مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل
نشر في سودانيل يوم 05 - 06 - 2020

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الإسلامية في جامعه الخرطوم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اولا: ملخص الدراسه: تهدف هذه الدراسه الى اثبات ان الدوله فى المنظور السياسى الاسلامى هى دوله مدنيه على مستوى السلطه،ودينيه على مستوى اصول التشريع، وهى بالتالى فهى متجاوزه لتصورات الدوله فى مذاهب الفكر السياسى الغربى المتعدده (العلمانيه / الكهنوت والثيوقراطيه ). فالحل الصحيح- الذى يعبر عن جوهر المنظور السياسى الاسلامى - لمشكله العلاقة بين الدين والدولة ،هو الذى يجعل العلاقه بينهما علاقة وحدة وارتباط " وليست علاقة خلط أو تطابق كما فى مذاهب الكهنوت و الثيوقراطيه "، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة….كما أنها علاقة تمييز" وليست علاقة فصل كما في مذهب العلمانية)، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. اتساقا مع هذا تقرر الدراسه أن احد دلالات مصطلح " الإسلاميين " – وهى الدلالة البدعيه للمصطلح- ، وبعض المذاهب التي ينسبها أصحابها للإسلام، كمذهب التفسير السياسي للدين" الذى يطلق عليه البعض خطاْ اسم " الاسلام السسياسى "، يلزم منها كثير من مظاهر الكهنوت و الثيوقراطيه رغم تعارضهما مع الإسلام . كما ان المنظور السياسى الاسلامى يقوم على تقرير مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في
العلمانية) " لان الحاكم في هذا المنظور نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار" ، كما يقوم على تقرير دينيه التشريع "
على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الكهنوت والثيوقراطيه) ، لان قواعد الشريعة الاصوليه – التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله - هي المصدر الرئيسي للتشريع فى المنظور التشريعى الاسلامى، اما قواعد الشريعة الفرعيه- التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة- فهي مصدر فرعي اول للتشريع ، باعتبار أنها نقطه البداية- وليست نقطه
نهاية- لاى اجتهاد تشريعي" قانوني" ،لأنها تجسيد لخبره الامه وماضيها، هذا الاجتهاد التشريعي"القانوني" يتضمن الاستفادة من عدد من مصادر التشريع الفرعية الاخرى" كالعرف والتراث القانوني الانسانى القديم والمعاصر"، بشرط عدم تناقضها مع قواعد الشريعة الاصوليه .
ثانيا: المتن التفصيلى للدراسه:
أولا: العلاقة بين الدين والدوله في الفكر السياسي الغربي : في إطار الفكر السياسي الغربي فان هناك مذهبين رئيسيين في تحديد طبيعة هذه
العلاقة:
ا/ الخلط بين الدين والدولة: فهناك أولا المذهب الذي يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة تطابق وخلط ، وينقسم إلى مذهبين فرعيين هما :
أولا: الكهنوت : يرجع الأصل اللغوي لمصطلح "كهنوت" إلى ماده (كَهَنَ ) التي تعنى: قَضى له بالغيب (القاموس المحيط) . أما اصطلاحا فان الكهنوت هو مذهب يقول بوجود طبقه معينه هي طبقه "رجال الدين "، وهم ليسوا مجرد علماء بالدين ، بل هم علماء بالدين يتصفون بصفات معينه – هي مظاهر
الكهنوت- وهى :ا/ يسند إليهم سلطه دينيه مطلقه" من مظاهرها التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة".ب/ ينفردون بسلطة دينيه مقيده" من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاجتهاد". ج/هم واسطة بين الناس والله تعالى.د/ هم معصومون عن الخطأ.
