قراءة في إجازة مجلس الوزراء لميثاق روما    ما هي الجهة التي فوضت توم هجو ممثلاً لمسار الوسط؟    عضو بلجنة الترشيحات تعيين الولاة يتطلب اجراء تسويات بين الثورية وقحت    ارتفاع منسوب نهر النيل    الدولار يتراجع ل(449) جنيه للبيع بالموازي    خبير: على الدولة إيقاف تصدير المواد الخام بما في ذلك المواشي    صحيفة بريطانية تروي قصة طفل قيل إنه ركل ساق صدام حسين    ناهد قرناص تكتب: شباب ورياضة    عرض سينمائي لفيلم«هوتيل رواندا» غدا بمركز الخاتم عدلان    دعاء الزواج من شخص معين؟ أذكار وأدعية مجربة    مدير عام الصحة يوقف دخول العناية المكثفة بمراكز العزل    بلاغ ضد المحلية    الدفاع المدني ولاية الخرطوم يحتوي حريق بمتاجر بالسوق االشعبي    اتحاد الصرافات : انتعاش كبير في تحاويل المغتربين عبر القنوات الرسمية    وزير النفط : استهلاك الكهرباء تراجع ل 2500ميقاواط    لجأت للسحر من أجل الزواج قبل 50 عامًا ثم تبت.. ماذا أفعل؟    تفاصيل دوري السوبر الإفريقي.. القمة السودانية تصارع أندية أفروعربية في البطولة    تفاقم أزمة اضراب وحدة التمريض بمستشفى الذرة في ود مدني    وفاة الفنانة فتحية طنطاوي    النائب العام يوجه وكلاء النيابات بحماية الشهود    التفاصيل الكاملة لإرجاع السعودية باخرة ماشية    تفاصيل مثيرة في محاكمة متهم بتحرير شيكات مرتدة ب(26) تريليون جنيه    وزير الطاقة: قُطوعات الكهرباء مُستمرّة    يتسبب في مشكلات جسدية ونفسية.. نتائج سلبية للصراخ على الأطفال    المالية تلغي استثناء إعفاء مدخلات الإنتاج والسلع المستوردة من الضرائب    المريخ يتدرب بالقلعة الحمراء بإشراف غارزيتو    بأمر غارزيتو .. جمال سالم يبلغ الهلال برغبته في الرحيل    انتخابات الخرطوم الفساد بالكوووووم    عضوياااااااااااااااااه    لجنة الإنتخابات المنتخبة بنادي المريخ تجتمع وتنتخب رئيس اللجنة ونائبه والمقرر    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم الأربعاء الموافق 4 أغسطس 2021م    تربية الخرطوم: إعلان نتيجة الأساس غداً    بالصور: عشرة "أسلحة" طبيعية عليك تزويد جسمك بها!    أحكام بالسجن والغرامة في مواجهة شبكة تروج المخدرات    تطورات جديدة في محاكمة وزير المالية الأسبق في قضية مخالفات النقل النهري    النص القطعي .. لا يحتمل تعدد التفاسير    واشنطن: ندعم قيام قوات مُسلّحة مُوحّدة ومهنية في السودان    القبض على متهمين أثناء استعدادهما لتنفيذ سرقة (9) طويلة    اختار الزبون الخطأ.. تاجر مخدرات يعرض الكوكايين على شرطي في ثياب مدنية    رصد كورونا في "غزلان".. ومخاوف من سلالات "أكثر فتكا" تنتقل للإنسان    مصر توفر الرغيفة الواحدة بسعر 5 قروش في حين أن تكلفتها الفعلية 65 قرشا    ما هو حكم الذهاب للسحرة طلبا للعلاج؟    شاهد: صورة لشاب سوداني بصالة المغادرة بمطار الخرطوم تثير الجدل بالسوشيال ميديا ..شاهد ماذا كان يرتدي    ابتدر مبارك أردول رده علي سهير بالقول"صحفية أعتقد تدعى سحر" بطريقة استعلائية تؤكد أن الرجل يحتقر الصحافة    شاهد بالفيديو: ندى القلعة تكشف عن تهديدات لها من أسرة عريس بالخرطوم وتلغي حفل الزواج    في ذكرى غزو الكويت.. هل خدع صدام حسين مبارك؟    مصر:بعد تصريح السيسي عن الخبز.. وزير التموين يكشف الخطوة القادمة    تحديد موعد النطق بالحكم في قضية مقتل طلاب على يد قوات (الدعم السريع) بالأبيض    ودالحاج : كابلي وثق لأغنيات التراث    أغنية (الخدير) تثير ضجة في كندا.. والفحيل يشارك العرسان الرقص    وكيل الثقافة يلتقي مُلاك دور السينما ويعد بتذليل العقبات    البندول يقتحم تجربته في الحفلات العامة    هددوها بالقتل.. قصة حسناء دفعت ثمن إخفاق منتخب إنجلترا    "بيكسل 6".. بصمة جديدة ل "غوغل" في قطاع الهواتف الذكية    إنقاذ أكثر من 800 مهاجر في المتوسط خلال عطلة نهاية الأسبوع    "أمينة محمد".. قصة "إنقاذ" طفلة أميركية نشأت في ظل "داعش"    مصالحة الشيطان (2)    بداية العبور؟!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمريكا تلوم الصين على إنتشار كوفيد 19 والصين تنفي: أين الحقيقة؟ .. بقلم: بروفيسور بكري عثمان سعيد
نشر في سودانيل يوم 10 - 05 - 2021

بعد أكثر من عام على بداية جائحة كوفيد 19 لا زال الجدل مستعراَ حول أصل و مصدر الفيروس و حول تعامل الصين مع الجائحة في بدايتها. و هل كان من الممكن أن توقف الصين هذه الجائحة في مهدها و تجنّب العالم كل هذا الموت و الدمار الهائل؟. من المعلوم أن الصين قد جابهت هذا المرض بعزم و حزم و أطلقت عملية مكافحة لا مثيل لها في مجال الصحة العامة في العصر الحديث و كانت النتائج مذهلة في المقدرة على حماية السكان و تقليل نسبة الإصابات و الوفيات و حماية الإقتصاد. لكن ذلك لم يشفع للصين عند معارضيها الذين تتقدمهم الولايات المتحدة الأمريكية و تدعمها دول و دوائر غربية. يقولون إن الصين لو رمت بثقلها في حملة المكافحة منذ البداية لما انتشر الفيروس في بقية أرجاء العالم و فعل فيها ما فعل.
