مقر فرعية لجنة التفكيك بوسط دارفور يتعرض لعملية نهب    السودان يستأنف صادر النفط بعد اغلاق (البجا) لميناء بشائر    بسبب الرسوم .. انتقال (2) ألف تلميذ إلى المدارس الحكومية    فيسبوك يدافع عن إنستغرام: لا يضر بالمراهقين    كارثة قبل عرس .. لن تستطيع إكمال الفيديو    محكمة الاسئتناف تُؤيد إعدام ضابط بالدعم السريع أدين بقتل متظاهر    روجينا مع راغب علامة في الفيديو الذي أثار الجدل    الحركة الأمس دي سميناها (رضا الوالدين) !!    حربي يوكد اهمية استدامة وتطور الانظمة الزراعية    مصر تفتتح أضخم محطة معالجة مياه على مستوى العالم    "الغربال" عن انتصارهم على المريخ:"النهاية المحبّبة"    أزمة المريخ..شداد يؤجّل اجتماعه مع"الضيّ" بسبب هنادي الصديق    إعفاء وتعيين مديرين عامين بالنيل الأبيض    مطاحن الغلال تعلن قرب نفاد احتياطي الدقيق المدعوم    ب ضربة واحدة.. شابة تقتل حبيبها بالهاتف المحمول    لجنة الفيضان:انخفاض في منسوبي نهر عطبرة والنيل الأبيض    الفنانة جواهر بورتسودان في النادي الدبلوماسي    طبيب يوضح حقيقة تسبب اللبن والحليب كامل الدسم والبيض في رفع الكوليسترول    وزارة المالية تشيد بجهود إدارة السجل المدني في استكمال تسجيل المواطنين    البرهان: لن ننقلب على الثورة وسنغير عقلية من يسوقون الناس بالخلاء    عيسى الحلو شخصية معرض الخرطوم الدولي للكتاب 2021    تأجيل جلسة محاكمة علي عثمان    تهريب 63 أسطوانة غاز لدولة الجزيرة    توقيف عصابة نهب الموبايلات بحوزتهم (10) هواتف    مدير عام صحة سنار يدعو لتطوير وتجويد الخدمة الصحية    الرئيس الأمريكي يعلن زيادة الضرائب على الأثرياء في الولايات المتحدة    برشلونة يضرب ليفانتي بثلاثية.. ويقفز للمركز الخامس    أساتذة جامعة الجزيرة يرفعون الإضراب    "المركزي" يتعهد بتوفير النقد الأجنبي لاستيراد معدات حصاد القطن    الكويت.. شقيقان يحاولان قتل أختهما فيفشل الأول وينجح الثاني بقتلها في غرفة العناية المركزة    مخابز تضع زيادات جديدة في سعر الخبز و"الشُّعبة" تتبرّأ    ‬0فات ضارة تهدد مشروع السمسم بمحلية الدالي والمزموم    الجاكومي: قيادة العسكريين تقف مع الثورة    استندا على الخبرة والكفاءة.. شداد ومعتصم جعفر يقودان (النهضة) و(التغيير) في انتخابات اتحاد الكرة    البرتغالي ريكاردو يغادر الهلال السوداني    شرطة المعابر تضبط دقيقاً مدعوماً معداً للبيع التجاري    في قضية المحاولة الانقلابية على حكومة الفترة الانقالية شاهد اتهام: المتهم الثاني طلب مني كيفية قطع الاتصالات في حال تنفيذ انقلاب    عودة المضاربات تقفز بسعر السكر ل(15,800) جنيه    النائب البرلماني العملاق    كلو تمام دوري وقمة للأقمار    فنان شهير يدعو جماهيره لحضور حفل "محمد النصري"    رغم اعتراض آبل.. الاتحاد الأوروبي يطالب باعتماد سلك شحن موحد للهواتف    الخرطوم تستضيف الدورة (17) لملتقى الشارقة للسرد    هل يخفض عصير الرمان الأحمر سكر الدم خلال 15 دقيقة من شربه؟    8 أسباب محتملة لروائح الجسم الكريهة.. كيف تقضي عليها؟    آخر تسريبات هاتف "سامسونغ" المنتظر.. ما الجديد؟    5 نصائح لنظام غذائي صحي مفيد للقلب    مفتي مصر السابق في مقطع فيديو متداول: النبي محمد من مواليد برج الحمل    شاهد : بعد إغلاق صفحتها .. الجبلية تعود بقوة وتظهر في فيديو بدون ميكب تعبر عن ماحدث لها بأغنية    ترامب يكشف عن سبب وحيد قد يمنعه من خوض الانتخابات الرئاسية    الخرطوم تستضيف الدورة 17 لملتقى الشارقة للسرد    كتابة القصة القصيرة    السلطات الفلسطينية تطالب السودان ب"خطوة" بعد مصادرة أموال حماس    رئيس مجلس السيادة يخاطب القمة العالمية حول جائحة كورونا    إختيار د.أحمد عبد الرحيم شخصية فخرية لملتقى الشارقة الدولي للراوي    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    وفي الأصل كانت الحرية؟    دعاء للرزق قوي جدا .. احرص عليه في الصباح وفي قيام الليل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودانوية أو الوعي بالخصوصية الثقافية والإثنية للسودان (2) .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا
نشر في سودانيل يوم 30 - 01 - 2021

نُحِت مصطلح "سودانوية" على غرار "إنسانوية" لإعطاء المفهوم أبعاده الفلسفية والفكرية والفنية والوجودية التي تضفي عليه خصوصيته وتحفِّز على الوعي المنشود بهذه الخصوصية.
وذلك لأن كلمة "سودانية" كلمة عامة ينسب بها كل شيء إلى السودان، مثلها مثل كلمة إنسانية humanity فهي لفظ عام أيضاً يحيل إلى كل ما له علاقة بالإنسان، وأما إنسانوية humanism فهو المصطلح ذو البعد الفلسفي والفكري الذي يشير إلى المذهب الإنسانوي أو الحركة "الإنسية" التي نصَّبت الانسان صانعا لتاريخه ومستقبله ومتحكما في مصيره وحركة تقدمه، ودشنت بذلك عصر النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر، وقادت أوربا إلى عصر التنوير والثورة العلمية والصناعية والثورة الفرنسية وإلى الحداثة.
وللفائدة التاريخية نقول إن مصطلح "السودانوية" اجترح في السبعينيات (راجع الجزء الأول من المقال) وذلك قبل ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان في 1983 بقيادة الزعيم الراحل جون قرنق.
السودانوية في كتاب الطبقات:
سبقت الإشارة إلى أن الوعي بالخصوصية الثقافية والإثنية للسودان نتاج للفكر السوداني الخالص في معرفته بذاته عبر مختلف مراحل تشكله، وهي معرفة قديمة قِدم التاريخ، وفي العصر الحديث نرى أن كتاب (الطبقات) لمحمد النور ود ضيف الله الذي وضعه في 1753م (قبل نحو سبعين سنة من سقوط مملكة سنار على يد الترك) يمثل بداية الوعي بهذه الخصوصية.
وتكمن قيمة هذا الكتاب الاستثنائية عندنا، إضافة إلى ما هو معروف عنه، في هذا الوعي السودانوي أولاً، ثم في المنهج العلمي الذي استخدمه المؤلف والذي أملاه عليه حسه الفطري السليم وهو المنهج الوصفي، وهذا المنهج كما هو معروف يصف الظاهرة كما تبدو عليه في الواقع من غير اخضاعها لأحكام معيارية وتقيميّة مسبقة.
وتتجلى الروح (السودانوية) أول ما تتجلى في وعي المؤلف بالاسم "السودان" وتقبِّله له اسما علماً على الدولة السودانية الحاضرة وذلك في وقت كانت تعرف فيه هذه الدولة بمملكة سنار وسلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء وكان لفظ "سوداني" يطلق صفةً على ذوي الأصول الأفريقية غير العربية.
يقول ود ضيف الله في خطبة (مقدمة) الكتاب: "وبعد فقد سألني جماعة من الأخوان، أفاض الله علينا وعليهم سحايب الاحسان وأسكنّا واياهم أعلى فراديس الجنان بحرمة سيد ولد عدنان، أن اورخ لهم مُلك السودان، واذكر مناقب أوليائها الاعيان". ص 34، ط4
ويقول في سيرة الشيخ تاج الدين البهاري الذي أدخل الطريقة القادرية إلى السودان: "مولده بغداد وحج بيت الله الحرام ومنه قدم الى السودان بإذن رسول الله صلي الله عليه وسلم والشيخ عبد القادر الجيلاني". ص 127.
كذلك جاء في سيرة الشيخ دفع الله بن محمد ابو ادريس: "وجاء رجل من المغرب ومر بالديار المصرية ودخل بلاد السودان ورأى الشيخ دفع الله فقال من أقصى المغرب الى مصر ما رايت مثله". ص 207.
ولا شك أن اسم السودان الوارد في هذه الاقتباسات وغيرها بالكتاب المراد به السودان الدولة الحاضرة.
ومن أبرز تجليات الوعي السودانوي المتجاوز عند ود ضيف الله خلو الكتاب من أي نزعة عنصرية أو جهوية ظاهرة. فهو في ترجماته عن شخصيات الكتاب ذات الأصول الأثنية والجهوية المتنوعة لا يميز بين أحد بسبب العنصر أو اللون أو الجهة والموطن المحلي كما أنه ينظر نظرة متساوية للكل المركب من مصادر الثقافة السودانية المتعددة والمتشابكة في غير ما تحيز ظاهر.
