شاهد بالفيديو.. عروس سودانية تشكو: (في صبحية زواجي ضبطت زوجي مع صديقة عمري داخل غرفتها بأحد الفنادق)    السودان.. انخفاض معدل التضخم    شاهد بالفيديو.. الصحفية داليا الياس توضح الحقائق الكاملة حول أمر القبض الصادر ضدها: (نعم أخطأت ويسعدني جداً ما وصل إليه القانون في بلدنا)    شاهد بالصورة.. نيابة أمن الدولة تصدر أمر قبض في مواجهة الشاعرة والصحفية داليا الياس.. تعرف على التفاصيل!!    رئيس وزراء السودان يكتب للجزيرة: هذا مسار الخروج من أتون الحرب    شاهد بالصورة والفيديو.. "مُسن" سوداني في الثمانين من عمره يفاجئ المتابعين ويتأهب لإكمال مراسم زواجه بقعدة "حنة"    الفراغ من عمليات تصحيح اوراق امتحانات الشهادة المتوسطة بمركز كنترول محلية الخرطوم    شاهد بالصور.. المذيعة السودانية الحسناء جدية عثمان تقارن بين الماضي والحاضر بإطلالتين مختلفتين    Gemini يدخل مرحلة جديدة: جوجل تعزز الذكاء الشخصي وتربطه بحسابات المستخدم    دليلك الشامل لتحديثات يوتيوب الجديدة: من ال GIF إلى البث العمودى    منتخب الناشئين يواجه جينيس وديا اليوم استعدادا لأمم أفريقيا    الأهلى ينفى دخول وساطات لإنهاء الأزمة مع الجبلاية    الواثق البرير يطرح رؤية لعقد اجتماعي جديد في السودان للخروج من الأزمة    افتتاح مصنع الجوازات والوثائق الثبوتية بمدني    كل ما تحتاج معرفته عن GPT 5.4 سايبر المتخصص فى الدفاع السيبرانى    أصالة تحيي حفلاً غنائيًا في باريس.. 25 أبريل الجارى    ياسر جلال يحتفل بعيد ميلاده ال57.. مسيرة فنية وسياسية    أنوشكا : نجاح الفن فى لمس قلوب الناس وإحداث تغيير إيجابى لدى الجمهور    بينها الجبن.. 4 أطعمة يمكنها تبييض أسنانك بشكل طبيعى    نتائج مبشرة لدواء روسى جديد لعلاج سرطان الدم.. اعرف التفاصيل    الأهلي يكسب الامل بهدفي والي الدين و سواريز    الشعلة تعبر النيل والنصر الشرفة يتخطى العزيبة    الجاكومي يكشف تفاصيل"الفيديو المثير"    د.ابراهيم الصديق على يكتب: خلافات حميدتي وطاحونة: وقائع مكالمة مسربة..    رباعي المريخ يخضع لبرنامج تأهيل بالقاهرة    التهاب الشعب الهوائية.. كيف يبدأ ومتى يتحول لمشكلة مزمنة؟    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    فيفا يُخطر المنتخبات بمواعيد قوائم كأس العالم 2026    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    والي الخرطوم يوجه بالتوسع في توفير غاز الطبخ عبر الوكلاء المعتمدين    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    خطر عظيم يهدد يامال أمام أتلتيكو مدريد    رئيس شُعبة مصدري الذهب: أنقذوا صادر الذهب واستيراد المحروقات من أيادي العبث وعديمي الضمير    تفاصيل جديدة بشأن انقطاع التيّار الكهربائي عن الولاية الشمالية    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    إحصائيات صادمة تؤكد ضياع كيليان مبابي في الوقت الحاسم    رئيس الوزراء يدشن حصاد القمح بمشروع الجزيرة    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا أبو الضيف جبتو كيف !! ... بقلم: الفاضل عباس محمد علي- أبو ظبي