الحكومة الصينية ظلت على الدوام تنفي أنها قد تكتّمت على الوباء أو تقاعست في مكافحته منذ تبين لها أنه فيروس مستجد فتّاك. واتهمت الصين بدورها الولايات المتحدة بسوء الإدارة والفشل في التعامل مع الوباء على محمل الجد و أنها تبحث عن شمّاعة تعلّق عليها فشلها. لكن محاولة أمريكا و بعض الدول الأخرى لإلقاء كل اللوم على الصين لم تكن مقبولة حتّى في تلك الدول نفسها. فقد تم إرتكاب أخطاء كبيرة و واضحة في التعامل مع الوباء و أسهمت تلك الأخطاء بلا جدال في النتائج الكارثية و في فقدان عدد هائل من الأرواح و في الآثار الإقتصادية التي سوف تمتد آثارها السلبية إلى الأجيال القادمة.
في هذا المقال نتتبع مسار الجائحة والتسلسل الزمني لوقائعها منذ أن بدأت بؤرةَ من حالات إلتهاب رئوي مجهولة السبب حتى أصبحت أسوأ جائحة تضرب العالم منذ أكثر من مائة عام. نتتبع الأحداث و الوقائع المتعلقة بظهور مرض كوفيد 19 في الصين و تفاعل ألأجهزة الرسمية على المستويين المحلي و المركزى لنرى إن كانت تلك الوقائع تسند الإتهامات التي توجّهها أمريكا و حلفاؤها الغربيون للصين.
في بداية شهر ديسمبر بدأ الناس في ووهان يتساقطون بمرض يسببه فيروس غامض. في نهاية شهر ديسمبر مع تزايد الحالات بدأ عدد من الأطباء في تبادل معلومات في قروب جات خاص. دكتور لي ون ليانق، و هو طبيب عيون في ووهان، بدأ بمشاركة مجموعة من زملائه السابقين بالجامعة عبر وسائل التواصل الإجتماعيWechat و قال في رسائله إن حالات الإلتهاب الرئوي التي تشهدها المدينة سببها فيروس سارس كما ظن هو عندئذ. كتب دكتور لي قائلاَ: "هناك 7 حالات إصابة بفيروس سارس. الطريقة الرئيسية لإنتقال العدوى عن طريق القطرات التنفسية الصادرة من المريض من مسافة قصيرة أو الإحتكاك بإفرازات من الجهاز التنفسي للمريض. يتسبب ذلك في الإصابة بإلتهاب رئوي مُعدي و يصيب أعضاء عديدة في الجسم. هؤلاء المرضى معزولون في قسم الطوارئ في المستشفى. أرجو منكم جميعاَ أن تتحلوا بالحذر.هذا أمر مخيف. هل عاد سارس؟."
كان مجرد إحتمال عودة فيروس سارس كافياَ لإثارة الرعب في قلوب أولئك الأطباء. في عامي 2002 – 2003 تفشّى فيروس سارس و أصاب 8096 شخصاَ مات منهم 774 شخصاَ في 37 دولة، منهم نسبة مقدرة من الكوادر الصحية. يعنى ذلك أن نسبة الوفاة عند الإصابة بفيروس سارس تقارب 10%.
لم تسلم القيادة الصينية فى الماضى من النقد فى تعاملها مع تفشّى فيروس سارس، لذلك من الطبيعى أن يكون هناك حرص على عدم تكرار الأخطاء. و لكن هل إنعكس ذلك القلق لدى المسؤلين الصينيين على تعاملهم مع هذا الخطر الجديد في بداية الوباء؟. هذا هو السؤال الي يحاول هذا المقال أن يُجيب عليه.
تعرض دكتور ليانق و زملاؤه السبعة الآخرون للمساءلة من رجال الشرطة الذين طلبوا منهم التوقف عن نشر الشائعات، كما تعرض لمحاسبة من إدارة المستشفى التي يعمل بها. إضطر دكتور ليانق للتوقيع على تعهّد بالتوقّف عن نشر مثل تلك "الشائعات" كما وصفتها الشرطة.
في يوم 31 ديسمبر، قامت السلطات المحلية فى مدينة ووهان بنشر مذكرة داخلية مستعجلة للمستشفيات حول علاج إلتهاب رئوي مجهول السبب. و قالت المذكرة إن أعداداَ متزايده من الناس الذين زاروا سوق الحيوانات البرية فى ووهان يشكون من التهابات الجهاز التنفسى غير معروفة الأسباب، و طلبت المذكرة من المرافق الصحية التبليغ عن الحالات المشتبه فيها. و طلبت المذكرة من الوحدات و الأفراد عدم الإدلاء بأي تصريح يخص هذا الأمر. إذن كانت السلطات المحلية في ووهان على إلمام بالوضع و أهمية التحرّك لإحتواء المرض و لكنها قررت الشروع في إحتواء الوباء بدون الإعلان عنه وتعمّدت إخفاء الحقيقة عن الناس. هذا الموقف المتناقض قد يكون قد أعاق عملية تحريك الموارد للتعامل مع الوباء و منع إنتشاره.
في نفس يوم 31 ديسمبر أخطر مركز السيطرة على الأمراض الصيني منظمة الصحة العالمية عن حدوث حالات إلتهاب رئوي مجهولة السبب في مدينة ووهان الواقعة في مقاطعة هوبي.
لكن لماذا تكتّمت الساطات المحلية على هذا الأمر، و لو لفترة قصيرة ، و هل تمّ إخطار السلطات المركزية بالوباء في حينه؟
يبدو أن الإجابة تكمن في معرفة طبيعة النظام الصيني و العلاقة بين السلطات المحلية في المقاطعات و المدن و بين السلطة المركزية. السلطات المحلية حريصة على تجنيب المركز أي صداع ينتج عن أزمة صحية أو غيرها و الحفاظ على النظام العام و الإستقرار و إثبات كفاءتها في التعامل مع الأزمات. كما أن توقيت ظهور المرض كان سيئاَ للصينيين الذين كانوا يعدّون للإحتفال بالسنة الصينية الجديدة في يوم 25 يناير. قال العارفون بطبيعة النظام الصيني أنه من المؤكد أن السلطات المركزية كانت قد أٌخطرت بهذه التطورات.