وهو بذلك كان متقدماً على انثروبولوجيا القرن التاسع عشر الأوربية العنصرية التي نظر بها بعض الرحّالة ومن بعدهم الاستعماريين وعلى رأسهم هارولد ماكمايكل إلى سكان السودان وثقافاتهم، وقد بلغ ماكمايكل (والذي يُحتفي عندنا بكتاباته عن أصول قبائل السودان) حدا من الوقاحة أن وصف فيه كثير من قبائل السودان الشمالي صراحة بالانحطاط والوضاعة لمجرد أنه يرى أن "نسبة الدم العربي" فيها أقل من غيرها.
كذلك من الملامح السودانوية لكتاب (الطبقات) اعتزاز المؤلف بالثقافة الشعبية والموروث السوداني المحلي والحديث عن واقع الناس المعاش وعن معتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم وفهمهم لدينهم وتدينهم كما هو ممارس على أرض الواقع، بلا ترفّع وبلا حذلقة وبلا محاكمات فقهية متعالية ومتعالمة، وذلك برغم أنه كان من طبقة العلماء والفقهاء.
وهو بذلك يعد من رواد ما عرف فيما بعد في الدراسات الأنثروبولجية الحديثة بالتدين الشعبي popular religion. إن مفهوم التدين الشعبي لم يستمده الباحثون السودانيون المعاصرون من القس ج سبنسر تريمنغهام صاحب كتاب (الاسلام في السودان)1946 على زعم بعض الأكاديميين السودانيين المعاصرين، بل استمدوه من كتاب (الطبقات) ومما ورثوه من أسلافهم.
وقاد هذا الوعي المتجاوز ود ضيف الله إلى اختيار لغة الكلام الدارج في التأليف والحكي عن سير الشخصيات والأحداث التي تناولها بالكتاب. ويخطئ من يظن أن المؤلف فعل ذلك لضعف تحصيله في اللغة الفصحى، فهو قد كان فقيها وعالما في اللغة وليس أدل على علو كعب المؤلف في العربية وعلومها من مقدمة (خطبة) الكتاب والتي كتبها بلغة عربية فصحى مبينة لا تشوبها شائبة من لغة الكلام.
فهو عندما اختار الكتابة بلغة الكلام لم يفعل ذلك لقصور باعه في الفصحى لكنه استشعر بحسه الفني ووعيه المتقدم، الحيوية التي يضفيها استخدام لهجة الكلام في السرد. فقد أراد الكاتب نقل ثقافة عامة الناس وما يعبر عن وجدانهم ومعتقداتهم ورأى أن لغة الكلام هي الأقدر والأصدق في تصوير واقع الناس الاجتماعي والثقافي والديني. وبذلك يكون محمد النور بن ضيف الله رائدا في توظيف لغة الكلام في السرد القصصي.
فإذا كان الجدال قد دار طويلا قبل أن يحسم مؤخراً بين الأدباء والنقاد المعاصرين، حول استخدام لهجات الكلام في تاليف القصص والروايات والمسرحيات، فإن المؤلف قد حسم هذه القضية قبل نحو ثلاثة قرون.
والملمح الأخير الذي يشكف عن الحس السودانوي عند ود ضيف الله، ذلك الخيط الناظم للشعور الوجداني الجامع، الذي لا تخطئه العين الفاحصة والفكر المتأمل، في الربط بين المجموعات الثقافية والإثنية داخل مملكة سنار من ناحية، وبين مملكة سنار ككل والممالك السودانية الأخرى في شرق السودان وغربه مثل مملكة الفور ومملكة تقلي بجبال النوبة وممالك الشرق في التاكا وساحل البحر الأحمر وغيرها من الممالك التي حافظت على استقلالها السياسي عن سنار.
فبرغم هذا الاستقلال السياسي نحلظ من خلال مرويات وسرديات وبنية خطاب "ود ضيف الله" وجود تواصل وانفتاح يشي برابطة وجدانية ومشتركات ثقافية وإثنية جامعة.
الإمام محمد أحمد المهدي:
يعد الأمام المهدي أول زعيم وقائد وطني يوحد السودانيين ويلتفون حوله بمختلف أقاليمهم وجهاتهم وقبائلهم وثقافاتهم وطرقهم الصوفية وزعاماتهم الأهلية وكان هذا الالتفاف غير المسبوق الذي بهر العالم الخارجي، أول اختبار حقيقي يدلل على وجود لحمة وطنية ووحدة وجدانية جامعة لسكان السودان المعاصر.
وقد قدم المهدي المنحدر من أقصى الشمال باختياره خليفة له من أقصي الغرب بدارفور وهو الخليفة عبد الله التعايشي، قدم أول درس في الوطنية في تاريخ السودان الحديث. وكذلك كان أمراء وقادة جيوش المهدية ينتمون إلى مختلف القبائل والجهات الأربعة وبينهم من كانوا من الموالي مثل الأمير والقائد حمدان أبو عنجة.
ثورة 1924:
استطاعت المقاومة السودانية للاحتلال الإنقليزي خلال عقدين من بداية الاحتلال أن تحيّ أواصر (القومية) السودانية التي تجلت في ملاحم الثورة المهدية وتجسدت هذه الروح الوطنية في ترأس علي عبد اللطيف لجميعة اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924.
كان ثوار الحركة يرفعون شعار وحدة وداي النيل أي الاتحاد مع مصر تحت التاج المصري، وبعد القضاء على الحركة شعر كثير من السودانيين بأن المصريين خذلوهم مما أدى إلى فشل الثورة فعادوا وتبنوا "شعار السودان للسودانيين" والذي قاد في النهاية إلى استقلال السودان.
السودانوية في الأدب والفنون (طمبل):
في أعقاب فشل حركة 1924 تنامي الشعور (القومي) الاستقلالي عند كثير من المثقفين وأول من قاد هذا الاتجاه (السودانوي) الشاعر والناقد حمزة الملك طمبل وذلك من خلال دعوته الرائدة إلى التأسيس لأدب سوداني يحمل مكونات الشخصية السودانية بكل أبعادها المحلية وذلك في سلسلة مقالات بدأ نشرها بجريدة حضارة السودان في بحر سنة 1927.
غير أن الجريدة المذكورة قد أغلقت أبوابها في وجه طمبل وتوقفت عن نشر مقالاته وذلك بسبب جدة أفكاره وجرأتها لكنه تمكن من إكمالها ونشرها بكتاب سنة 1928 جاء تحت عنوان (الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه).
ويكشف طمبل عن بعض الدوافع التي حملته على اتخاذ هذا الموقف المتجاوز لنخبة ذلك الزمان، ومنها عدم رضاه عن صورة السوداني المشوشة لدى الآخر العربي والغربي. إذ أعرب في هذه (المقالات) غير مرة عن امتعاضه من نظرة العرب والأجانب إلى السودان وثقافته وأهله. يقول:
"يشعرني بشيء من الأسف هذا الذي أراه في مصر من جهل الناس بأحوال السودان وارتسام صور مشوهة في أذهانهم عنه، ولعل أهون ما في هذا أن يظن أن السودانيين لم يسمعوا بالشعر".
وهو هنا يشير بذلك إلى مقال نُشر بجريدة الحضارة بإمضاء المعز "يدفع فيه سخافات وأوهاماً نشرتها السياسة الأسبوعية المصرية عن المرأة السودانية".
وفي موضع آخر ينتقد نظرة الآخر للسودانيين في سياق ملاحظاته حول قصيدة الشاعر الطبيب، علي أرباب، الذي يصفه بالقول إنه "شاب وديع لدرجة المسكنة، والوداعة من صفات أهل السودان المتوحشين، في نظر غيرهم".
ومن ذلك أيقن طمبل أن السبيل الوحيد لتغيير هذه النظرة هو التمسك بالأصل المحلي وبالخصوصية الثقافية وليس في التشبه بالآخر وتقليده، من هنا كانت دعوته الرائدة إلى ضرورة أن يصدر الشاعر عن واقعه وثقافته وبيئته المحلية وألا يكتفي بتقليد الشعر العربي القديم.
فموضوع الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه، كما يقول: "موضوع جليل خطير يجب أن يهتم به كل كاتب ومفكر وذلك لأن قيمة الأمة أو شخصيتها أظهر ما تكون في أدبها قبل كل شيء آخر".
وفي سبيل ذلك يطلب طمبل أن تكون الصورة الشعرية "دالة على السودان ومذكرة من يراها به، أعنى (سودانية) بكامل معناها حتى الشلوخ والوشم".
ويضيف: "نريد أن يكون لنا كيان أدبي عظيم، نريد أن يقال عندما يَقرأ شعرنا من هم في خارج السودان: إن ناحية التفكير في هذه القصيدة أو روحها تدل على أنها من السودان، هذا المنظر الطبيعي الجليل الذي يصفه الشاعر هي حالة السودان، هذا الجمال الذي يهيم به الشاعر هو جمال نساء السودان، نبات هذه الروضة أو هذه الغابة، التي وصفها الشاعر ينمو في السودان".