تعارض الكهنوت مع الإسلام : والكهنوت بدلالتيه اللغوية والاصطلاحية يتعارض مع الإسلام وفيما يلي نورد أدله هذا التعارض :
أدله تعارض الدلالة اللغوية للكهنوت "ادعاء العلم الغيب" مع الإسلام:
ا/ لا يعلم الغيب إلا الله : قال تعالى ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ(… (النمل:65). ب/ الجن لا يعلمون الغيب: قال تعالى (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).ج/ الكهنة لا يعلمون الغيب: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكُهَّانِ ، فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ )( رواه البخاري برقم (7561( .د/ تحريم الكهانة في الإسلام :
قال الرسول (صلى الهم عليه وسلم )( من أَتى كاهِناً أَو عَرَّافاً فقد كَفَر بما أُنزِل على محمد أَي من صَدَّقهم) أدله تعارض الدلالة الاصطلاحية للكهنوت مع الإسلام:
ا/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه " التحليل و التحريم بدون نص قطعي :
قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) (النحل:116). ب/ العلماء لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده" الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" : فهذه السلطة الدينية المقيدة مخوله – في الإسلام – بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها جماعه
العلماء- فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )( آل عمران : 104 ) . ج/ لا واسطة بين الإنسان وربه: قال تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)( الزمر
:3) فالعلاقة بين الإنسان وخالقه فى التصور الاسلامى علاقة ذاتيه مباشره قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ألداع إِذَا دَعَانِ)( البقرة: 186) . د/ لا عصمه لأحد بعد الرسول "صلى الله عليه وسلم": قال الإمام ابن تيمية : (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي – صلى الله عليه وسلم-)( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: 6/196 ).
ثانيا: الثيوقراطيه: الأصل اللغوي لمصطلح الثيوقراطيه مشتق من الكلمة اليونانية ( Theokratia) ) وتعني الحكم الالهى ،أما اصطلاحا فان الثيوقراطيه هي مذهب يسند إلى الحاكم سلطه دينيه "روحيه" : مطلقه"مظهرها الاساسى سلطه التحليل والتحريم بدون نص"، ومقيده "من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسية"الزمنية" . ومن أشكال الثيوقراطيه : ا/ نظريه الحاكم الإله: وتقول أن الحاكم هو اله أو ابن الإله ، وقد أشار إليها القران الكريم في معرض الذم عند أشارته لقول فرعون " فحشر فنادي فقال أنا ربكم الأعلى "، ب / نظريه الحق الالهى:وتقول بان الحاكم ذو حق الهي في الحكم .ج/ نظريه العناية الالهيه :وتقول أن العناية الالهيه وجهت الأحداث ليصل هذا الحاكم إلى الحكم… تعارض الثيوقراطيه مع الإسلام: والثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام ،وفيما يلي نورد أدله تعارضها مع الإسلام والفلسفة السياسية الاسلاميه:ا/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه " التحليل و التحريم بدون نص قطعي " : وقد ذكرنا دليل ذلك اعلاه . ب/الحكام لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده" الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" : فكما اشرنا اعلاه فان هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله – في الإسلام – بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين ﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها جماعه الحاكم ونوابه – فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما في قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104).ج/الحكام لا ينفردون بالسلطة السياسية : فالفلسفة السياسية الاسلاميه تسند السلطة السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح
الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام – قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، ي، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ) .د/ طاعة الحكام مقيده وليست مطلقه: فالنصوص تحرم الطاعة المطلقة للحكام او غيرهم – لانها شكل من اشكال الشرك – وتوجب الطاعة المقيدة – المشروطة – اى الطاعة بالمعروف ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية) .
ب/الفصل بين الدين والدولة : وهناك ثانيا المذهب الذي يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة فصل ومثال له العلمانية.
العلمانية :
تعريف: مصطلح "العلمانية " هو ترجمه عربيه لمصطلح (Secularism )، والذي هو صيغه نسب لكلمه ( Secular )، والتي تعنى في اللغة اللاتينية الدنيا أو العالم ، فالأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية يفيد أذا معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني ، ورغم ما يدخل في تركيب كلمه العلمانية من حروف كلمه العلم، إلا انه لا علاقة بين العلمانية نزعه والعلم منهاجا، والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفى مثل هذه الصلة (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص187)، فالأولى أصلها اللاتيني ( Secular )، بينما الثانية أصلها (science) . أما اصطلاحا فان العلمانية هي نزعه تعمل على الفصل بين الدين"ممثله في السلطة الدينية" والدولة "ممثله في السلطة السياسية" .