إن بعض التأخّر في التعامل مع المرض مبرّر حيث أن أي مرض جديد يحتاج لبعض الوقت حتّى تتبيّن السلطات أنه مرض جديد و لكن بعض العلماء يقولون إنه قد تكون السلطات قد فقدت أسبوعين أو ثلاثة كانت مهمة في تتبع الفيروس و حصره و منع إنتشاره و لكن ضاعت الفرصة بسبب طريقة إنتقال و مراقبة المعلومات في الصين.
بعد حوالي شهر من الإشتباه بالإصابة لم يكن عدد الحالات كثيراَ في مدينة مزدحمة يسكنها أحد عشر مليون شخص. و قد يشرح ذلك بعض التراخي الظاهري في سلوك السلطات الصحية في مدينة ووهان.
في يوم 31 ديسمبر تم إخطار منظمة الصحة العالمية بواسطة المركز الصيني للسيطرة على الأمراض CDC عن حدوث حالات إلتهاب رئوي مجهول السبب.
منظمة الصحة العالمية أعلنت في ذلك الوقت أن هذه المرض ليس مُعدياَ بدرجة كبيرة. و لم تطلب منظمة الصحة العالمية حينئذ فرض ضوابط للسفر داخل الصين أو بين الصين وبقية العالم.
لاحظ الأطباء في ووهان أن عدداَ من المرضى الذين تم تنويمهم بهذا المرض زاروا سوق هونان الذي تُباع فيه الحيوانات الحية و المأكولات البحريّة. في سنة 2002 تفشّى فيروس سارس بانتقاله من الخفاش عبر حيوان وسيط. كان سوق الحيوانات البرية و المأكولات البحرية في ووهان سئ السمعة من ناحية الإزدحام و عدم الإلتزام بالقواعد الصحية و الإتّساخ.
فى الأول من يناير أغلقت السلطات المحلية سوق ووهان للحيوانات البرية. و لكن لم يبدو أن ذلك الإجراء قد أوقف إنتشار الفيروس. منذ الأول من يناير أطلقت السلطات الصحية فى الصين عملية التعرُّف على الكائن المسبب لهذا النوع من إلتهاب الجهاز التنفسى. فى يوم 3 يناير 2020 بدأت السلطات الصينية فى إرسال تقارير منتظمة لمنظمة الصحة العالمية عن الوضع. فى 4 يناير أطلع مركز السيطرة على الأمراض الصينى نظيره الأمريكى على تفاصيل المرض و إنتشاره.
في بداية شهر يناير كان الملايين من الناس يستعدون للسفر من و إلى ووهان للإحتفال بالسنة الصينية الجديدة مع أسرهم. كان هذا أسوأ توقيت لإنتشار الفيروس حيث يسافر مئات الملايين من الصينيين داخل الصين و خارجها في أضخم عملية هجرة سنوية تحدث في العالم.
في يوم 9 يناير مات رجل يبلغ الحادية و الستين و قد سبق له زيارة سوق الحيوانات البرية في ووهان و كان أول ضحية للفيروس. تم التكتم على موته لمدة يومين. حالة الوفاة الثانية حدثت بعد ستة أيام. فى 12 يناير نشر العلماء الصينيون التسلسسل الجيني للفيروس.
فى 18 يناير أٌقيم فى مدينة ووهان حفل عشاء شارك فيه أربعون ألف أسرة. لم يكن الحضور يعلمون أن الإعلام فى هونق كونق بدأ قبل أسبوعين من تاريخ حفل العشاء يقارن بين المرض الذى ظهر فى مدينة ووهان و بين مرض سارس الذى تفشّى من قبل فى عام 2002 - 2003 و أن هذا المرض الجديد قد يكون قابلاَ للإنتقال من شخص لآخر كما كان مرض سارس. لم تكن أجهزة الإعلام الصينية في ذلك الوقت تذكر أى شئ عن هذا المرض.
في يوم 19 يناير بلغ عدد حالات الإصابة بالفيروس 204 حالة و حدثت حالة وفاة ثالثة. بعض هذه الحالات سُجّلت خارج ووهان و كانت إحداها في بكين و تبيّن إذن أن الفيروس قد إنتشر في أرجاء الصين. ثم تم تشخيص حالة في كل من اليابان و تايلاند و لم يكن لأي منهما صلة بسوق الحيوانات البرية في مدينة ووهان.
فى يوم 19 يناير وصل إلى ووهان وفد صحى كبير يقوده أشهر علماء الوبائيات الصينيين قادماَ من بكين لدراسة تفشّى الفيروس. علم الفريق الزائر أن هناك حالات إنتقال مباشر بين الناس و أن هناك إصابات وسط الكادر الطبى. عاد الفريق إلى بكين فى نفس الليلة و تم إخطار مجلس الدولة بنتائج الزيارة يوم 20 يناير 2020. إذن كان من الواضح أن المسئولين في السلطات المحلية كانوا قد توصلوا إلى هذه المعلومات و كانوا على يقين منها. لكن يبقى السؤال: لماذا لم يتم إبلاغ الحكومة المركزية بهذه الحقائق الهامة بمجرد الحصول عليها؟ يبدو أن الإجابة تكمن في طبيعة النظام الصيني و طريقة إنتقال المعلومات بين طبقاته المختلفة.
فى 20 يناير بدأ مسح المسافرين فى المطارات.في ذلك اليوم تخلى الرئيس الصيني شي جينبينغ Xi Jinpingعن صمته و تم الإعلان عن أن الفيروس المستجد ينتقل من شخص لآخر. بعد حديث الرئيس إنساب طوفان إعلامى عن الفيروس فى وسائل الإعلام الصينية. هل تسبب تأخير الأعلان عن الفيروس لهذه الأيام فى تقليل فعالية مكافحته؟ الحكومة الصينية تعاملت فى الماضى مع تفشّى فيروس سارس بطريقة أسوأ و تكتّمت عليه حوالى ستة أشهر و تحركت بعد ذلك بضغوط من الإعلام لكن بعد كل هذه السنين و بعد أن تحولت الصين إلى إقتصاد السوق من المفترض أن تكون الحريات الإعلامية قد توسّعت و أن الناشطين و منظمات المجتمع المدني قد صاروا أكثر فعالية و إسهاماَ في الحياة العامة، و لكن يبدو أن الحريات الإعلامية قد تضاءلت و أن الناشطين و منظمات المجتمع المدنى صاروا أضعف فى مواجهة السلطات و لذلك لم يكن لهم دور في التنبيه أو دفع السلطات للتحرّك الفعّال في مكافحة الجائحة.