ويخلص طمبل من كل ذلك إلى القول: "الخلاصة أن الأصل يجب أن يكون لنا مصنوعاً طبق الأصل في أفكارنا وبحرارة نفوسنا وعواطفنا ليسير الموكب الأدبي السوداني فخماً جليلاً موسماً بوسم السودان في طريق (المثل الأعلى)".
وكان طمبل قد أنكر الشعراء السودانيين تقليد الشعراء العرب القدماء وعاب عليهم افتتاح القصائد بالغزل والنسيب ودعاهم إلى الصدق في التعبير عن ذواتهم واستعمال اللغة والصور الشعرية المعاصرة. وهو حينما يقول: "الأدب السوداني شيء في بدء التكوين وأنا أول من نطق باسمه". إنما يقصد هذا الاتجاه "السودانوي" في الكتابة الأدبية.
ويسوق طمبل مثالاً على (سودانوية) الصورة للأدب السوداني، بأبيات الشيخ بابكر بدري والتي "اتخذها بعضهم سخرية وموضع تندر":
جَاءَ الخَرِيفُ وصَبّت الأمْطَارُ
والنَّاسُ جَمِيعهم لِلْزِرَاعَةِ سَارُوا
هَذَا بِمُفْرَدِه وذَاكَ بابْنِه
والكُلُّ في الحَشِّ السَرِيعِ تَبَارُوا
فهذه الأبيات، يقول طمبل "وبصرف النظر عن درجة حرارتها فهي تعطيك صورة صحيحة لوجه من وجوه الحياة في السودان".
وفي سنة 1931 أصدر طمبل (ديوان الطبيعة) ليأتي تطبيقا لرؤيتة السودانوية في فن الشعر فكان الديوان جديداً في الشكل والمواضيع والرؤى واللغة مما عهده السودانيون في الشعر الفصيح الذي ورثوه من العرب القدماء.
في تقييمه للديوان يقول الدكتور محمد إبراهيم الشوش إن أسلوب الديوان: "فيه خروج واضح على النغمة الخطابية التي كانت سائدة بين معاصريه من شعراء تلك الحقبة التاريخية وفيه نفس جديد في الشعر السوداني لا نجده عند محمد سعيد العباسي أو عبد الله عبد الرحمن أو عبد الله محمد عمر البنا أو غيرهم من المعاصرين، ففي شعره نفسٌ تُغْنِي عالمها الخاص بأسلوبها الذي هو مزيج من جزالة الفصحى ومحلية الكلمة السودانية وأشكال التعبير السوداني المحلي". فقد مارس طمبل كما يقول الشوش "مقدرة فائقة في التوفيق بين النغم التقليدي للعروض والنغم الشعبي ومجاراة النحو مع الخضوع للتركيب العامي".
معاوية محمد نور:
امتد تأثير دعوة طمبل إلى ضرورة أن يصدر الكاتب عن خصائص مجتمعه وبيئته المحلية إلى أدباء مصر، فبعد نشر كتابه (الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه) بمصر في 1928، صادفت الدعوة هوى في نفس معاوية محمد نور الذي كان يقيم وقتها بمصر، فنقلها إلى ثلة من أصدقائه الأدباء بمصر فأسسوا في سنة 1930 جماعة أطلقوا عليها (جماعة الأدب القومي). وصفة "قومي" هنا يقصد بها "وطني محلي national ولا تعني القومي العروبي الآيديولوجي ممثلاً في "القومية العربية".
ونشرت الجماعة بيانها التأسيسي الأول بمجلة السياسة الاسبوعية (مجلة أدباء ومفكري الصف الأول بمصر آنذاك) بتاريخ السبت 28 يونيو 1930 بعنوان (دعوة إلى خلق أدب قومي) ووقع على البيان إلى جانب معاوية ستة من الأدباء والكتّاب المصريين ويحمل البيان سمات أسلوب معاوية ونفَسه الكتابي.
وجدت الدعوة استجابة من جماعة مقدرة من الأدباء والكتاب سميت ب(جماعة العشرين) للأدب القومي فوضوا زعامتهم للأديب الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب رواية زينب أول رواية مصرية) رئيس تحرير صحيفة السياسة الاسبوعية.
يبدأ البيان بالنعي على النهضة الأدبية في مصر والشرق العربي كونها انطبعت بطابع التقليد والنقل حيث يعمد الكتاب "إلى تغيير بسيط في الأسماء وتحوير في المعنى والموضوع" ثم ينسب القطعة الأدبية أو القصة لنفسه. "والأدب صورة الحياة ومن العيب أن نضيق بحياتنا فنلتمس تصويرها بأقلام غير أقلامنا وأفهام غير أفهامنا".
من هنا يقول البيان "صحت نيتنا أن نوجه هذه الدعوة إلى كل من يهمه خلق أدب محلي، لا يعتمد على الادعاء والترجمة والنقل، بأن يكون طابع النهضة في مصر والشرق العربي، الحرية في الفكرة، والاستقلال في الرأي، والعناية بخلق أدب يحمل مميزاتنا، وتكون له سماته الخاصة كما للأدب الروسي والإنجليزي والفرنسي مثلاً". انتهى.
ولكن يبدو أن مرامي الدعوة قد أسيء فهمها فعمد معاوية إلى نشر في 30 سبتمبر 1930 بعنوان: )الأدب القومي- فكرة فنية يجب تصحيحها) يشرح فيه فلسفته وراء الدعوة إلى الأدب القومي بالقول:
"للأمم عبقريات خاصة وخصائص شعورية، وفكرية وألوان من العيش، والمزاج، ومهمة الأدب القومي تسجيل هذه العبقريات وهذه الخصائص وألوان المزاج وطرق التفكير وصنوف الإحساس".
وليس معنى ذلك يقول معاوية أن يحصر الأديب نفسه في الكتابة عن بيئته المحلية وإنما جوهر الأدب القومي "هو (الإحساس القومي) أي أن يكون الكاتب فناناً تمثلت فيه خصائص أمته الشعورية والفكرية فأبرزها في العمل الفني".
"وقد يكون هذا الأدب القومي حياة الفلاح أو فقر العمال أو ترف الأغنياء في وادي النيل، وقد يكون عن متحف اللوفر ومجد فرنسا أو الكلام عن جمال البندقية في إيطاليا، كل ذلك موضوع ثانوي طالما كان الإحساس قومياً صحيحاً".
"والقطعة الفنية يكتبها ابن بار من أبناء هذا النيل عن الشمس أو الصحراء أو شظف عيش عائلة ريفية أو عن (الكلوج دي فرانس) أو عن التقاء النيلين بالخرطوم، أو غير ذلك من الموضوعات تكون أدباً قومياً طالما كان ذلك الفنان فنانا بطبعه، شديد الشعور بقوميته". انتهى.
ويلاحظ الدارس لآثار معاوية محمد نور وبخاصة مقالاته السياسية ونصوصه الإبداعية أنه كان استقلالياً وسودانويا فيما يكتب. فمع أن معاوية درس بالجامعة الأمريكية ببيروت وعمل بعد تخرجه بالصحافة بمصر كاتبا تنويرياً كبيرا إلا أن كتاباته السياسية والفكرية قد خلت من أي نزعة "قومية" عروبية أو اتحادية مع مصر، كما خلت قصصه وخواطره الأدبية من أي أثر لحياته وذكرياته في لبنان ومصر وتمحورت كلها حول السودان واستمدت موضوعاتها وصورها وأخيلتها حصراً من المجتمع السوداني والثقافة السودانية.
جماعة مجلتي (النهضة والفجر):
اطلع أولاد عشري الصديق: محمد وعبد الله (أولاد الموردة) على دعوة معاوية ورفاقه، فاعجبوا بها ونقلوها إلى أصدقائهم بحي الهاشماب (محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد وأحمد يوسف هاشم وعرفات محمد عبد الله) وكانت تربط المجموعتين روابط أدبية وثقافية في شكل منتديات وملتقيات. وكان معاوية قد ولد ونشأ بحي الموردة وربطته علاقة صداقة متينة بأولاد عشري وخاصة بعبد الله عشري الذي درس مع معاوية بالجامعة الأمريكية ببيروت.
وقد وجدت جماعة الموردة والهاشماب في الدعوة إلى (الأدب القومي) إطاراً نظريأ ليس للتأسيس للأدب السوداني وحسب، بل لبناء القومية السودانية والأمة السودانية المستقلة أدباً وثقافةً وسياسةً. فبدأ التفكير في ضرورة إنشاء منبر صحفي للبدء بالتبشير بهذا المشروع النهضوي الطموح. فكان ميلاد مجلة النهضة أولا ومن بعدها مجلة الفجر. من هنا جاء اسم، جماعة مجلتي النهضة والفجر.
فقد تضمن العدد الأول من مجلة (النهضة) السودانية الذي صدر في 4 اكتوبر 1931 مقالا لمحمد عشري الصديق نشر في جزءين بعنوان) الأدب القومي) استهله بالقول: "منذ مدة وجيزة قام جماعة من أدباء الشباب، يبثون دعوة مؤداها أن عصر الترجمة والنقل قد انتهى، وأن عصر الخلق والابتكار والاعتماد على المواهب الطبيعية قد أطلت بشائره، ووجهوا دعوتهم إلى جميع المشتغلين بالآداب الرفيعة في وادي النيل".