نشر في سودانيل يوم 11 - 06 - 2010

لا أعتقد إن هذا المثل مناسب تماماً لما سأقول ، ولكنه لسبب ما قفز إلى ذهني عندما قرأت (المحن ) الأخيرة للعلاّمة شوقي بدري التي يتحدث فيها عن أستاذنا الحبيب هاشم ضيف اللّه ، وبقدر ما سعدت بوفاء هذا المؤرخ الأمدرماني الباذخ وبحرصه الذي لا يفتر على إعطاء كل ذي حق حقه ، بقدر ما عجبت كيف أن أحداً من أبناء الدفعة الأولى لمدني الثانوية لم يبادر بشيء كهذا ، وعجبت كيف أني علي سبيل المثال أبيّض الصحائف هنا وهناك منذ ربع قرن ولم أكتب عن أبي الضيف على الرغم من تأثّرنا به في كل شيء :حب الوطن وكرة القدم والانضباط وعلم الجغرافيا واللّغة الإنجليزية، وعلى الرغم من تتلمذنا على هذا الطود التربوي النادر لأربع سنوات كناظر لمدني الثانوية وعجبت كيف أن السياسة السودانية المهترئة والسيزيفية (ساقية جحا) التي ظلت تدور بنا في حلقة مفرغة منذ خمسة عقود ، ما برحت تشغلنا عن التوثيق لعمالقة مثل أبي الضيف ، وفي التوثيق تثبيت للقدوة الحسنة في أذهان الناشئة وتذكير بمبادئ التعليم الممتاز الذي أرسى دعائمه هاشم ضيف اللّه مع نخبة من المعلمين الأوائل بدءاً بعبد الرحمن علي طه وأخيه عبد الحليم وصهرهما التجاني علي والقدال سعيد القدال-الذي انتدبته وزارة المعارف لحضرموت فدرّس فيها وصار مفتشاً للتعليم ثم وزيراً للتربية ثم رئيساً للوزراء- وجمال محمد أحمد وعبد الله الطيب وأحمد الطيب ومحمد الحسن عبد الله ودهب عبد الجابر وأحمد محمد سعد وأحمد نمر ومحمد التوم التجاني ومكاوي خوجلي وسعد أمير وعبادي ومحمد وأحمد محجوب سليمان شورة ومصطفى أبو شرف وآخرون كثيرون ...ذلك التعليم الذي انتاشته السهام من كل صوب وحدب كما ذكر شوقي بدري ، خاصة السهام المصرية الفتّاكة التي أودت به تماماً في نهاية الأمر على يد محي الدين صابر ورهطه المدسوسين من المخابرات المصرية ، فأصبحت مخرجاته اليوم أجيالاً من أنصاف المتعلمين الوالغين في الأفكار المتطرفة والمشبّعين بحب الذات والتهافت خلف عرض الدنيا بلا طائل ،مع ضمور في الحس الوطني وكثير من الجلافة والجهل باللّغة الإنجليزية والعربية نفسها ... أجيالاً عصفت بمكانتنا بين الدول وهبطت بقيمة الإنسان السوداني وأخرجتنا من المنافسة من اجل الوظائف الإقليمية والدولية وجعلتنا هدفاً للتقريع والسخرية، خاصة فيما يتعلق بفرية الكسل التي أشاعها أشقاؤنا المصريين بمثابة ضغث على إبالة.