فى حديثه في يوم 20 يناير أصدر الرئيس شى جنبن شي جينبينغ تعليمات بمحاربة فيروس كورونا داعياَ لبذل أقصى الجهود لمحاصرة و مكافحة الفيروس و أعلن أن الأولوية القصوى هى سلامة و صحة الشعب الصينى. و قال إن نشر المعلومات فى وقتها عامل مهم فى جهود المكافحة كما أنه من المهم دعم التعاون الدولى لوقف إنتشار الفيروس. بعد حديث الرئيس الصيني في وسائل الإعلام أخذ الأمر منحىَ جديداَ و بدأت الجهود المنظّمة التي تجلّت فيها مقدرات الحكومة الصينية و التي أظهرت درجة الإنضباط العالية التي تحلّى بها الشعب الصيني. فى نفس اليوم أعلنت مفوضية الصحة الصينية أن فيروس كورونا يمكنه أن ينتقل بين البشر. أعلن مجلس الدولة فى إجتماع تنفيذى أن التهديد الذي يمثله فيروس كورونا مماثل للطاعون و الكوليرا مما يمهد لإطلاق عملية حجر صحي واسعة وفقاَ للقوانين السارية لمحاربة الأمراض المعدية. في نفس الليلة أعلن أشهر علماء الوبائيات من علي شاشة التلفزيون القومي أن الفيروس يمكنه الإنتقال بين البشر و دعا الناس قائلاَ: من كان في ووهان فلا يخرج منها و من لم يكن في ووهان فلا يدخل إليها. ناشد الرئيس الصيني بتحريك كل إمكانات الدولة لمواجهة هذه الخطر و في خمسة أيام فقط إستطاعت الصين تفعيل أعلي درجات إستجابة لنظام طوارئ الصحة العامة غطّي بليون و أربعمائة ألف شخص. في ووهان تم زيادة ألأسرّة المخصصة للكرونا من 800 إلي 2000 سرير و تم إفتتاح 61 عيادة للحمّى. حوّلت 12 مستشفي عنابرها لعلاج مرضى فيروس كورونا. و لكن لم يتوقع أحد هذا الطوفان من المرضى الذي أحدث زحاماَ و فوضى و أصبحت المستشفيات في خطر من نضوب اللباس الواقى للكوادر الطبية. و بدأ اليأس يدب في نفوس الكوادر الصحية بأن الأمر قد يخرج عن السيطرة و لن يكون بوسعهم مساعدة كل المرضى خاصة أولئك الذين إنخفضت عندهم نسبة الأُكسجين في الدم.
في 22 يناير أعترفت الحكومة بخطورة الوضع في مؤتمر صحفي في بكين. في يوم 23 يناير تم إغلاق مقاطهة هوبي وإيقاف كل وسائل المواصلات. كان هذا عملاّ غير مسبوق بأن تغلق الحكومة الصينية مقاطعة هوبي و سكانها مثل سكان إيطاليا. لم تقم حكومة بمثل هذا الإجراء من قبل على هذا المستوى. إستقبل الناس في الدول الغربية خبر إغلاق مقاطعة هوبي بكثير من الإستغراب و علق عليه أحد أساتذة الوبائيات في جامعة أريزونا بأنه أكبر إنتهاك لحقوق الإنسات الأساسية. لكن كان عدد كبير من الصينيين قد يصل إلى خمسة مليون شخص قد غادروا مقاطعة هوبي قبل الإغلاق و قطعاَ أسهم هؤلاء في نشر العدوى في بقية أرجاء الصين و خارج الصين. كان هذا الإغلاق أمراَ ضروريأ لا مناص عنه لمنع إنتشار الفيروس. أنتشرت شرطة المرور في المطار و محطات القطار الثلاثة و عشرات المخارج و أشاد قائد شرطة المدينة بتجاوب المواطنين الذين إستجابوا لأمر الإغلاق و خلت الطرقات من السيارات. قالت إحدى الممرضات:" عندما كنت عائدة إلى منزلي في ذلك اليوم أحسست أني في مدينة أشباح". في يوم 24 يناير نشر فريق من العلماء من هونق كونق ورقة علمية توضح أن المرض يمكنه الإنتقال من شخص حامل للفيروس بدون أعراض و نُشرت ورقة علمية في الصين تحمل هذا التقرير و لكن السلطات الصينية لم تنشر البيانات العلمية Scientific data التي إنبنت عليها هذه المعلومة الهامة. تسبّب ذلك في درجة من التردد عند العلماء الأمريكان الذين قالوا أنهم يحتاجون للإطلاع على تلك البيانات العلمية حتى يصدّقوا هذا الكلام. و قال دكتور أنتوني فاوتشي مدير معهد الحساسية و الأمراض المعدية في يوم 28 يناير : "في تاريخ الأمراض التنفسية لم يكن إنتقال العدوى من أشخاص ليست لديهم أعراض عاملاَ اساسياَ في حدوث جائحة". أثبتت الأيام أن فيروس كوفيد 19 مختلف عما سبقه في هذا الخصوص.
أول وصف إكلينيكي للمرض تم ّ نشره في يوم 24 ينياير 2020 . ابدي الباحثون قلقاَ واضحاَ و وصفوا المرض بأنه إلتهاب رئوي خطير قد يحتاج للإدخال إلى وحدة العناية المركّزة و أحياناَ يكون المرض قاتلاَ. أشار الباحثون للشبه بين هذا الفيروس المستجد و بين فيروسات سارس و ميرز و أكّد الباحثون على مقدرة الفيروس المستجد على إحداث جائحة. لا يبدو أن هذا البحث وجد إهتماماَ كبيراَ في كثير من دول العالم.
مدير منظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس زار الصين في يوم 28 يناير 2020 و قابل الرئيس الصيني. أقتنع دكتور تيدروس بخطورة الأمر و في يوم 30 يناير 2020 إجتمع مع لجنة الطوارئ للوائح الصحية Health Regulations (IHR) emergency committee
في نفس اليوم أعلن دكتور تيدروس حالة: طوارئ الصحة العامة ذات الإهتمام الدولي:
Public health Emergency of International Concern (PHEIC).
وفقاَ لمنظمة الصحة العالمية فإن "هذه الحالة تعني حالة خطيرة أو غير عادية أو غير متوقّعة و أن لها تداعيات على وضع الصحة العامّة أبعد من الحدود الوطنية للدولة المُتأثّرة و أنها قد تستدعي تدخلاَ دوليّاَ عاجلاَ".