وقد تنبه محمد عشري إلى حقيقة تكشف عن مدى نفاذ بصيرته وسعة أفقه المعرفي، إذ يرى أنه إذا أردنا ان نتحدث عن أدب قومي، فعلينا أن نلتمسه في تاريخ نهضة الآداب القومية في أوربا معللاً ذلك بالقول:
"كانت جامعة العرب في الجاهلية عصبية القبائل وعصبية اللغة. أما في الإسلام وبعده، فقد كانت جامعتهم عصبية الإسلام، فضلا عن اللغة، والخلافة والجهاد. ومعلوم أن الإسلام لم يدع إلى وطنية أمة خاصة، ولم يشجع الخارجين عن حظيرته بإرادتهم، ولكنه آوى كل الشعوب، وألف بين كل الملل والنحل، وجعلهم أخوة في الإيمان والجهاد. فنحن والحالة هذه، نمرّ على التاريخ العربي صامتين. أما إذا استعرضنا أمم أوربا فهناك نجد الأمثال والعظات، والحقائق التي ننشدها".
ثم بدأ يستعرض كيف نشأت، مع بداية عصر النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر، الآداب القومية واستقلت اللغات القومية في بلدان أوربا: إنجلترا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا.
وفي الجزء الثاني من المقال (نشر بالعدد الثاني، في 11 اكتوبر 1931) يطرح محمد عشري، مفهومه للأدب القومي في البلدان العربية بالقول:
"فالأدباء الطامحون إلى إحياء الآداب القومية، سواء كانوا في مصر أو في السودان أو أي بلد من بلدان الشرق الناهض، يخلق بهم أن يتعمقوا في حياة الأوساط الاجتماعية كلها، وأن يستأنسوا بأسلوب حياتها، ويحيطوا بأفكارها وأمزجتها، وخفايا أفئدتها، ويألفوا مُثلها العليا والسفلى، وخرافاتها وأساطيرها وقصصها وأشعارها، وبالإجمال كل ما يتعلق بما يدعوه الغربيون ويدرسون باسم (أدب الشعب)".
وبتاريخ 21 فبراير 1932 نشر محمد أحمد المحجوب بمجلة النهضة مقالا بعنوان (الشعور القومي وحاجتنا إليه) جاء فيه: "القومية معناها شعور الناس بما يربطهم من أواصر المنفعة المشتركة التي تجعل منهم كتلة واحدة ذات كيان واحد، إذا قيسوا إلى غيرهم من البشر..، وأول الطرق لبث الشعور القومي، هو أن نعمد إلى عصبية القبيلة ونحولها إلى عصبية وطنية شاملة".
وفي مقال له نشر بمجلة الفجر بتاريخ 16 سبتمبر 1934 بعنوان (الشعر القومي) يجدد المحجوب، دعوة طمبل بضرورة خلق أدب نابع من الواقع السوداني وروحه بقوله: "وكتاباتنا خلو من الروح القومي الذي يميزها عن كتابات غيرنا من سائر أهل الأرض، وليس فيها من الخصائص ما يكسبها كينونة بين آدب الأمم".
وهكذا كان دافع هذا المشروع النهضوي لهذه الجماعة هو استقلال السودان التام أمة ودولة وثقافة وأدبا وشعوراً قومياً والعمل في سبيل ذلك على بناء الأمة السودانية من خلال غرس الروح القومي وبث الوعي بخصوصية الثقافة السودانية والأدب السوداني مع الانفتاح على كل الثقافات والتيارات الفكرية والأدبية في العالم بلا تحيزات إقليمية ضيقة.
يقول الدكتور خالد حسين الكد في كتابه (الأفندية ومفاهيم القومية في السودان) عن الخط الفكري والتحريري للنهضة والفجر، أصبحت مصطلحات مثل (الثقافة السودانية) و(الأدب القومي) هي محور مقالات مجلتي النهضة والفجر. وإن "شعار الأدب القومي، والهوية السودانية، هي المواضيع الأثيرة لكلمة تحرير مجلة الفجر". ومثالاً على ذلك يورد الكد، مقتطفاً من كلمة تحرير عدد مجلة الفجر، الصادر في يوم 1 مارس 1937 وهو قولها: "الهوية السودانية هي مثال يجب أن نعمل لتحقيقه. يجب أن تنعكس في سياستنا، تعليمنا، أدبنا وثقافتنا. هي الخطوة الضرورية التي يجب أن نتخذها قبل أن نتطلع للتحالف مع أي أمة، أو أن نمضي في طريقنا مع الأمم الأخرى للوصول للأممية".
ويعد محمد أحمد محجوب، أكثر جماعة مجلتي النهضة والفجر، حماساً، للتأسيس للقومية السودانية، فقد جعل هذه الفكرة محور اهتمامه الأدبي والنقدي والفكري، فهو عندي من أوائل مؤسسي الوعي القومي والنقدي والرؤية المتنوعة للثقافة السودانية ومن الذين جاهدوا بالكلمة لبناء الشعور القومي (السودانوي).
وقد استرعىت حماسة المحجوب في الدعوة إلى القومية السودانية والأدب القومي انتباه الدكتور عبد المجيد عابدين، الباحث المصري المعروف في شئوون الثقافة السودانية، والأستاذ السابق بجامعة الخرطوم، فوصفه بالقول:
"وكان من أثر الوعي القومي الذي سرى إلى رواد النهضة، وسيطر على نفوسهم، أن قام المحجوب ودعا إلى أدب قومي، في حرارة وحماس. فمحجوب لم يوافق على اقتفاء آثار الأدب الغربي أو العربي، بحيث نلغي مقومات الحياة السودانية". (انظر: عابدين، تاريخ الثقافة العربية في السودان، ص 377).
وهو يشير بذلك إلى مقال نشره المحجوب بالنهضة بتاريخ 20 مارس 1932 تحت (أدب التجارب) دعا فيه الأدباء أن يستلهموا كتاباتهم من تجاربهم في حياتهم الخاصة المعاصرة وألا يكتفوا بتقليد أساليب العرب القدماء أو أدباء الغرب المحدثين. يقول المحجوب في ذلك المقال:
"الأدب اليوم في الشرق هو أدب غربي في الشكل والروح وفي التفكير والأسلوب ولا أبالغ إذا قلت الآراء المنقولة في وصف الحياة أبعد ما تكون عن حياتنا".
فإذا شئنا أن نستفيد من اطلاعنا على الأدب الغربي كما يقول "فالسبيل الوحيد أن نسعى لايجاد أدب يرتكن إلى تجاربنا الخاصة في الحياة، وتكون مادته ما نلاحظه في غدونا ورواحنا، وما نصادفه من الصعاب في مجتمعنا".
كذلك ينكر المحجوب على الأدباء تقليد أساليب التراث القديم، فأنصار الأدب العربي بدورهم كما يقول: "يحاولون اقتفاء آثار امرئ القيس، والنابغة، وعبد الحميد الكاتب، والجاحظ وغيرهم، فلا تنتج جهودهم غير التقليد في صور ممسوخة، وآراء مشوشة، لأنهم يتغزلون كما كان امرؤ القيس يتغزل، ويبكون مثله في العرصات، ويمتدحون النوق.. وكفانا من امرىء القيس وصحبه، اللغة التي كانوا يستعملونها بما فيها من جزالة ومرونة، وحسبنا أن نخلص لأحبابنا إخلاصهم لأحبابهم، وأن ندرس حياتنا ونصورها كما فعلوا بحياتهم".
هذا الحماس في الدفاع عن (السودانوية) والعمل على التأسيس لها قاد المحجوب إلى المناداة جهرة بضرورة انفصال الثقافة السودانية والأدب السوداني عن الثقافة المصرية والأدب المصري. ومثل هذه الدعوة في ذلك الوقت، كانت من الكبائر إذ كان شعار (وحدة وادي النيل) مسيطرا على أذهان ووجدان غالبية المثقفين والسياسيين السودانيين.
جاءت دعوة المحجوب إلى ضرورة فصل الثقافة السودانية عن الثقافة المصرية بمقال نشره بمجلة الفجر في 16 يونيو 1935 تحت عنوان (الأدب المصري والأدب السوداني). وفجر المقال سجالات ساخنة بالصحف.
يقول المحجوب في المقال: "والغريب أن ينفر الناس من فكرة انفصال الأدبين المصري والسوداني، أو الثقافتين المصرية والسودانية، وهذا أمر طبيعي لا بد منه، وليس معناه قطع الصلات ولا التفريق بين الشقيقين، بل معناه زيادة عناصر الحياة في وادي النيل".
ثم يدعم وجهة نظره، بإبراز بعض الخصائص المميزة للثقافة السودانية التي تجعله يطالب باستقلالها عن الثقافة المصرية بالقول:
"لا يا أخواننا المصريين، نحن إذا نادينا بقيام الأدب القومي ذي الطبيعة المحلية، فإنما ندعو إلى خلق شعب شاعر بكيانه، يعبر عن مرئياته من سماء زرقاء، أو ملبدة بالغيوم، ومن غابات كثيفة، وصحراوات قاحلة ومروج خضر، ومن حياة بدوية هادئة، إلى حياة عصرية صاخبة، ومن إيمان بالكجور والسحرة، إلى إيمان بالله وحده لا شريك له".