شكلي العلمانية:
اولا:العلمانية المسيحية " ذات الأساس الديني": وقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) "
أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " (متى 17: 21) .وهنا يمكن الحديث عن احد أشكال العلمانية وهو العلمانية المسيحية، وهى علمانيه ذات أساس ديني للاتي ا/ لأنها احد مبادئ الديانة المسيحية ، وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص المسيحية،وله تطبيقات كثيرة في هذه الديانة، ب/ لان المسيحية ديانة تعنى بالعلاقة بين الإنسان-الفرد- وربه، وتركز على العقائد والعبادات والقيم الاخلاقيه والروحية "ذات طابع فردى "اى تنظم العلاقة بين الأفراد" ولكنها لا تتضمن تشريعات ذات الطابع الاجتماعي " اى تنظم حركه المجتمع " – كما في الديانة الاسلاميه مثلا- وما أطلق عليها اسم "تشريعات مسيحيه " هي من وضع الكنائس المسيحية المتعددة في مراحل متاجره،ج/ رغم أنها ترى جسد الإنسان يجب أن يخضع لسلطه الحاكم ، لكنها ترى في ذات الوقت أن روحه يجب أن تخضع لسلطه المسيح- تلاميذ المسيح – الكنيسة..
العلمانية الليبرالية"الطبيعية – اللادينيه": وقد تحولت العلمانية إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون . وهنا يمكن الحديث عن شكل آخر للعلمانية وهو العلمانية الليبرالية ، اى التي تشكل احد أركان النظام الليبرالي الاربعه "بالاضافه إلى الراسماليه والفردية والراسماليه " . وهى علمانيه طبيعيه- لا دينيه، اى تنطلق من فكره "القانون الطبيعي "، والتي مضمونها ( أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة ) – التي يستند إليها المنهج اللييرالى – لتقول بعدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع – ليصبح النشاط الديني بذلك مقصورا على الأفراد – وتقول بوجوب خضوع جسد الإنسان للسلطة السياسية ، أما روحه فحرة حرية مطلقه ، اى تقوم على أساس حرية الاعتقاد المطلقة - ولست المقيده - اى للإنسان مطلق الحرية في اختيار اى اعتقاد ديني"مسيحي أو خلافه"، أو لا ديني "الإلحاد أو الشك.."
المواقف المتعددة من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية في المجتمعات المسلمة ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
أولا : موقف القبول المطلق(التيار التغريبى) :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة، وأشكالها المختلفة وسلبياتها وايجابيتها .
كما سبق الاشاره فان أن العلمانية "الليبرالية" هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من أشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ) بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية .
ثانيا :موقف الرفض المطلق(التيار التقليدى): اى رفض العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة ،واشكالها المختلفه، وسلبياتها التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة، و ايجابياتها التي قررها الإسلام كدين ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الكهنوت والثيوقراطيه...
التكفير:هذا الموقف يقوم على تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة .هذا الموقف يواجه عده إشكاليات ومنها:
أولا:عدم التمييز بين عله منع شكلي العلمانية : فعله المنع في الشكل الأول من أشكال العلمانية "العلمانية المسيحية" ممثله في قول المسيح (عليه السلام)(أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وهى أنها من شرع من قبلنا الذي يخالف شرعنا –لان شرعنا يتضمن تشريعات كليه تشمل كافه مناحي
الحياة- وهنا لا يجوز أن يقترن المنع بالتكفير" لان هذا طعن في الأنبياء السابقين، فعدم عملنا بشرائعهم لا يعنى إنكارنا عملهم بشرائعهم – وعله المنع في الشكل الثاني من أشكال العلمانية "العلمانية الليبرالية"-وهى أن أساسها طبيعي – لا دينى- وهنا يجب على من أراد أن يقرن المنع بالتكفير أن يلتزم بضوابط التكفير الشرعية .
ثانيا:عدم الالتزام بضوابط التكفير الشرعية : أن هذا موقف لا يلتزم بضوابط التكفير التي قررتها النصوص وأكد عليها علماء الإسلام ومنها قاعدة"التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع" بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22) .وتطبيقا لهذه القاعدة فانه إذا كان من الجائز القول بتضمن مذهب العلمانية أو بعض مذاهبها لمفاهيم كفريه- وهو قول مقصور على العلماء – فانه لا يجوز أن القول أن الشخص المعين "العلماني " كافر إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه.