ولقد ركز الأخ شوقي على بدايات الأستاذ هاشم بأم درمان حيث كان من مؤسسي نادي الهلال ،ولكن بما أنه كان حقيقة من خريجي كلية غردون المتميّزين فقد انخرط في مهنة التدريس التي سرعان ما أوفدته إلى لندن ثم ليدز ببريطانيا للدراسات التخصصية، وهناك انضم هاشم لفريق ليدز يونايتد لموسم أو موسمين ، وربما كان الأفريقي الوحيد آنذاك بكرة القدم البريطانية؛ وعاد من بعد ذلك لحنتوب حيث درّس مادة الجغرافيا (وقبل ذلك كان يدرس الإنجليزية والفنون الجميلة) ولعب في نادي الاتحاد بود مدني لعدة سنوات، ثم انتقل لمدني الثانوية ناظراً منذ تأسيسها عام 1956 ومنذ أن كانت مجرد خرائط وملفات ،فساهم في بنائها طوبة طوبة وميداناً بعد ميدان، وكان يقيم يومه كله بالمدرسة يشرف على المقاولين والمتعهدين ويدرّس أي مادة يتخلف أستاذها عن الفصل (الصف) ويقوم بتدريب فريق كرة القدم منذ الرابعة عصراً ، ويتواجد بمكتبه أثناء المذاكرة المسائية (6-8م)، وبعد ذلك يمشي راجلاً حتى نادي الاتحاد يومياً ويعود بعد ساعتين تماماً، وكانت المدرسة في طرف ناء من المدينة وتفصلها (عقبة ) موحشة يرتادها قطّاع الطرق بانتظام ، ولقد تصدى أحدهم للأستاذ هاشم حاملاً عكازاً مضبّباً وتتدلى سكينه من أعلا ذراعه الأيسر، فأعطاه هاشم ساعته الرولكس وقال له (هذه الساعة قيمة ، فأرجو ألا تبيعها، بل أرجوك أن تأتي إلي مكتبي صباح الغد لأفديها بما أستطيع من مال)، وبالفعل جاءه الحرامي ومعه الساعة ورفض أن يأخذ فلوساً عليها، فعرض عليه أبو الضيف أن يعمل بالمدرسة وقبل، وأصبح مسؤولاً عن مخزن الأدوات الرياضية لسنين طويلة بمدني الثانوية ، وكان غاية في الاستقامة والدقة والانتظام في العمل.
وعلى مدى الأربع سنوات التي كان أبو الضيف ناظراً للمدرسة كان اليوم يبدأ باجتماع الصباح (الأسمبلي المشهور) وطوال تلك الفترة لم يكرّر أبو الضيف نفسه ولم يقص علينا قصة مرتين كما يفعل كثير من الثرثارين النرجسيين الذين داهمهم الخرف قبل أوانه، ولم يتطرق السأم إلي نفوسنا ونحن نستمع له ...إنما كان على الدوام نهراً متدفقاً ومتجدداً من المعرفة والبلاغة العربية والانجليزية والسخرية البرناردشوية القارصة والحكمة والنكات والنصائح التربوية التي تبقى معك العمر كله . والأسمبلي أداة تربوية رائعة، فهو تمرين يومي في الانضباط والهندام والالتزام بالمواعيد، فمن ذا الذي يجرؤ علي القدوم متأخراً، بعد أن يبدأ أبو الضيف حديثه؟ إذا حدث ذلك فإن أبو الضيف يتوقف حتي يأخذ الفتي مكانه، والمدرسة كلها تتابعه بنظرات كلسع السياط. والأسمبلي عبارة عن إذاعة داخلية صباحية للإعلانات الهامة، ولقاء أسري تواصلي، وقد تناقش فيه كبريات القضايا بحرية وشفافية مع الانضباط ومراعاة الوقت، وإذا رفع أي طالب أصبعه يعطي الفرصة ليدلي بدلوه، مثل ذلك الصديق الذي تحدث عن (العراريق) فيما أورد شوقي بدري، وهو في الحقيقة ترب الصبا وابن سنار البار عمر محمد يوسف، وقد رد أبو الضيف ساخراً بعض الشيء من صيغة الجمع (عراريق)، ولكن ود الحسين أستاذ العربية صحّح الناظر قائلاً إن الجمع صحيح، أما كونه يتحدث عن العراريق وليس القمصان فذلك شيء آخر؛ فكأنك في ديمقراطية أثينا القديمة حيث يجتمع كل سكان المدينة تحت سقف واحد يتشاورون في أمورهم ويتدربون علي مخاطبة الناس.