ومن مساهمات محجوب الفكرية كتيب صغير صدر سنة 1941 بعنوان (الحركة الفكرية في السودان إلى أين تتجه) ضمّه لاحقاً إلى مقالاته المجموعة من مجلتي النهضة والفجر بكتابه (نحو الغد). وأهم ما تضمنه البحث، حديثه عن التنوع الإثني والثقافي في السودان وروافده التاريخية والحاضرة. وظني أن حديث المحجوب عن هذه المسألة يعد أول حديث يصدر عن مثقف وكاتب سوداني حول حقيقة وواقع التنوع والتداخل والتمازج القومي في السودان.
فعن التنوع التاريخي الإثني للسودان وأصوله يقول المحجوب في هذا البحث: "سكان هذه البلاد الأصليون هم السود أو الزنوج ولكن السودان من قديم الزمان كان قبلة كثير من الشعوب التي هاجرت إليه من عرب الحجاز واليمن وسكان آسيا ومن الأمم المجاورة كالحبشة ومصر وبربر وبلاد المغرب واختلطوا بأهله بعض الاختلاط وامتزجوا بهم إلى حد ما. وطبيعي أن يحدث هذا الاختلاط والتزاوج وتبادل المعرفة فعلته، في تكوين الأجيال التي عقبته، حيث تجري في العروق دماء مختلفة وتتمازج وتتفاعل".
وعن التنوع التاريخي الثقافي للسودان والمؤثرات الحضارية يقول: "السودان خلاصة حضارات متعددة متشابهة ومتنافرة وثقافات هي في الواقع، الأساس لكل التراث الفكري الموجود في العالم. كما أنها وليدة عقائد دينية منها الوثني ومنها النصراني والإسلامي. فالسودان في ماضيه القديم قد تأثر بالثقافة الفرعونية، وثقافة البطالسة، وهي في جملتها ثقافة يونانية، وبثقافة الرومان كما تأثر بالثقافة العربية. ولقد تأثر السودان بديانات وثنية وأخرى سماوية، فقد عرف عبادة الشمس وغيرها من ديانات قدماء المصريين، وعرف النصرانية بتعاليمها وطقوسها، كما عرف الإسلام الحنيف. وكل هذه لها أثرها عن طريق الوراثة في الأجيال المتعاقبة وعقلية هذا الجيل الحاضر، من السودانيين". انتهى.
محمد المهدي المجذوب:
إذا كان حمزة الملك طمبل أول شاعر وناقد (سودانوي) فنحن نعد الشاعر الضخم محمد المهدي المجذوب (1918-1982) ثاني شاعر "سودانوي". فنهج المجذوب في كتابة الشعر من حيث استلهام الصور والأخيلة من الواقع المحلي وتوظيف المفردات والعبارات الشعبية في لغة الشعر، هو امتداد لنهج حمزة الملك طمبل.
وقد بلغ إعجاب المجذوب بطمبل الحد الذي وصفه فيه بأنه أول شاعر سوداني حقيقي. جاء ذلك بالمقدمة التي كتبها المجذوب لديوان محمد محمد علي (ألحان وأشجان) سنة 1960 حيث يقول:
"ولقد أحس رجل واحد له خطر، بالضيق من حال الشعر في السودان، ونحن نأسف أشد الأسف لأنه ظل وحده، فقد نقد الشعر السوداني في العشرينات، ثم خرج على الناس بديوان شعر عام 1931م وضرب به مثلاً على المذهب الجديد حقاً في الشعر، ولقد كان بذلك، والحق يقال، أول شاعر إبداعي في تاريخ في الشعر السوداني. هذا الرجل الممتاز هو الشاعر السوداني الأصيل حمزة الملك طمبل". انتهى.
وقد قادت نظرة طمبل "السودانوية" المجذوب إلى الالتفات إلى المكون الأفريقي، الإثني والثقافي، في الذات السودانية. وكان أبناء جيله والأجيال السابقة عليهم، يغفلون هذا الجانب في ذواتهم، ويكتفون فقط بالتغني بالانتماء العربي مكوِّناً وحيداً. ويخطئ من يظن أن المجذوب وعى بهذه الحقيقة إثر عمله بجنوب السودان. والحقيقة أنه وعى بقيمة المكون الأفريقي قبل سفره للعمل بالجنوب، تجد ذلك مبثوثاً في أكثر من قصيدة، أبرزها قصيدة نظمها ببورسودان سنة 1953 كما هو مثبت بديوان (نار المجاذيب) وهي قصيدة (فجرٌ كذوب) التي كتبها بمناسبة إبرام اتفاقية تقرير مصير السودان، مشفقا على ما سوف يؤول إليه حال الجنوب عشية الاستقلال، وكأنه بشفافية الشاعر قد تنبأ بانفجار الأوضاع الذي قاد إلى التمرد الأول عام 1955. وبعد أن ينتقد الحكومة والأحزاب السودانية الطائفية بالقصيدة نقداً مراً يفاخر فيها بأصله الأفريقي قائلاً:
عندي من الزّنجِ أعراقٌ معاندةٌ
وإن تشدق في أشعاري العربُ
ويبدو أن نقد الحكومة والأحزاب الموقعة على الاتفاقية بالقصيدة أثارت غضب السلطات فصدر الأمر بنقل المجذوب من بورتسودان، بأقصى الشمال الشرقى، إلى مدينة واو بجنوب السودان. فانتقل المجذوب إلى هنالك مغاضبا ولم يذهب إلى الجنوب هرباً بمحض إرادته بحثا عن ملذات خاصة فشل في إشباعها في الشمال كما توهم البعض.
إن موقف المجذوب رد الاعتبار للمكون الأفريقي لم يكن موقفا هروبيا عارضا الغرض منه اشباع رغبات مكبوتة ونزوات عابرة لم تجد لها منفذا في محيطه العربي الإسلامي كما يزعم البعض. فقد عاش المجذوب حياته بكل الصدق مع النفس مما تجده معبراً عنه بدواوين شعره العديدة.
وقد أصاب المرحوم الدكتور عبد الله بولا حينما قال: "إن المجذوب انشغل بصدق لا مراء فيه بموضوع اعتبار المكون الزنجي بالذات في مسألة الهوية الثقافية السودانية بل هو أول من جرؤ من أبناء جيله من قبيل أولاد العرب على أن يدعو جهرة لأصول زنجية في جملة تكوينه". (انظر بولا، شجرة نسب القول).
الغابة والصحراء أو (الأفروعربية):
لم يكن المجذوب حالة استثنائية في الوعي بالمكون الأفريقي في الثقافة السودانية في تلك الفترة، فهذا الوعي كان حاضرا لدى رواد شعر الحداثة السودانيين الذين ظهروا بعده بمدة وجيزة: الفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن ومحمد عثمان كجراي وصلاح محمد إبراهيم وغيرهم.
فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بافريقيا وأمجادها فكتب (عاشق من إفريقيا) و(أغنيات إفريقيا) و(اذكريني يا إفريقيا) واختار صلاح أحمد ابراهيم (غابة الأبنوس) اسما لديوانه الأول الذي صدر سنة 1959.
وهكذا كانت الأرض ممهدة في الستينيات لبروز (الغابة والصحراء) أعمق الحركات الفكرية والأدبية تنظيراً وإبداعاً في التأسيس للوعي بالخصوصة السودانية إثنيا وثقافيا. وكان هناك عامل آخر، دولي وإقليمي، ساهم في بلورة هذا الوعي.
فقد شهدت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بروز حركات التحرر الوطني وتنامي الشعور القومي للبلدان التي كانت ترزح تحت الاحتلال والهيمنة الاستعمارية الأوربية. فعلى مستوى العالم العربي كانت هناك حركات القومية العربية بزعامة جمال عبد الناصر وأحزاب البعث العربي. وفي أفريقيا وأمريكا اللاتينية كانت هناك حركة الزنوجة بزعامة ايمى سيزار وليوبولد سينغور وغيرهم.
في هذه الظروف التاريخية والفكرية واجه ثلة من الشعراء (محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر) وهم طلاب بجامعة الخرطوم بين عامي 1962-1963 سؤال الهوية ففطنوا إلى أن السودان حالة خاصة كونه يجمع بين الانتمائين الأفريقي والعربي، فتفتق تفكيرهم عن توصيف شعري للتعبير عن هذه الحقيقة الوجودية فكانت (الغابة والصحراء).
ولم تقتصر نشأة الحركة بجامعة الخرطوم على هؤلاء الشعراء الثلاثة كما هو شائع في الكتابة عن تاريخ (الغابة والصحراء) فقد شاركهم في التأسيس مجموعة من الطلاب على رأسهم الدكتور يوسف عيدابي والشاعر على عبد القيوم والمعماري الفنان صابر أبو عمر والبروفسور طه أمير وغيرهم. (انظر: محمد المكي، التاريخ الشخصي للغابة والصحراء).
كما وجدت الحركة آنذاك تأييدا من لفيف من المفكرين والشعراء يذكر منهم محمد المكي في مذكراته: الشاعر عبد الله شابو، والشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى، وعلي عمر قاسم، والشاعر الغنائي عثمان خالد، والدكتور محمد ابراهيم أبو سليم، والدكتور خالد الكد وآخرين.
