاحنا من المحيط إلى الخليج، فانتظام أمور الدولة وعلو سلطانها مرهوناً بالدأب على هذه الفضيلة التي تدفع المكاشح على ترك المنازعة، والجنوح إلى الموادعة، الجهاد الذي يخرج الغرب عن طوره ويدفعه إلى الحنق الدواي، والغضب العنيف، ولكن الأمة تتقاعس عن مزاولة هذه الفريضة حينما تنظر إلى وجه سيدها الضخم الجهم فتعرف ما تضمر لها الأيام من شر إذا سعت أن تنتصر لكبرياء جريح في فلسطين المحتلة، فهي سيئة الظن بربها، ولا تراقبه مراقبة دقيقة متصلة مثل ما تراقب الغرب الذي تخشى بطشه وصولته، كما أن جرائمها الشنيعة، وآثامها القبيحة، تنتهي بها إلى يأس مظلم، وقنوط شديد، ولعل حال الأمة وواقعها المذري لن ينسينا أن نذكر ماضيها التليد، فقبل مجيء الإسلام بقرون كان للعرب حكومات هم الذين أنشأوها، وحضارات هم الذين شيدوها، وكما ذكر الأستاذ خالد محمد خالد نقلاً عن كتاب تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن:" كان في الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية مملكة سبأ وحمير وقد بلغت هذه البلاد قبل الميلاد بألفي سنة درجة من الحضارة تدل عليها أطلال المباني الضخمة، والنقوش الكثيرة، وهناك شواهد كثيرة لهذه الشهرة والعظمة والأبهة التي وصلت إليها مملكة سبأ، كذلك كان هناك من العرب مملكة الحيرة ومملكة الغسانيين، وكان في جزيرة العرب نفسها ملوك من قبيلة كندة، وكان موطنهم بلاد حضر موت الواقعة في الجنوب الشرقي، وكان هناك مملكة" معين" وقد سبقت مملكة سبأ في الظهور وكانت على جانب عظيم من البأس والقوة، وتلتها في الظهور مملكة سبأ التي اشتهرت بالثروة والقوة بين ممالك العالم في ذلك الحين، وبلغ من قوتها أن ردت جيوش" أوغسطس قيصر" عن أسوار مأرب ودحرتها.....وكذلك كانت هناك مملكتا الحيرة وغسان، قامتا على حدود بادية الشام، وكانت الإمبراطورية الفارسية تستعين بمملكة الحيرة على حرب الروم، كما كان الرومان يستعينون بأمراء غسان على الفرس، وقد استمرت مملكة الحيرة من القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام، وكان لأهلها أثر كبير في الحضارة العربية، وتعاقب على ملكها خمسة وعشرون ملكاً".
إذن لم يكن العرب حديثي عهد بالأنظمة والدول، وأكبر الظن أن الإسلام قد انتفع بانتسابهم إليها، وأنهم قد مضوا فيها قبل كل شيء وبعد كل شيء ملتمسين نصرة هذا الدين وتمدده وانتشاره، فلم تكن الإمارة هي التي تشغل خاطرهم ولا المجد ولا الترف، كلا ليست هذه الأشياء قد أرادوا إليها أو فكروا فيها، كانت غايتهم فقط أن يبصروا رقعة الإسلام واسعة متينة وأن تمتزج هذه الشعوب التي انضوت تحت لوائه امتزاجاً صلداً حتى يغدو مقوماً لشخصيتها، وأن تمس تعاليمه الخالدة حياتهم مساً رفيقاً فهي التي تتيح لهم التغيير الذين ينشده حماة الدين والذي من أجله ضحوا بالغالي والنفيس، هذه هي الدولة التي يعرفون لوازمها، ويقيمون فرائضها، ولا تزيدهم العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعاً من أجل رفعتها وسموها.
من هنا نعلم أن العرب قد عرفوا الممالك والحكومات بينما كانت أوروبا تغط في سباتها العميق وأن البيئة التي" نزل عليها الإسلام كانت ذات ماض عريق وتجربة عريقة، وممارسة طويلة الأمد مع الحكم والحكومات، ونحن نعلم أن الإسلام جاء ليحدث تغييراً وتصعيداً، تغييراً للباطل، وتصعيداً وتعلية لكل ما هو ضروري وحق، ولم يكن العرب في عصور الجاهلية الموغلة في البعد، بقادرين على ما يعجز عنه أسلافهم في ظل الإسلام بكل قوته وعظمته ورشده، وحتى مكة فيما بعد والتي لم تكن فيها حكومة، نجدها قد قامت بتوزيع مسؤوليات الحكومة على قبائلها وبيوتاتها وأفذاذ رجالها، فكانت قوى المجتمع هي التي تحكم وتقود في تنظيم جديد وسديد، والمدينة كانت قبل ذهاب الإسلام إليها تتهيأ لتتويج ملك عليها، وإذا قام الملك قامت حوله الحكومة على نحو ما. وهكذا لم يكن الإسلام يعمل في خواء، ولا يبدأ من فراغ حين يدعو أتباعه لتأسيس حكومة، بل وحين يبدأ بالفعل في تأسيس دولة وقف على رأسها إمام المتقين وخاتم المرسلين وخير خلق الله أجمعين".
الطيب النقر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.