ثالثا :عدم التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع : أن هذا الموقف يحكم بكفر العلمانيين لأن تعريفه للعلمانية هو عدم الالتزام بالشرع ، ولكنه لا يميز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع ، وهو ما يخالف أصل من أصول الفكر السياسي السني – وهو وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم او فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر بدليل قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [5 /المائدة /45]، وقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [5 المائدة /47]، وَقوله تعالى (مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، وقد روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق) (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن/ سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله).، رابعا:استبعاد المبرر الحضاري لرفض العلمانية : أن هذا الموقف يحصر رفض العلمانية للمبرر الديني ، ويستبعد رفضها لمبرر حضاري أيضا، وهو أنها شكل من إشكال التغريب ،لأنه يقصر الإسلام على الدين، بينما الإسلام دين وحضارة.
ثالثا : الموقف االنقدى : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه – تاريخيه واحده – هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات لاحقه – خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية"العامه المشتركه" للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة" الخاصة المنفرده" إلا بعد تقييمها. كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة… و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين :
ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه… يقول المفكر الاسلامى احمد كمال أبو المجد انه يجب تحليل المكونات المختلفة للعلمانية " إذ أن فيها عناصر لا نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع الإسلام ، كاعتبار السلطة السياسية ذات أساس مدني مستمد من رضا المحكومين، ونفى الصفة الثيوقراطيه عنها ،وكالتسليم بحق أتباع الديانات المختلفة في ممارسه شعائرهم الدينية بحريه، إلا إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والآداب العامة، وهى فكره ترتبط بالدولة ولا ترتبط بالإسلام ، أما فصل الدين عن الوله، بمعنى إقصاء الدين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع فإنها المكون الرئيسي من مكونات العلمانية الذي لا يسع مسلما قبوله " (احمد كمال أبو المجد، نحو صيغه جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،مجله المستقبل العربي
،العدد26 – ابريل1981 ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ص115 )
ثانيا: العلاقة بين الدين والدولة في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر:
ا/ مذاهب متاثره بمذاهب ومفاهيم أجنبيه:
1- مظاهر الكهنوت التي تلزم من بعض دلالات مصطلح "الإسلاميين":ورغم تعارض الكهنوت مع الإسلام- كما اوضحنا ادلته بالتفصيل اعلاه - إلا أن بعض دلالات مصطلح "الإسلاميين" – وهى الدلالة البدعيه للمصطلح- يلزم منها كثير من مظاهر الكهنوت.
أصل المصطلح: من ناحية اللفظ لم يرد لفظ " اسلامى" أو "إسلاميين" كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، فمصطلح
(اسلامى) هو لفظ اصطلاحي (توفيقي) رغم أن موضوعه ديني (الإسلام)، وليس مصطلح شرعي (توقيفي)،. وإذا كان بعض العلماء المسلمين فى مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضي الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام أبو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك الفرق التي تختلف مع أهل السنة ، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التي تقتصر على فئة معينه من المسلمين ولا تمتد وتشمل كل المسلمين. وطوال التاريخ الاسلامى فان المسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه (المسلم المسلمين) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام ، ولم يتم استخدام مصطلح اسلامى وإسلاميين بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة إلا في العصور الحديثة بعد ظهور الاستعمار ( أحمد الريسوني :
الحركة الإسلامية المغربية ، ص17 ).