وهذا التأييد الذي قوبلت به الحركة أول أمرها من الأدباء والمفكرين شيء طبيعي لسبب بسيط هو أن القول بأن السودان، ثقافيا وإثنيا، بلد أفريقي عربي أو عربي أفريقي، أي آفروعربي، بداهة لا يتغالط فيها اثنان، وحقيقة وجودية مجسدة في صورة اللحم والدم تمشي على رجلين.
وهي كما يقول محمد المكي إبراهيم: "أمر ممعن في البساطة ولم يكن بحاجة لعبقرية أو تحليل متعمق" فليس للغابة والصحراء "أي فضل في خلق الثقافة السودانية فهي حقيقة وجودية بحكم أنها مجرد توصيف لما هو كائن في الثقافة وليس فرضاً لواقع جديد على تلك الثقافة". على حد تعبيره.
هذه البداهة كان قد عبر عنها الشاعر السوداني "النوبي" مرسي صالح سراج في أنشودة (يقظة شعب) التي تغنى بها "النوبي" محمد وردي حيث يقول:
حين خطّ المجد في الأرض دروباً
عزم ترهاقا وإيمان العروبة
عرباً نحن حملناها ونوبة
كما عبر عنها الشاعر الكبير اسماعيل حسن "الشايقي" في قصيدة (بلادي) التي تغنى بها عبد الرحمن بلاص وعثمان اليمني وغيرهم وذلك بقوله:
عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة
ديل أهلي.
وبرغم كل ذلك لا أعرف حركة فكرية وثقافية، نبيلة المقاصد، تعرضت للتشويه والتبخيس و التجني وسوء الفهم والتخريج، من أهل اليمين وأهل اليسار على السواء، كالذي تعرضت له جماعة الغابة والصحراء.
وفي تقديري أن سوء الفهم الغليظ هذا يعود إلى جملة من الأسباب أولها: غلط البعض في تفسير مدلول رمزية الغابة والصحراء. فقد ظنَّ البعض خطأ أن (الصحراء) ترمز إلى السودان الشمالي بينما (الغابة) ترمز إلى السودان الجنوبي بحيث يكون عندنا شمال عربي كامل العروبة وجنوب أفريقي كامل الأفريقانية. وهذا خطأ بيّن.
ف(الغابة والصحراء) ترمز مجتمعة في المقام الأول وقبل كل شيء إلى التزاوج العربي الأفريقي في شمال السودان. فهما، الغابة والصحراء، في الأصل توصيف للمكون الأفريقي التاريخي والمعاصر في السودان الشمالي قبل أن تكونا توصيفاً للسودان الجنوبي. ولذلك فإن انفصال الجنوب لا يغير شيئا في التوصيف الأفروعربي للشمال.
وكانت مملكة سنار كما هو معروف قد تأسست سنة 1504م بتحالف من العناصر الأفريقية والعربية وهو التحالف الذي شكل نواة التنوع الإثني والثقافي للسودان الشمالي المعروف الآن. وقد ظلت مملكة سنار أو سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء تحكم وتسيطر على معظم أجزاء السودان الشمالي حتى الغزو التركي للسودان في 1821.
يقول محمد عبد الحي في تفسير رمزية سنار في هوامش قصيدة (العودة إلى سنار):
(1) "سنار هي عاصمة السلطنة الزرقاء لثلاثة قرون حتى أوائل القرن التاسع عشر: لغة على اللسان وتاريخ ووطن وحضور ذو حدين: "ذلك يخطر في جلد الفهد وهذا يسطع في قمصان الماء".
(2) "في القصيدة ربما كانت سنار دفقة من كيان الفنان في شبابه حينما رغب كما رغب جيمس جويس قبله، في أن يشكل في مصهر روحه ضمير أمته الذي لم يخلق بعد".
هنا تتجاوز "سنار" دلالتها التاريخية والجغرافية المباشرة لتتحول لرمز إلى الذات والهوية والوطن. ويستعين الشاعر في الإشارة إلى التنوع والانصهار المعاصر بجملة من الرموز الثقافية والاثنية والجغرافية والشعائر الدينية مثل: الغابة والصحراء والنخلة والأبنوس والمصلى والإبريق والمسبحة وثور الدينكا المقدس وغيرها. ومن ذلك قوله في القصيدة:
"الليلةَ يستقلبني أهلي:/ أهدوني مسبحةً من أسنانِ الموتى/ أبريقاً جمجمة/ ومصلى من جلدِ الجاموسْ/ رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ".
ومنها قوله: "الليلةَ يستقلبني أهلي/: حراسَ المملكةِ الزرقاءْ/ هذا يخطر في جلد الفهد وهذا يسطع في قمصان الماء".
وشرح ذلك في الهوامش بقوله: "جلد الفهد، لباس قداسة عند الدينكا، وقمصان الماء، فيها إشارة إلى درعيات أبي العلاء المعري: على أمم إني رأيتك لابساً قميصاً، يحاكي الماء إن لم يساوه". انتهى.
ويقول بموضع آخر بالقصيدة: "وكَانَتْ الغَابَةُ والصَحْرَاءْ/ امْرَأةً عَارِيةً تَنَامْ /عَلى سَرِيرِ البَرْقِ فِي انْتِظَارِ / ثَورها الإلهيّ الذي يَزُورُ فِي الظّلَامْ".
فيشرح الثور الإلهي بقوله في الهوامش: "الثور الإلهي، هو الثور المقدس عند الدينكا". وهو يرمز به إلى البعد الروحي والديني.
والسبب الثاني فيما نرى، لسوء الفهم الذي قولت به رؤية (الغابة والصحراء) يعود إلى ظن البعض أن العودة إلى سنار هي دعوة إلى إحياء نموذج الدولة الدينية ونظام الحكم الذي كان مطبقا في مملكة سنار.
وهذا غير صحيح، وليس أبلغ في الرد على ذلك من الاتهامات المضادة التي كالها لهم الدكتور عبد الله علي إبراهيم في ورقته (الأفروعربية أو تحالف الهاربين) حيث وصف جماعة (الغابة والصحراء) وكل أصحاب النظرة الأفروعربية (السودانوية) بأنهم أصحاب أجندة معادة للعروبة والاسلام.
يقول: "لقد أرادت الآفروعربية باستردادها المكون الأفريقي في العربي المسلم، أن تدس خلال ذلك مشروعا خاصا في تفكيك محرمات الحضارة العربية الإسلامية التي سدت على يفاعتهم منافذ الإشباع".
ويقول: "لا تهدف الأفروعربية إلى تحجيم الانتماء العربي الصريح وحسب بل إجراء تحسين جذري للمكون العربي الإسلامي عن الذاتية السودانية.. فاستعادة التراث الأفريقي في نظر الآفروعربيين، ليست مجرد تصحيح لمعادلة مختلة وإنما المقصود منها هو تهريب أجندتهم الاجتماعية والفكرية إلى الثقافة العربية الإسلامية الغبشاء المتشددة بقصد حملها على التلطف والسماحة". انتهى. (انظر: عبد الله علي إبراهيم، السودان الثقافة والديمقراطية).
ومن أسباب سوء الفهم اعتقاد البعض أن (الغابة والصحراء) توقفت عند الإرث التاريخي لمملكة سنار واسقطت المكونات التاريخية الأخرى السابقة على سنار بالآف السنين. وهذا أيضاً غير صحيح. وذلك أن الغابة والصحراء لم تسقط تاريخ السودان القديم بل ترى أن سنار هي الوليد الشرعي لذلك التاريخ ولولاه لما كانت. وكما هو معروف إن دراسة أي ظاهرة تاريخية تبدأ من الامساك بها في اللحظة الحاضرة ثم تحليلها وردها إلى أصولها وجذورها البعيدة.
فسنار هي اللحظة الزمنية الحضارة التي تلاقت عندها حضارات السودان المعاصرة بحضاراته السابقة وامتزج فيها التنوع المعاصر بالتنوع التاريخي. لذلك فإن تمثل سنار والعودة إليها رمزياً هي بالضرورة تمثل وعودة إلى كوش وكرمة ونبتة ومروى وإلى دنقلا وإلى سوبا وكل الحضارات السودانية الأقدم. سنار (الرمز) هي الحاضر وإلغاؤها أو القفز فوقها هو إلغاء وقفز فوق الحاضر وهذا مستحيل واقعياً وتاريخياً وحياتياً.
في سعيه الدؤوب لتمثل ضمير أمته "في مصهر روحه" يقول محمد عبد الحي في قصيدة (العودة إلى سنار) متخذاً من السلطنة الزرقاء مرتكزاً للانطلاق نحو جذوره الضاربة في أعماق التاريخ البعيد:
فأحتمي – كالنطفة الأولى-
بالصور الأولى التي تضئ
في الذاكرة الأولى،
وفي سكون ذهنك النقي
تمثالاً من العاج،
وزهرةً،
وثعبانا مقدساً، وأبراجاً،
وأشكالاً من الرخام والفخارْ.
ويشرح قوله: "زهرة وثعباناً مقدساً" في هوامش القصيدة بالقول: "كانت الآلهة في بعض نقوش مروي القديمة، تُصوَّر منبثقة من زهرة الثالوث المقدسة، وهنالك نقوش كثيرة يظهر فيها الثعبان المقدس حارساً للموتى أو ملتفاً على الأضرحة أو طالعاً من تلك الزهرة. (انظر شيني، مروي: حضارة سودانية)". انتهى.