كان هذا الإعلان هو أعلى درجات التحذير للعالم و قد كان كافياَ لدفع دول العالم للتحرُّك الفعّال.
في 31 يناير 2020 أثبت العالم المعروف دكتور ليونق و مجموعته البحثية من هونق كونق أن مرض كوفيد 19 يمكنه أن ينتقل من شخص لآخر و أن المرض ينتشر في عدة مدن صينية. و تنبأ بأنه إذا لم يحدث تدخُّل فإن المرض سوف يصبح جائحة عالمية. ذهب هؤلاء العلماء أبعد من ذلك و اقترحوا إجراءات مفصّلة لوقف إنتشار المرض و تحوُّله إلى جائحة .
كانت ووهان على وشك الإنهيار تحت وطأة الأعداد المتزايدة للمرضى فأسعفتها الحكومة المكزية بوصول 450 كادر طبي عسكري في مساء يوم 24 يناير كما تدفقت كوادر طبية على ووهان من مقاطعات صينية أخرى حتى بلغ عدد الكوادر الصحية التي وصلت ووهان 1400 شخص بنهاية يوم 25 يناير. تقول الإحصاءات الرسمية أنه في أوّل أسبوعين لإغلاق مدينة ووهان أُصيب أكثر من ألف من الكوادر الطبية. واصلت الكوادر الطبية عملها بشجاعة و لم تثنهم نسبة الإصابة المرتفعة عن مواصلة عملهم. في مقاطعة هوبي التي تتبع لها مدينة ووهان أُصيب حوالي 2000 من الكوادر الطبية في شهر يناير وحده. في 25 يناير أوّل أيام السنة القمرية الصينية ترأّس الرئيس الصينى إجتماعاَ للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني و قدّم الشكر نياية عن الأمّة الصينية للكوادر الصحية و العاملين في الخطوط الأمامية. و أعلن الإجتماع أن القضاء على الوباء أولوية قصوى للدولة. في يوم 27 يناير أعلنت الدولة أن كل من أٌصيب بالفيروس و كل مشتبه بالإصابة سيُعالجون بالمجان. في نفس يوم 27 كان رئيس وزراء الصين في ووهان حيث أعلن بأن كل من يصيبه الفيروس سيجد العلاج و أن 2500 كادر طبي إضافي سيصلون إلى ووهان في غضون يومين. بعده وصلت نائبة رئيس الوزراء إلى ووهان. أصبحت البلاد كلها فى حالة حرب على الفيروس. المصانع التي تنتج اللباس الواقي أصبحت تعمل بشدة في ورديات تتجاوز أحياناَ 12 ساعة لتوفير اللباس الواقي و الكمامات. مصانع كثيرة تشمل مصانع أدوات منزلية و سيارات و هواتف حولت خطوط الإنتاج لتبدأ في إنتاج المستهلكات الطبية. ثم كانت ملحمة بناء المستشفيات حيث تم بناء مستشفى يسع ألف سرير في 10 أيام ثم مستشفى آخر يسع 1600 سرير في 12 يوماَ. كانت تلك المستشفيات كاملة التجهيز و مستوفية لكل شروط مستشفيات ألأمراض المُعدية. في تلك الفترة ارتفع عدد الإصابات اليومي إلى 2000 . في الثاني من شهر فبراير بدأت الصين في تطبيق سياسة تضمن فحص كل المشتبه فيهم و عزلهم و إدخالهم المستشفيات و علاجهم بجانب بناء مستشفيات إضافية. حوّلت عدد من المستشفيات عنابرها لتعالج فيها الحالات الحرجة من مرضى الكورونا. تم إعلان التسلسل الجيني للفيروس في يوم 12 يناير و بعد 10 أيام تم تطوير فحص للكرونا يستغرق ساعتين يقوم على التعرّف على ثلاثة جينات للفيروس و يتسم بقدر كبير من الدقة. كان الضغط كبيراَ على المختبرات في ووهان مما أدّى إلى مدّ فترات العمل حتّى منتصف الليل أحياناَ. قال مدير أحد المختبرات:" كنت أرى العاملين يتصببون عرقاَ. لم نغب يوماَ واحداَ عن العمل منذ نهاية ديسمبر". في منتصف فبراير كان بوسع المختبرات في ووهان أن تجري 10000 عشرة آلاف فحص في اليوم. بنهاية شهر يناير كانت 31 مقاطعة في الصين قد طبقت أعلى درجات خطة طوارئ الصحة العامة. في بكين كادت الحركة تتوقف في محطات القطار و خضع كل مستخدمي القطار لفحص درجة الحرارة و تواصل التعقيم طوال اليوم. في اليوم الرابع من شهر فبراير بدأت مدينة ووهان في تجهيز مستشفيات مؤقّتة لعلاج المرضى ذوي الأعراض البسيطة. في أقل من 48 ساعة تم إنشاء ثلاثة مستشفيات مؤقّتة في استادات و مركز مؤتمرات. كان التوسّع في عدد الأسرّة ضرورياَ لعزل المرضى عن الأصحّاء. في العاشر من فبراير زار الرئيس الصيني مجمعأ سكنياَ و مستشفى و مركز السيطرة و الوقاية من الأمراض في بكين. أعلن الرئيس أن المجتمع هو خط الدفاع الأول ضد الفيروس و إذا كان هذا الخط فعالاَ سيمكننا إحتواء الفيروس بفعالية. ثم تحدث الرئيس مع الأطباء في ووهان عن طريق مكالمة فيديو قائلاَ: "لا بد لنا من خوض حرب المقاومة هذه. إنها حرب شاملة و هي حرب الشعب كله. و لا بد أن نثق في أننا سننتصر". قال الرئيس الصيني: "الناس أوّلاَ. الحياة أوّلاَ. لا بد أن نحفظ سلامة الناس و حياتهم بأي ثمن". في يوم 12 فبراير ترأس الرئيس إجتماعاَ آخر للمكتب السياسي و أصدر ثلاثة أوامر محددة رسمت بإختصار منهج الدولة في التعامل مع الوباء. أولاَ: السيطرة على الوباء و الوقاية منه قد بلغت مرحلة حرجة. ثانيأ: كل الإجراءات المبكرة يجب إتباعها و يشمل ذلك إكتشاف الحالات و التبليغ عنها و زيادة سعة المستشفيات لإدخال و علاج كل المرضى. كذلك لا بد من وقف إنتقال المرض في المجتمع. ثالثاَ: من المهم منع الشكليات و البيروقراطية من تعويق جهود مكافحة الوباء.