دلالات مصطلح "الاسلاميين":
الدلالة الاولى" الدلالة البدعية للمصطلح" : تعتبر أن المصطلح هو مصطلح شرعي توقيفي ، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة باعتبار انه أصل من أصول الدين- وهو ما يتعارض مع حقيقة أن المصطلح لم يرد فى القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح – كما اشرنا اعلاه- كما تنطلق هذه الدلالة من أو يلزم منها ، جمله من المفاهيم والقيم والقواعد البدعيه، التي تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية، ، وكثير من هذه المفاهيم والقيم والقواعد البدعيه هي مظاهر للكهنوت ، فمصطلح "الإسلاميين" في هذه الدلالة يقارب مصطلح "رجال الدين " ذو الدلالة الكهنوتية ، ومن هذه المفاهيم والقيم والقواعد:ا/ اباحه الاختلاف "
التعدد "على مستوى أصول الدين(الشيع): حيث يستخدم مصطلح" الإسلاميين" – طبقا لهذه الدلالة – لوصف جماعات متعددة ، مختلفة ليس في قضايا فرعيه اجتهادية فقط ، بل في قضايا أصوليه نصيه أيضا ، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104)، ففي هذه الدلالة يقارب أو يقابل مصطلح "الإسلاميين" مصطلح" الشيع" في القران الكريم،وقد استخدمه أشار القران الكريم للاشاره إلى ظاهره سالبه أصابت تدين اليهود والنصارى ،هي ظاهره التفرق في الدين " – شانها شان ظاهره الكهنوت كظاهرة سالبه أخرى أصابت تدينهم . ب/ إلغاء الاختلاف"التعدد" على مستوى فروع الدين(جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين): ويترتب على هذه الدلاله أن وصف جماعه معينه بأنها جماعه – حركه إسلاميه – إسلاميين اعتبار أنها جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين، وافتراض أنها تحتكر التحدث باسم الدين ، وهو ما يعنى أنها تنفرد بالسلطة الدينية المقيدة "سلطه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " ، وهو ما يخالف إقرار الإسلام للتعدد (المقيد) على المستوى التكليفى ،من خلال تقريره للوحدة على مستوى الأصول، وإقراره للتعدد والاختلاف على مستوى الفروع التى مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة ، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186). كما انه من صفات الكهنوت والثيوقراطيه كما سبق ذكره. ج/ تكفير المخالف: ويترتب على هذا الدلاله أيضا نسبه جماعه من المسلمين إلى الإسلام – فهم إسلاميين – نفى نسبه سواهم من المسلمين – ولو كانوا اغلبيه المسلمين – إلى الإسلام – فهم ليسو إسلاميين –وهو تكفير ضمنى ان لم يكن صريح – وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا).
وتكفير المخالف من لوازم الكهنوت، لان المخالف هنا يخالف من يملك سلطه دينيه مطلقه ، وهو معصوم عن الخطأ " طبقا للمنطق الكهنوتي". . د/ السلطة الدينية المطلقة : وهذه الدلالة تنسب إلى زعماء وقاده جماعه من المسلمين " الإسلاميين" سلطة دينيه مطلقة " التحليل والتحريم بدون نص" من خلال إيجابها طاعتهم طاعه مطلقه ، واتباعهم بدون دليل ،والقول بامتلاك احد من البشر سلطه دينيه مطلقه من صفات الكهنوت كما سبق ذكره. ه/ الواسطة بين الإنسان وربه: كما أن هذه الدلالة تنسب جماعه من المسلمين إلى الإسلام – على وجه الانفراد- فهم دون غيرهم الاسلاميين – بما يعنى أنها وسيط بين الله تعالى وغيرهم من المسلمين ، وهو شكل من أشكال الشرك الذى نعت عنه النصوص هو شرك الواسطة، وهو من صفات الكهنوت كما سبق بيانه . و/تقرير وجود معصومين بعد الرسول : كما ان نسبه هذه الدلاله لجماعه من المسلمين إلى الإسلام يعنى أن أفرادها معصومين عن الخطأ، وهو ما يتعارض مع القاعدة التي قررها علماء أهل السنة، وهى انه لا عصمه لأحد بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما انها من صفات الكهنوت كما سبق ذكره الدلالة الثانيه"الدلالة الاجتهادية للمصطلح" : وتعتبر أن مصطلح"الإسلاميين " اصطلاح بشرى، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة، باعتبار انه فرع من فروع الدين وليس من أصوله، وهذه الدلالة يمكن اعتبارها شكل من أشكال الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة ، بشرط التزامها بالضوابط السياسة الشرعية ، واتساقها مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية.وهذه الدلالة غير ذات صله بالكهنوت وصفاته ، فمصطلح "الإسلاميين" في هذه الدلالة يقارب مصطلح العلماء بالدين "ذو الدلالة
المعرفية- العلمية
2- مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه التي تلزم من مذهب التفسير السياسي للدين"
الإسلام السياسي" : كذلك فانه رغم تعارض الكهنوت و الثيوقراطيه مع الإسلام – كما اشرنا اعلاه - فان بعض المذاهب التي ينسبها أصحابها للإسلام، يلزم منها كثير من مظاهرهما ، ومن هذه المذاهب مذهب التفسير السياسي للدين" الذى ىيطلق عليه البعض خطاْ اسم " الاسلام السسياسى "
تعريف: وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، فهو يلتقي هنا مع الكهنوت والثيوقراطيه، ويخالف المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه)، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة…. .وعلاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في
العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل" الغاية" والسياسة هي الفرع" الوسيلة" ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
لزوم مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه من مفاهيم المذهب : ويلزم من العديد من مفاهيم هذا المذهب الكثير من مظاهر الثيوقراطيه ومن اهم هذه المفاهيم القول بان الامامه"السلطه" من أصول الدين ، حيث يستند هذا المذهب إلى افتراض مضمونه أن الامامه" بمعنى السلطة" هى أصل من أصول الدين ، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه " بمعنى السلطة" هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، ويقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق …) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271 )، فهذا المفهوم يتعارض مع المذهب السني ، ويتفق مع المذهب الشيعي، الذى نجد فيه كثير من مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه ، الماخوذه من الاديان الفارسيه القديمه كالزرادشتيه، ، التى يرفضها الاسلام كدين..