وكان من نتائج ذلك الوجود الهاشمي المكثف بكل الساحات الأكاديمية والرياضية والثقافية أن المدرسة كانت مركز إشعاع بهر وأطرب وأثري المدينة كلها، ولقد أبلت المدرسة بلاءاً مميّزاً في تلك السنوات وعادت بالكؤوس من كل المنافسات والمناسبات- مثل العيد الفضي لبخت الرضا عام 1958 علي ما أظن- وتفوقت في كرة القدم والسلة وألعاب الميدان والمضمار، وكان من حسن حظها أن أول دفعة من الفاشر الثانوية بدأت في كنفها واستمرت لأربع سنوات لأن المقام طاب للضيف والمضيف، فأبناء الغرب أهل بسطة في الجسم وسيقان تعودت (علي القفز من فوق الزرائب كما قال القبجي) وعلي الركض في الهواء الطلق بالبراري والسافانا الدارفورية، فعمّروا الحياة الرياضية والثقافية بالمدرسة وجلبوا لها الانتصارات في كافة الدورات، كما ألهبوا الحماس لفرق الداخليات بما لا يقل عن هلال/مريخ، وأضافوا الكثير للحركة المسرحية التي ثقفت ورفهت عن طلاب المدرسة وسكان المدينة، وفاضت عروضاً علي مدن أخرى مثل سنار التي شهدت أعمالاً واسكتشات غير عادية قدمتها مدني الثانوية بمسرح السينما وبمسرح شعبي أدهوك أقيم بحديقة الخزان لأهل سنار وضواحيها. فانظر يرعاك الله لهذا التواصل بين المدرسة والمجتمع! وحدثني عن تلك المواهب والعبقريات: أين ذهبت! هل شالها القاش؟
وعندما جاء يوم الحساب بعد أربع سنوات، كانت الدفعة الأولي هي الأولي كذلك بالنسبة للشهادة الثانوية، ووجد كل من فيها (باستثناء واحد أو اثنين) طريقهم للجامعات والمعاهد العليا داخل وخارج البلاد، بدءاً بجامعة الخرطوم، وأثبتت التجربة الهاشمية إن التفوق الرياضي والثقافي قيمة مضافة للتفوق الأكاديمي، تدعمه وترسخه وليست خصماً عليه، وهكذا تخرجت دفعة هاشم ضيف الله بما لا يقل تأهيلاً عن خريجي المدارس الإنجليزية العريقة مثل إيتون وهاروز. ولقد أخبرني الأمين عمر أحمد بزيارته لأبى الضيف في منزله بأم درمان بعد ذلك بأربعة عقود، وكيف أن أبو الضيف أخرج دفتراً قديماً به جميع أسماء الدفعة الأولي وأخذ يستعين بالأمين لتحديث المعلومات الخاصة ببعضهم، أي أنه ظل متابعاً لأخبار طلابه حتي الرمق الأخير. ولم نسمع عن ذلك الرهط الأول إلا كل ما يرفع الرأس ويبيّض الوجه (كما تقول أعراب هذه الأيام)، فليس فيهم من نهب مال الدولة أو أثري بمال السحت (باستثناء واحد أو اثنين)، وليس فيهم من تسلق علي أكتاف الآخرين بلا مؤهل يسنده، أو من شارك في تعذيب السودانيين أو استغل أي نوع من أنواع السلطة لمنفعة شخصية أو أسرية أو قبلية. فياله من جيل كذهب شيبون.
ولا أقول إن الفضل في ذلك يعود للمربي الفاضل أبو الضيف وحده، إنما لرفاقه الأماجد كذلك، مثل الأستاذ أحمد خالد وود الحسين وأحمد صفي الدين ومحي الدين والسيدابي وبديع صليب وحافظ عباس وبولس الصباغ والفونص سيدهم والمستر بيري والمستر روتشستر، الذين لعبوا دورا أساسياً في تمكين طلابهم علمياً وفكرياً ورياضياً، وفي صياغتهم كشخصيات متعددة الملكات ورفيعة الأخلاق وجمة التواضع وشديدة الإرتباط بالتراث والوطن، رغم أن جل الأساتذة من الأجانب. وكان أبو الضيف لأربع سنوات كاملات هو ربان السفينة الماهر المتجرد الذي يعلّم بالقلم كما يعلم بالنموذج وضرب المثل، بدءاً بذلك المظهر البسيط والمنضبط (رداء كاكي وقميص نص كم برباطة عنق وحذاء نظيف علي الدوام) ، إلي جلوسه مع الأساتذة حول طاولتهم بسفرة الطعام لتناول الوجبات مع طلاب الداخليات، وبذلك يقتسم معهم الملح والملاح؛ وبرغم هذا الحضور الدائم لأبي الضيف بين طلابه ظلت هناك مسافة بينهم تسكنها الرهبة والهيبة والإحترام، وكانت مدرسة أبي الضيف التربوية تعتمد علي الضبط والربط والحزم الشامل بدون الحاجة للعصا أو القهر أو الإضطهاد أو الفصل التعسفي أو الملاحقة والتجسس، وكان في نظام (أبو الفصل) وضابط ومشرف الداخلية (التيوتر) إمتداداً ورفداً للأب الحقيقي وتعويضاً عنه في غيابه، كأنك علي الدوام في كنف الأسرة الدافىء.