في ذلك اليوم تم إعتباركل من تم تشخيصهم إكلينيكياَ حالات مؤكدة و يعني ذلك أن غالبية حالات الإشتباه قد تم تسجيلها كحالات كوفيد 19 إيجابية. في ذلك اليوم بلغ عدد الحالات في ووهان 13000 شخص تم إدخالهم جميعاَ إلى مستشفيات و علاجهم. تٌرجمت كلمات القائد إلى أفعال فقد تم تصعيد المعركة ضد الوباء فانهالت الموارد على مدينة ووهان و مقاطعة هوبي. في أقل من شهر وصل إلى ووهان 35000 من الكوادر الطبية و 6000 إلى مدن أخري من مقاطعة هوبي. عشرة بالمائة من إختصاصي العناية المركّزة وصلوا إلى ووهان. كانت نسبة النساء في الكوادر التي وصلت ووهان سبعين بالمائة. شارك 4000 عنصر طبي عسكري في هذه الملحمة مدعومين بطائرات النقل العسكرية العملاقة. بنهاية شهر فبراير كانت جملة التبرعات من المستهلكات الطبية التي وصلت ووهان من مختلف أجزاء الصين تتجاوز إثنين بليون دولار. تبرعت ستون دولة و سبعة منظمات عالمية بكمامات و لباس واقي لمساعدة الصين لمكافحة هذا الوباء القاتل. بعد أسبوعين من إغلاق مدينة ووهان كانت أعداد الإصابات تتسارع حتى وصلت إلى 3000 حالة في اليوم. بنهاية شهر فبراير تم إفتتاح 16 مستشفى مؤقّت تحتوي على أكثر من 14000 سرير و يتعالج فيها أكثر من 12000 مريض. إستوعبت المستشفيات المؤقّتة اصحاب المرض الخفيف بينما إضطلعت المستشفيات العامة بعلاج الحالات الحرجة. في اليوم التالي لإجتماع المكتب السياسي تم تعيين قيادة جديدة في مدينة ووهان و مقاطعة هوبي و صدرت عقوبات تأديبية بحق عدد كبير من المسؤلين و الموظفين في ووهان. بعد أسبوع من إصدار الرئيس أوامره بشأن مكافحة المرض تم مسح سكان ووهان بحثاَ عن حالات إصابة. في غضون ثلاثة أيام قام 580000 كادر مجتمعي بالطواف بيتاَ بيتاَ بحثاَ عن حالات كوفيد. تم إستخدام الحواجز لعزل أحياء كاملة بينما قام العاملون في حملة المسح بمساعدة المواطنين على شراء الطعام و الدواء. تطوع الكثيرون للمساعدة و العمل لساعات طويلة من غير أجر. تم إستخدام بلازما المرضى مبكراَ و بعض أدوية الفيروسات و الطب الصيني التقليدي في علاج المرضى.
كانت الوفيات مرتفعة في البداية و لكن بمرور الزمن إنخفضت نسبة الوفيات. في هذه الفترة أصاب الفيروس 2000 من الكوادر الصحية مات منهم 60 شخصاَ. في شهر مارس إنخفضت الإصابات إلى عدد قليل في ووهان و ظلت العديد من المناطق و المقاطعات تعلن خلوّها من الإصابات. في العاشر من شهر مارس وصل الرئيس الصيني إلى ووهان و خاطب الكوادر الطبية في إحدى المستشفيات قائلاَ: "إنكم تلبسون اللباس الواقي و الكمامات لذلك لا أستطيع أن أرى وجوهكم و لكن في قلبي أنتم أحب و أروع الناس، و بإسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني أعبّر عن أصدق المشاعر و الإهتمام و أقدم لكم أعلى درجات الإحترام". طاف الرئيس راجلاَ في المدينة و التقي بالمواطنين و عبر لهم عن إعجابه و تقديره لأهل مدينة ووهان. و قال لهم: "لقد كنتم حائط حماية لنا من الفيروس و لعبت مجتمعاتكم دوراَ كبيراَ في ذلك و أعبر لكم بإسم اللجنة المركزية عن تقدير صادر من القلب لما قمتم به". بنهاية شهر مايو كان الإحصاء الرسمي للذين أصابهم الفيروس 83000، تعافى منهم 94.3% و بلغت نسبة الوفيات 5.6%. بحلول شهر مارس أصبحت الصين تنتج مليون و سبعمائة ألف فحص كوفيد 19 يومياَ. تبرعت الصين بفحوصات و مستهلكات طبية ل 150 قطر و منظمات دولية رداَ للجميل. كما انتشرت فرق طبية في دول مختلفة تلبية لنداءات لتقديم خبراتهم في مكافحة الفيروس. في 16 مارس بدأت أول إختبارات سريرية للقاح في مدينة ووهان. بحلول شهر يونيو كانت أربعة لقاحات قد نالت التصديق لتدخل مرحلة الإختبارات الإكلينيكية.
في 18 مارس لم تسجل حالة إصابة جديدة في ووهان لأول مرة. عدد الوفيات حتى 31 مايو 4634. تم رفع الإغلاق عن ووهان يوم 8 أبريل بعد 76 يوماَ و عادت الحياة للشوارع و عاد النشاط التجاري.
لقد تابعنا ما فعلته الحكومة الصينية بتفصيل لأنها تجربة فريدة و جديرة بأن يدرسها العالم و أن يتعلم منها،
لكن ما فعلته الصين لمكافحة الفيروس تعرّض لإنتقاد من كثير من الدوائر الغربية التي وصفت إجراءات الحكومة الصينية بأنها كانت شديدة القسوة و أنها مثّلت إنتهاكاَ لحقوق الناس في الصين.