ب/ المنظور السياسي الاسلامى (علاقه وحده وارتباط"وليس خلط"، وتمييز "وليس فصل") اما الحل الصحيح- الذى يعبر عن جوهر المنظور السياسى الاسلامى - لمشكله العلاقة بين الدين والدولة ،هو الذى ىجعل العلاقه بينهما علاقة وحدة وارتباط " وليست علاقة خلط أو تطابق كما فى مذاهب الكهنوت و الثيوقراطيه "، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة….كما أنها علاقة تمييز" وليست علاقة فصل كما في مذهب
العلمانية) لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير، قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، وثبت في صحيح مسلم عن حديث بريدة بن الحصيب قوله (صلى الله عليه
وسلم) (إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)، ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب(رضى الله عنه) حكماً حكم به فقال( هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر)، فقال: ( لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما راى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب). وهذا الحل ينطلق من اسناد المنظور السياسى الاسلامى كل من السلطتين : الدينيه المقيده" التى عبر عنها القران بمصطلح "الامر بالمعروف والنهى عن المنكر" ، والسياسيه " التى عبر عنها القران بمصطلح "
الامر" للجماعة " (الشعب بالمصطلح السياسى الحديث والمعاصر) ، بموجب عموم مفهوم الاستخلاف ، فالسلطة الاولى مخوله –بموجبه - للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين(كهنوت)، والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الاول يفيد التخصص، بينما الثاني يفيد الانفراد - وهو ما يترتب عليه ان هناك وسيط بين الإنسان وخالقه - كما ان السلطة الثانيه مخوله أيضا - بموجب عموم الاستخلاف- للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله كما اشرنا سابقا.
ج/ مفهوم "الدولة المدنية" بين التصورين الليبرالي "العلماني"والاسلامى:
تعدد دلالات مصطلح "الدولة المدنية" : لمصطلح "الدولة المدنية" – ككل
المصطلحات- دلالات متعددة: فهناك الدلالة العامة- المشتركة للمصطلح، وتتمثل في الدولة المدنية كمفهوم مجرد ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ،ومضمون هذه الدلالة له جانبين: أولا: جانب مثبت مضمونه أن الدولة المدنية تقوم على إسناد السلطة السياسية للشعب، وبالتالي فان الحاكم فيها نائب ووكيل عنه ، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله،ثانيا: جانب نافى مضمونه أن الدولة المدنية نقيض للدولة الثيوقراطيه "الدولة الدينية بالمعنى الغربي" التي ينفرد الحاكم فيها بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراده بالسلطة الروحية " الدينيه " دونه . كما أن هناك الدلالة الخاصة – المنفردة لمصطلح"الدولة المدنية"ممثلا فى ، ومثال لهذه الدلالة الدولة المدنية كما جرى تطبيقها في واقع المجتمعات الغربية ، وطبقا للمفهوم الليبرالي للدولة المدنية .
المواقف المتعددة من الدولة المدنية: وهناك ثلاثة مواقف أساسيه من الدولة المدنية في المجتمعات المسلمة المعاصرة وهى :
الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للدولة المدنية ، اى رفض كافه دلالات مصطلح "الدولة المدنية" ، فهو لا يميز بين الدلالات المتعددة له، الايجابية منها والسلبية.