وفي ديوانه (السمندل يغني) توجد قصيدة بعنوان (مروي) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة, وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم (سنار) في إشارة إلى المملكة الزرقاء.
وتظهر براعة محمد عبد الحي منظّراً وباحثاً، فوق كونه شاعراً عظيما في إيجاده شخصية رمزية تمثل معادلا موضوعيا تلتقي عنده وتتحد المكونات المعاصرة بالأصول التاريخية القديمة للتنوع الثقافي والإثني للذات السودانية.
وهذه الشخصية هي (الشيخ إسماعيل صاحب الربابة) وهو أحد متصوفة مملكة سنار والوارد ذكره بكتاب (الطبقات) لمحمد النور ود ضيف الله. (1727-1810) وقد جاء بترجمته كما لخصها محمد عبد الحي:
"ولد للشيخ مكي الدقلاشي، أحد متصوفة سنار، ابن من امرأة سنقراوية اسمه إسماعيل وقد تكلم الصبي وما يزال في المهد، كبر الصبي وحفظ القرآن وتعلم الفقه والتوحيد وشرع في تدريس علوم الدين، كان شاعراً وله قصائد في مدح النبي وله رؤى تجلى فيها النبي وله كلام يتغزل فيه بمدح النساء من قبل تهجة مثل ليلى وسعدى في كلام المتقدمين، وكان إذا استبدت به حالة النشوة والجذب، يجمع الصبايا وكل عروس للرقص في فناء داره، ويجيء هو بربابته التي عرف بها يضرب عليها، كل ضربة لها نغمة يفيق بها المجنون، وتذهل منها العقول وتطرب لها الحيوانات والجمادات، وكانت الربابة إذا تركت في الشمس تحس باقتراب صاحبها منها، فترسل أنغامها دون أن يضرب عليها أحد، وقد يركب الشيخ فرسه المكسوة بالحرير، المزينة بالأجراس، ترقص به ويغني لها، وبالجملة هذا الرجل من الملاماتية، وقد قتله الشلك أثناء عبوره نهر النيل الأبيض مع بعض مريديه". انتهى.
وفي دراسة نشرها الدكتور محمد عبد الحي بالعدد الأول من مجلة (حروف)1990، التي كانت تصدر عن دار جامعة الخرطوم للنشر، وجاءت تحت عنوان )الشيخ إسماعيل صاحب الربابة: التاريخ والنموذج الأسطوري للشاعر). يخلص عبد الحي إلى أن سيرة ذلك الشيخ الصوفي "تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات الكوشية واليونانية والمسيحية".
فهو إضافة إلى كونه صوفياً وشاعراً، فإنه بحكم مولده يمثل تجسيداً للتعدد الاثني للجماعة، فوالده الشيخ مكي الدقلاشي من كبار متصوفة سنار وأمه من قبيلة السقارنج من جبال النوبة.
ويكتسب هذا الزواج العرقي بحسب محمد عبد الحي: "مغزىً ثقافياً ذا أهمية. فالثقافة تخلق في أساطيرها المعادلات التي تعبر عن جوهرها، وتكوينها وتحفظ التوازن بين عناصرها المختلفة والخروج بها من صراعاتها وتناقضاتها، وترتفع بهذه المعادلات الرمزية".
وعلى هذا النحو كان ميلاد الشيخ إسماعيل "معادلة رمزية تعبر عن زواج الثقافة العربية بالثقافة الإفريقية الذي أنتج الثقافة السودانية، هذه المعادلة الكبرى يمكن أن تحلل إلى معادلات أصغر منها تعبر كل منها عن جانب من جوانب ذلك الزواج الثقافي" على تعبيره.
لذلك يعمل عبد الحي على ايجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وسائر الثقافات والحضارات الكوشية القديمة من جهة وبالتراث اليوناني القديم من جهة أخرى. فالشيخ إسماعيل كما يراه عبد الحي: "أورفيوس أفريقي عربي تركزت في شخصيته صورة الشاعر في الثقافة السودانية التي ألفت تلك العناصر المتنافرة المتصارعة وصهرتها حتى التحمت أجزاؤها نموذجاً أعلى لها".
والمعروف أن أورفيوس هو ابن أبوللو إله الشمس والفن عند اليونان، وقد اشتهر بقيثارته (ربابته) التي أهداها إليه والده أبوللو وألهمه الشعر والعزف على قيثارته التي يسحر بها كل من سمعه ويروض بها الحيوانات الآبدة ويحرك بها الأشجار والحجارة الصماء.
وكان أورفيوس إلى جانب كونه شاعراً وموسيقياً ساحراً، كان شيخ ديانة (صوفية) وكان له مريدون، وقد قتله أعداؤه ومزقوا أوصاله وألقوا برأسه في نهر (هيبروس) فظل طافياً فوق الأمواج يغني للبحر العريض، أما ربابته أو قيثارته فارتقت برجاً بين أبراج النجوم".
وعن أثر الثقافة المسيحية السودانية في تشكيل أسطورة الشيخ إسماعيل، يرى محمد عبد الحي أن ذلك يظهر في تشابه سيرة الشيخ إسماعيل لكل من قصة النبي داوود في (سفر المزامير) بالكتاب المقدس وقصة تكلم السيد المسيح في المهد، كما يظهر في التشابه بين قصة قطع الشيخ مكي الدقلاشي (والد إسماعيل) البحر مشياً هو وتلاميذه، وبين قصة مشي عيسى المسيح عليه السلام على الماء كما ورد في الإنجيل.
هذا، وتعد سيرة الشيخ اسماعيل صاحب الربابة أحد أهم النُّظم الجمالية التي تنتظم أشعار محمد عبد الحي. وأول إشارة وردت عنه في شعر عبد الحي كانت بقصيدة (العودة إلى سنار) وذلك في قوله:
أسْمَعُ صَوتَ امْرَأةٍ
تَفْتَحُ بَابَ الجَبَلِ الصَّامِتِ
لتُولَد بين الحَرْحَرِ والأجْرَاسْ
شفة خَمْراً قيثَاراً
جَسَداً يَنْضجُ بين ذِرَاعَيّ شَيخٍ
يَعْرِفُ خَمْرَ اللهِ وخَمْرَ النَّاسْ.
كذلك ورد ذكر الشيخ اسماعيل في ديوان (حديقة الورد الأخيرة) حيث نجد قصيدة طويلة أخذت ما يقارب نصف مساحة الديوان، بعنوان (حياة وموت الشيخ إسماعيل) وتتألف هذه القصيدة الطويلة من عدة لوحات تتفاوت في طولها، منها قصيدة (الشيخ إسماعيل يشهد بدء الخليقة) وقصيدة أخرى بعنوان (الشيخ إسماعيل في منازل القمر).
مدرسة الخرطوم التشكيلية:
بالتزامن مع حركة (الغابة والصحراء) برزت في الستينيات من القرن العشرين (مدرسة الخرطوم) في الفن التشكيلي بزعامة الفنان ابراهيم الصلحي ومحمد أحمد شبرين. وقد هدفت هذه الحركة الفنية إلى التعبير عن الهوية الآفروعربية للسودان في الرسم من خلال توظيف الحرف العربي والزخرف الأفريقي في أعمالها الفنية.
تجمع الكتاب والفنانيين التقدميين (أبادماك):
تكوّن تجمع الكتّاب والفنانيين التقدميين في ديسمبر 1968 وأصدر بيانه في يناير 1969 وهو رابطة أدبية وفنية وليست حركة هدفها التنظير للهوية السودانية. ويفهم من البيان التأسيسي، الذي صاغه على ما يبدو، الدكتور عبد الله علي إبراهيم، أن التجمع ينطلق في نظرته للقومية السودانية من المشتركات المتعارف عليها تاريخياً للمكونات الثقافية والإثنية للسودان إذ لم يخض البيان في جدل حول الهوية أو يطرح أي رأي مخالف لما هو سائد عنها في ذلك الوقت.
بل أن البيان يتبنى التوصيف الأفروعربي للسودان صراحة حيث يقول: "بلادنا، هذه القنطرة بين حضارة أفريقيا وحضارة العرب، ما تزال ثقافة طلائع المتعلمين البرجوازيين والرجعيين تعجز أن تحل الكلمات فيها مكان الرصاصة". (انظر: عبد الله علي إبراهيم، الذكرى الخمسون لميلاد أبادماك، بيان أبادماك، سودانيل 2/1/2019).
أكثر من ذلك أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم في مقال آخر نشر في ذات السياق، يذكر أنهم كادوا أن يطلقوا على التجمع اسم (سنار) لولا أن الدكتور عبد الله جلاب قد اقترح في اللحظات الأخيرة اسم (أبادماك) وهو الإله الأسد في مملكة مروي السودانية القديمة.
جمال محمد أحمد:
الأستاذ جمال محمد أحمد، أحد المنارات التي أسست للوعي بخصوصية الثقافة السودانية. ولد بقرية سرة شرق بمنطقة وادي حلفا وتخرج من كلية غردون بالخرطوم سنة 1936 وعين فور تخرجه مدرساً بمعهد بخت الرضا للتربية والتعليم حيث شارك في وضع المناهج الدراسية التي أعدها المعهد للتعليم العام بالسودان، وفي ذات السنة تولى سكرتارية مؤتمر الخريجين للحركة الوطنية لمناهضة الاستعمار الانجليزي. ثم عين سنة 1949 مراقباً لشؤون الطلبة (عميد طلاب) بكلية الخرطوم الجامعية(جامعة الخرطوم).