شكّكت الحكومة الأمريكية في الرواية الصينية و اتهمت الصين بالتكتّم على الوباء و التأخّر في الإعلان عنه و قالت المصادر الأمريكية أن الحكومة الصينية كانت تعلم بالوباء قبل التاريخ المعلن. و ذكرت وسائل إعلامية أن بعض هذه الإتهامات بُنيت علي تسريبات خرجت من المركز القومي للإستخبارات الطبية الذي يتبع للبنتاجون و الذي يعتمد على صور الأقمار الصناعية و إعتراضات الكمبيوتر لمراقبة ظهور طوارئ فيروسية تهدّد الإمن القومي. تحدثت تقارير عن نشؤ حالة طوارئ صحة عامة في ووهان في شهر أكتوبر. الحكومة الصينية أكدت دوماَ أنها كانت على الدوام تقول الحقيقية في ما يخص ظهور الفيروس. و لكن الجدل بين القوتين العظميين إستمر في التصاعد. قال وزير الخارجية الأمريكية أنه يعتقد أن الصين قد أضاعت شهراَ كاملاَ قبل الإعلان عن الوباء. حديثاَ صرّح المدير السابق لمركز السيطرة على الأمراض و الوقاية منها CDC الدكتور روبرت ريدفيلد أنه يعتقد أن السلطات في الصين علمت بالوباء في شهر أكتوبر أو حتّى شهر سبتمبر. لم يقدم دكتور ريدفيلد دليلاَ قاطعأ على ما يقول و لكنه قال: "لقد أنفقت كل عمري على دراسة الفيروسات. لا يمكن أن يكون هذا الفيروس قد إنتقل من الخفاش إلى الإنسان و يصبح في الحال أكثر فيروس مُعدي وأسرع الفيروسات إنتشاراَ بين الناس في تاريخ الإنسانية. دائماَ يحتاج الفيروس لزمن بعد إنتقاله إلى الإنسان حتى يكتسب المقدرة على الإنتقال من شخص لآخر". لذلك يقول إن هذا الفيروس قد تطوَر و اكتسب هذه الخواص في مختبر و أنه قد تسرّب من المختبر.
يعتقد العلماء الأمريكان أنه لو تيسّر لهم زيارة مدينة ووهان و اللقاء مع زملائهم الصينيين مبكّراَ لكان االتعامل مع الجائحة مختلفاّ جداَ و يلومون الصين على عدم السماح بمثل هذه الزيارات.
في شهر أبريل هربت متخصصة في علم الفيروسات إسمها دكتور لي منغ يانغ إلى الولايات المتحدة و كانت تعمل في مدرسة الصحة العامة في جامعة هونق كونق في المعمل المرجعي لهيئة الصحة العالمية للإنفلونزا و فيروسات كورونا. إدّعت أنها قد تمّ إبتعاثها إلى ووهان لدراسة ظاهرة الإلتهاب الرئوي في الفترة من نهاية ديسمبر حتى منتصف يناير.
. أصدرت دكتور يانغ منشورات و أوراق علمية و شاركت في مقابلات تلفزيونية زعمت فيها أنها علمت أن فيروس كوفيد 19 لم ينتقل من الحيوانات إلى الإنسان في سوق ووهان للحيوانات البريّة بل تم تصنيعه في المختبر و أن الفيروس يمكنه الإنتقال من شخص لآخر وأنها حاولت إبلاغ رؤسائها بالمخاطر في أواخر ديسمبر 2019 أو أوائل يناير 2020 و لكن تم قمع كل من بحثها وأبحاث الآخرين.
لكن دكتور يانغ تعرّضت لكثير من النقد و و تم إتهامها بأنها تقدّم معلومات متناقضة و غير دقيقة لا تدعم مزاعمها. توالت الإنتقادات على دكتور يانغ حتى فقدت رواياتها المصداقية تماماَ.
ظهر عدد من البرمج التوثيقية في الإعلام الغربي ينصب معظمها على إتهام الصين و فصّلت بعض هذه البرامج الجهد الكبير الذى بذله المسؤلون الصينيون من أجل إخفاء الحقيقة عن العالم الخارجى، و من ذلك منع العاملين فى القطاع الصحى من التحدّث مع أجهزة الإعلام بدون إذن مُسبق من السلطات. أحد الأطباء تجاوزهذا المنع و تحدث مع أحد البرامج قائلاَ إنه بدأ يشك فى إنتقال الفيروس من شخص لآخر منذ يوم 5-7 يناير 2020، و تحدث عن إنتشار الحمى و ازدحام أقسام الأمراض التنفسية مما جعله موقناَ بأن الأمر خطير و كبير. فى ذلك الوقت تحدث مندوب من الفريق الحكومى المكلف ببحث الأمر فى التلفزيون الحكومى قائلاَ إن المرض المتفشّى هو إلتهاب رئوى فيروسى. ورد في بعض أجهزة الإعلام الغربية أن رئيسة قسم الظوارئ في مستشفى ووهان المركزي دكتور آي فين أعلنت أنها و زملاؤها قد مُنعوا من تحذير العالم و أنها قد إختفت و مكانها غير معلوم.
كان للصين تجربة سيئة مع فيروس سارس حيث بدأ التفشّى فى نوفمبر 2002، و فى سنة 2003 أخذت الحالات فى الزيادة فى جنوب الصين. مرت شهور قبل أن تقر الحكومة الصينية بفداحة الموقف و تتخذ إجراءات حازمة لوقف إنتشار المرض. فى تلك الشهور إنتشر مرض سارس حول العالم و تسبب فى موت 774 شخص. سبّب إنتشار مرض سارس إضطرابَاَ كبيراَ فى السفر و التجارة فى الصين كما سبب حرجاَ كبيراَ للسلطات، فقد ساد الغضب خاصة فى جنوب الصين لأن الناس لم يعرفوا ما كان يحدث إلّا بعد زمن من بداية تفشّى المرض. أيضاَ لم تسلم الحكومة الصينية من النقد من بقية العالم و تم إنتقادها بعدم الشفافية فى تمليك العالم المعلومات فى حينها. بعد ذلك قررت الحكومة الصينية تحديث نظام التبليغ و الكشف عن الأمراض المُعدية فى الصين إحترازاَ من حدوث أى جائحة مماثلة. إذن لماذا عجز هذا النظام المتطوّر عن الإكتشاف المبكر لمرض كوفيد 19 و من ثمّ محاصرة المرض قى مراحله الأولى؟ لماذا لم تتعلم الصين من تجربة سارس؟ ليس من السهل تقديم إجابة محددة و لكن يبدو أن رغبة الحكومة الصينية فى الإستقرار و تجنب الهزّات كانت طاغية. كذلك كانت الرغبة فى عدم التشويش على إجتماعات حزبية فى بكين و فى ووهان كما كانت إحتفالات السنة الصينية الجديدة على الأبواب.