القبول المطلق (التغريب): وهو موقف يقوم على القبول المطلق للدولة المدنية،اى قبول كافه دلالات مصطلح "الدولة المدنية" ، دون تمييز بين دلالاته المتعددة ، الايجابية منها والسلبية.
الموقف النقدي (التجديد): وهو موقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق للدولة المدنية، إلى موقف نقدي منها، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح ألدوله المدنية ، أولا: الدلالة ألعامه – المشتركة – للمصطلح : ففيما يتصل بالدلالة ألعامه – المشتركة – للمصطلح فانه يرى أنها لا تعارض مع المنظور المنظور السياسي الاسلامى
أولا: اتساق مفاهيم وقواعد المنظور السياسي الاسلامى مع الجانب الايجابي لمضمون الدلالة العامة المشتركة لمصطلح ألدوله المدنية: ا/ استخلاف الجماعة في الأمر " السلطة" والشورى : فالفلسفة السياسية الاسلاميه قائمه على جمله من المفاهيم الكلية التي لا تتناقض مع هذه الدلالة ، كاستخلاف الجماعة "الشعب" في الأمر اى السلطة "ممارسه السيادة فى زمان ومكان معينين"، استنادا إلى مفهوم الاستخلاف- بعد إسناد ألحاكميه اى السيادة (السلطة المطلقة) لله تعالى استنادا الى مفهوم التوحيد ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ ( يوسف: 40) – ومن أدله ذلك تقرير القران أن الأمر اى السلطة شورى بين المسلمين ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( فاطر:
39).ب/ البيعة: وكذلك جاء تعريف علماء أهل السنة- بمذاهبهم الكلامية والفقهية المتعددة – للبيعة متسقا مع كون الحاكم في الدولة المدنية نائب ووكيل عن الشعب، له حق تعينه ومراقبته وعزله يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) .ج/ الامامه "السلطة" من فروع الدين وليست من أصوله: ويتسق مع الدلالة العامة -المشتركة لمصطلح "الدولة المدنية" أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، كما قرر علماء اهل السنعه - كما اشرنا سابقا- د/ تقرير كثير من العلماء عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية : كما يتسق مع الدلالة العامة –المشتركة لمصطلح الدوله المدنية تقرير كثير من علماء أهل السنة عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية: وقد استندوا إلى العديد من الادله ومنها حديث تأبير النخل (... إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) .ه/تقرير علماء أهل السنة ان السياسة الشرعية ما يحقق مصالح المسلمين ولو لم يرد
نصا: ينقل ابن القيم عن ابن عقيل الحنبلي قوله( السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به الوحي)(إعلام الموقعين: 4/283).
ثانيا: الدلالة الخاصة المنفردة للمصطلح: أما الموقف الصحيح من الدلالة الخاصة المنفردة لمصطلح" الدولة المدنية " ومثال لها المفهوم الليبرالي للدولة المدنية"فهو الموقف النقدي الذي يقوم على ورد ورفض ما خالف أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة،واخذ وقبول ما وافقهما.
الدولة المدنية ومشكله العلاقة بين الدين والدولة: " المنظور السياسي الاسلامى وتقرير مدنيه السلطة ودينيه اصول التشريع": ويتصل مصطلح "
الدولة المدنية " بمشكله علاقة الدين بالدولة ، وهنا يقوم المنظور السياسي الاسلامى على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) "
لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار" ، كما يقوم على دينيه التشريع " على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الكهنوت والثيوقراطيه) ، "باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه – التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله - هي المصدر الرئيسي للتشريع،. اما قواعد الشريعة الفرعيه- التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة- فهي مصدر فرعي اول للتشريع ، باعتبار أنها نقطه البداية- وليست نقطه نهاية- لاى اجتهاد تشريعي"
قانوني" ،لأنها تجسيد لخبره الامه وماضيها. و هذا الاجتهاد التشريعي"القانوني" يتضمن الاستفادة من عدد من مصادر التشريع الفرعية الاخرى" كالعرف والتراث القانوني الانسانى القديم والمعاصر"، بشرط عدم تناقضها مع قواعد الشريعة الاصوليه .
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات
https://drsabrikhalil.wordpress.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.