التحق جمال بالسلك الدبلوماسي منذ فجر الاستقلال وكان من الأباء المؤسسين للدبلوماسية السودانية، وعمل سفيرا للسودان بأكثر من دولة ثم وزيراً للخارجية ورئيساً للمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون. كما اختير عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وظل به حتى وفاته. ترأس اتحاد الكتاب السودانيين عقب انتفاضة ابريل 1985 وظل يشغل المنصب حتى وفاته في 1986.
وأهم ما يميز جمال أنه كان صاحب رؤية متوازنة من الأصول والروافد شكلت الملامح الثقافية والإثنية للسودان. فتجده يكتب عن إفريقيا بمعرفة ومحبة حتى تخاله أحد مؤسسي حركة الزنوجة، ويكتب عن العرب بكل المعرفة والمحبة حتى تكاد تنسى ما قاله عن إفريقيا للتو، وهو موقف متوازن يكشف عن عمق التصالح الداخلي واتساع الرؤية لديه.
وفي ذلك يقول الطيب صالح عن جمال: "كان بين مثقفي الإنجليز كأنه واحد منهم، وبين مثقفي إفريقيا كأنه واحد منهم. وكان عاشقاً للعروبة، جمع جمال كل هذه الصفات التي تبدو متناقضة بلا أدنى جهد أو مشقة فقد كانت شخصيته خالية تماماً من التوتر والعنف".
سأله الصحفي المصري، مفيد فوزي: ما هو أسخف سؤال مر بك؟
فأجابه: "هذا السؤال السمج هل السودان عربي أم إفريقي؟ وكنت أقول لعل عبقرية السودان تكمن في محتوى السؤال".
وسخف السؤال، يكمن في أن سائله يذهل عن "عبقرية" المكان وخصوصيته، وذلك لكون السائل يفترض الإجابة بأحد الخيارين: إما هذا، وإما ذاك! ولا يترك مجالا للنظرة الديالكتيكية التي تجمع بين الخيارين.
وهذه الرؤية المتوازنة لواقع الثقافة السودانية الأفروعربي لدى جمال، لم تكن وليدة مواقف آيديلوجية أو شعارات شوفينية ولكنها ثمرة النظرة الواقعية الجدلية التي تستصحب المعطى الثقافي في الكل المركب بتعيناته المتشابكة.
وانطلاقاً من ذلك كان جمال يكتب في صمت العلماء في التعريف بهذا التشابك وربط الوجدان السوداني بالوجدان الإفريقي، كتب (مطالعات في الشؤون الإفريقية) عن الأدب الإفريقي الحديث في تعبيره عن تطلعات وأشواق الإفريقي وقد صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م.
وكتب (وجدان إفريقيا) وهو كتاب في الأدب الإفريقي والأديان في إفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الإفريقية المحلية. وكتب (في المسرحية الإفريقية) و(سالي فو حمو) وهو مجموعة نصوص مختارة في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الإفريقية، وكتب (عرب وأفارقة) في العلائق السياسية بين الدول العربية شمال الصحراء وبقية دول إفريقيا. وترجم عن بازل ديفيدسون (إفريقيا تحت أضواء جديدة) وغيرها من المؤلفات والترجمات.
وعندي، أن كتابات جمال محمد أحمد، تندرج تحت حقل دراسات ما بعد الاستعمار فهو من المؤسسين الأوائل في إفريقيا والعالم العربي لما عرف فيما بعد بخطاب ما بعد الاستعمار أو دراسات ما بعد الاستعمار "Post-Colonial Studies". وذلك قبل أن تظهر هذه المدرسة في الغرب بتأثير مباشر بكتابي إدوارد سعيد "الاستشراق" 1978، والآخر المكمّل له "الثقافة والإمبريالية" 1993.
وقد اتخذ جمال الأدب الإفريقي شعراً ورواية ومسرحاً، مدخلاً لنقد الخطاب الكولونيالي ولقراءة الاتجاهات الفكرية في إفريقيا السوداء لمرحلة ما بعد الاستعمار. يقول: "أسعى لأرى الوجدان الإفريقي عبر كتابات شبابه". فكتب عن شنوا اشيبي ونقوقي وكمارا لي وغيرهم، وهم لا يزالون في بداياتهم الأدبية وتنبأ بالمستقبل الأدبي العظيم الذي ينتظرهم وقد صدقت نبوءته.
وهذا هو ذات المنهج الذي استخدمه ادوارد سعيد في نقد الخطاب الكولونيالي بكتابه (الثقافة والامبريالية) 1993 حيث وظف سعيد في هذا الكتاب الرواية أساساً لنقده للنزعة الإمبريالية للثقافة الغربية.
وجمال محمد أحمد صاحب أسلوب أدبي فريد وساحر حتى أنه ترك بصمته في كثير من أساليب أصدقائه الكتّاب ومن بينهم علي المك والطيب صالح (وقد ذكر الأخير أكثر من مرة تأثره بجمال).
ويهمنا في هذا الحيز إبراز المنحى (السودانوي) في أسلوب جمال والمتمثل في توظيف اللهجة السودانية في لغة الكتابة. ولا ينطلق جمال في ذلك من مواقف آيديولوجية أو شوفينية، مسبقة، وإنما يدفعه إلى ذلك حسه اللغوي المرهف والرغبة في إثراء طرائق التعبير العربية الحديثة ورفدها بمفردات وعبارات جديدة من اللغة الحية التي تجري على ألسنة الناس متى كانت الأقدر على الإفصاح عن الفكرة ونقل الصورة.
الكلمة قبل الأخيرة:
هكذا علينا إذاً أن نقرأ تاريخ بلادنا الأدبي والثقافي والفكري في كليته وتكامله الديالكتيكي الصاعد المنفتح، وألا ننظر إليه كجزر معنزلة لا يربطها رابط، أو كنبتٍ منبت بلا أصل ولا جذور. وعلينا أن نتخلى عن عقلية: إثبات وجودي رهين باقصاء ومحو الآخر، فهذه نظرة عدمية، غير علمية وغير تاريخانية وغير واقعية، تدور بنا في حلقة مفرغة وتجعلنا نعيد اكتشاف العجلة أكثر من مرة.
الحلقة القادمة سوف نخصصها إن شاء الله للوقوف عند مساهمات كل من جون قرنق ومنصور خالد وفرنسيس دينق في قضايا الهوية السودانية.
المراجع والمصادر:
1- حمزة الملك طمبل، الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه، المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون، الخرطوم، الطبعة الثانية 1972 (الطبعة الأولى 1928).
2- خالد حسين عثمان الكِد، الأفندية ومفاهيم القومية في السودان، مركز عبد الكريم ميرغني، الطبعة الأولى2011
3- عبد المجيد عابدين، تاريخ الثقافة العربية في السودان، دار الثقافة، الطبعة الثانية 1967 (الطبعة الأولى1953)
4- د0 عبد الله بولا، شجرة نسب الغول، مجلة مسارات جديدة، العدد الأول أغسطس 1998 ص 45 – 76
5- عبد الله علي ابراهيم، السودان: الثقافة والديمقراطية ، دار الأمين، القاهرة، الطبعة الثانية 1999م
6- عبد المنعم عجب الفَيا، في الأدب السوداني الحديث، دار نينوى ، دمشق، الطبعة الأولى 2011
7- عبد المنعم عجب الفيا، أوراق في الثقافة السودانية، مدارات، الخرطوم، الطببعة الأولى 2018
8- عرفات محمد عبد الله، قل هذه سبيلي: مجموعة مقالات، إعداد: قاسم عثمان نور، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، الطبعة الأولى 2000
9- محمد إبراهيم الشوش، الشعر الحديث في السودان، جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1962
10- محمد أحمد محجوب، نحو الغد، دار البلد، الخرطوم 1999 (الطبعة الأولى 1939)
11- محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد، موت دنيا، دار جامعة الخرطوم للنشر، طبعة ثانية 1986 (الطبعة الأولى 1946)
12- محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات، تحقيق يوسف فضل، دار التأليف والترجمة والنشر، جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة 1992
13- د. محمد عبد الحي، الشيخ اسماعيل والنموذج الأسطوري للشاعر، مجلة حروف، العدد الأول، دار جامعة الخرطوم للنشر،1990
14- محمد المكي ابراهيم، التاريخ الشخصي للغابة والصحراء، جريدة السوداني، يونيو 2006
15- محمد عشري الصديق، آراء وخواطر، وزارة الإعلام السودانية، 1969
16- محمد محمد علي، محاولات في النقد، المجلس الأعلي للآداب والفنون ، الخرطوم 1958
17- معاوية محمد نور، دراسات في الأدب الحديث (من آثار معاوية)، جمع وتقديم، الطاهر محمد علي البشير، الدار السودانية، الطبعة الأولى 1970
18- معاوية محمد نور، الأعمال الأدبية، إعداد الرشيد عثمان خالد، دار الخرطوم للنشر، 1994
19- يوشيكو كوريتا، على عبد اللطيف، ترجمة مجدي النعيم، مركز الدراسات السودانية، القاهرة ، ص 28 – 29
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.