إذن تشير هذه الوقائع إلى تأخر الحكومة الصينية في الإعلان عن الوباء و التأخر عن الإعلان عن أن المرض ينتقل من شخص لآخر. أخطأت الصين كذلك حين سمحت لخمسة ملايين من سكان مقاطعة هوبي بالمغادرة قبل إغلاق المقاطعة. إن سرعة إنتشار فيروس كوفيد 19 تعني أن أي تأخير في التعامل مع الفيروس و لو كان لأيام قليلة قد يكون تأثيره مهماَ لإنتشار الفيروس. إفترض بعض منتقدي الصين أن إجراءات إحتواء المرض لو تم ّ فرضها مبكّراَ في الصين لما حدث الوباء أو يمكن أن يقتصر الوباء على الصين و مناطق تفشّي أخرى محدودة يمكن السيطرة عليها. تُظهر النمذجة الرياضية Mathematical modeling أن نوع التدابير التي اتخذتها الصين في نهاية المطاف في أواخر شهر يناير ، بما في ذلك القيود الشديدة على تحركات الناس ،كان من شأنها أن تقلل إلى حد كبير من حجم الوباء لو أنها تمّت في بداية شهر يناير. و لكن حتي لو كانت السلطات قد أعلنت مبكّراَ أن الفيروس مُعدي فذلك لا يعني أن الدولة الصينية كانت ستفرض نفس الأجراءات المشدّده في حينها في ضوء ما كان معروفاَ عن الفيروس في بداية شهر يناير. في ذلك الوقت لم يتأكّد أن الفيروس يمكنه الإنتقال من شخص لآخر و أنه ينتقل من أشخاص لا تبدو عليهم أعراض المرض.
كما أن السلطات الصحية في الدول الأُخرى لو تعلمت من تجربة الصين و أهتمّت بنصيحة منظّمة الصحة العالمية التي وضّحت خطورة الفيروس و ضرورة إتخاذ إجراءات الوقاية، و بدأت إجراءات مكافحة الفيروس مبكّراَ و استفادت من نشر الصين للتسلسل الجيني للفيروس لتصميم الفحوصات للتعرّف على الحالات في الدولة و فحص المسافرين ربما نكون قد تجنبنا الارتفاع الحاد في عدد الإصابات في نهاية المطاف. لكن كان الفيروس سينتشر في دول فقيرة أو أقل مقدرة على تفعيل مثل هذه الإجراءات. إذن كان السبيل الوحيد لإيقاف الإنتشار هو الإيقاف الكامل للسفر الجوي في بداية الجائحة و هو أمر لم يكن ممكناَ.
لقد ظلت الحكومة الصينية تعلن على الدوام أنها تعاملت مع المرض بجدية و بدون تأخير أو تكتم على المرض و لكن السلطات المركزية أجرت تعديلاَ على القيادات السياسية في مدينة ووهان و مقاطعة هوبي كما تم إخضاع عدد من المسؤولين لإجراءات تأديبية مما يدل على أن السلطات المركزية لم تكن راضية تماماَ عن أداء السلطات المحلية.
قامت الحكومة الصينية بمراجعة الوفيات بزيادة 50% و أضاف ذلك 1290 حالة وفاة في ووهان و رغماَ عن ذلك ظل بعض المهتمين في الدول الغربية يتهمون الصين بتزوير أرقام المصابين و يقولون إن الأرقام الحقيقية أكثر بكثير مما تنشره الحكومة الصينية.
و لكن بالمقابل أطلقت الساطات الصينية حملة لمكافحة الفيروس لا مثيل لها و نجحت الصين في كبح جماح الفيروس في زمن قصير. بالمقابل ظلت أمريكا و أوروبا في حالة عجز و تخبُط كلفت أرواح مئات الآلاف من الناس. يبدو أن الغيرة الأيدولوجية قد منعت أمريكا و دول غرب أوروبا من تثمين هذا الجهد الصيني الذي أنجز هذا النجاح العظيم الذي أثبت مقدرة القيادة الصينية على سرعة إتخاذ القرار و إطلاق عملية ناجعة لحماية بليون و أربعمائة ألف مواطن صيني. كما أظهرت العملية التناغم بين القيادة و المواطنين الذين تحلوا بالإنضباط و الإستعداد لتقديم التضحيات من أجل بلادهم و مواطنيهم.
وصف بعض السياسيين الغربيين الإجراءات التي قامت بها الصين لمكافحة الوباء بأنها إجراءات شديدة القسوة و أنها غير قابلة للتطبيق في الدول الديمقراطية. و قد يكون في ذلك شئ من الصحة و لكن تلك الإجراءات كانت عملاَ إستثائياَ في مواجهة مرض مدمّر كما أن مثل ذلك التبرير لا يعفي الدول الغربية من الأخطاء العديدة التي تسبَبت في فقدان مئات الآلاف من الناس. هذه الأخطاء كانت أكثر كارثية من أي تأخير أو تكتم مارسته الحكومة الصينية.
تأخّرت عدد من الدول، منها الولايات المتحدة و بريطانيا، في فرض إجراءات الفحص و التباعد و الإحتواء بالرغم من أنها كانت تعرف عن الفيروس أكثر مما علمته الصين في بداية الجائحة.
دكتور ديبرا نكس، منسق فريق العمل لمكافحة الفيروس في البيت الأبيض، لخّصت الموضوع بأن إدارة الرئيس ترمب غلّبت دواعي السياسة و الإقتصاد و المحافظة على أسلوب الحياة الأمريكية على ما يمكن أن تحدثه الجائحة من مرض و موت. و هو أمر فظيع في ضوء الموت و الدمار الذي خلّفه مرض كوفيد 19. كما أن الأمر مع كوفيد 19 لا يقتصر على من مات أو من نجا فهو مرض جديد و لم يكن أحد يعرف ما هي الآثار طويلة المدى للإصابة بهذا المرض.
في بريطانيا تعرّضت حكومة بوريس جونسون لإنتقادات واسعة في تعاملها مع الجائحة و لازالت الأصوات العديدة تطالب بتكوين لجنة تحقيق عامة لكشف مواطن القصور و التحقيق في الإتهامات التي تطال حكومة المحافظين بالتراخي في التعامل مع الجائحة.
تدل الوقائع أن الدول الغربية مثل الولايات المتحدة و بريطانيا هي صاحبة المسئولية الأولي في فشلها في التعامل الفعّال مع الجائحة و إن الدراسة التي تتصف بالعلمية و العمق و الشفافية هي الطريق الوحيد لإستلهام الدروس و العبر. جائحة كوفيد 19 لم تكن أوّل جائحة تصيب العالم و لن تكون الأخيرة و مثل هذه الدراسات تجعل الامم أقدر على مكافحة الجائحة القادمة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.