وبعد تلك الفترة الذهبية الزاهية بمدني عبر هاشم ضيف الله النهر لمعشقوته الأخري حنتوب، وبها أقام لعدة سنوات كانت قصة أخري متواصلة من النجاحات الأكاديمية والتفوق الرياضي والمساهمة الثقافية والفكرية، وحضوراً معطراً بنادي الإتحاد ونادي الجزيرة ودوائر كرة القدم.
وترقي أبو الضيف ونقل لرئاسة الوزارة مساعداً لوكيلها ثم نائباً له. وبعد التقاعد، عمل هاشم لعدة سنوات كرئيس للقسم الرياضي بجريدة الصحافة، ومديراً لمعهد الرياضة، وشارك في تدريب نادي الهلال والأهلي السوداني، وساهم بالعديد من الأحاديث الشيقة المذاعة من هنا امدرمان التي سكب فيها عصارة تجاربه العميقة في التعليم والرياضة، مع تركيز خاص علي سيرة كأس العالم. وظل أبو الضيف متفرغاً للتعليم ولكرة القدم والنقد الرياضي، ولم يغادر بلاده إلا للدراسة في بريطانيا بأواخر الأربعينات، ولقد استنكف عن الإغتراب في الدول المنتجة للنفط ورفض الوظائف التي عرضها عليه اليونسكو والبنك الدولي وهي الجهات التي كان يتفاوض معها بإسم السودان لإستقطاب الدعم والتمويل لكافة المشاريع التربوية، وفضل أن يعيش في بيت عادي متواضع بأمدرمان، شامخ الأنف كسوداني أصيل يذكرك بالشيخ محمد البدوي والشيخ غريب الله والشيخ العبيد ود بدر فرح ود تكتوك وجده الشريف الخاتم وغيرهم من الدر الميامين. لقد فضل هاشم ضيف الله أن يعيش موفور الكرامة، سليم العرض، ومحتفظاً بماء وجهه حتي توفاه الله راضياً مرضياً ببقعة الإمام المهدي. ولا زلت أخجل من نفسي عندما أتذكر أننا خرجنا في مظاهرة تهتف: (يسقط الإنجليز السود!) والمقصود هو أبو الضيف لأنه رفض أن يصدق لنا بالموكب قائلاً إن ذلك غير مسموح به في أثناء الدوام الرسمي، ويمكننا أن نتظاهر يوم الجمعة، ولكننا أصررنا علي رأينا وخرجنا من الفصول، (وأحسب أن ذلك مستمد من روح العطالة والتسيب البدوي المتأصل، فالطبع يغلب التطبع!)
لا أعتقد إن أمثال أبي الضيف يجود بهم الزمان كل يوم، فرغم الهالة والحزم والكاريزما المحيطة به، ورغم أنه يرهب عنتر ونابليون، تجده خفيف الظل وصاحب نكتة وطرفة ، ويتناقل سخرياته ونوادره العربان والركبان. ففي أول تمرين للفريق الأول لكرة القدم (الذي كنت أحضره من خارج الميدان، إذ رغم كلفي بكرة القدم ما كان لي حظ في لعبها) قام سعيد رجب طويل القامة القادم من الرنك بركل الكرة بصورة عمودية نحو السحاب، فصفّر أبو الضيف منهياً التمرين وجاء إلي حيث نجلس خارج الميدان، ولما لحق به أفراد الفريق سألهم: (الكورة جات من السما؟) بتلك النخنخة المحببة والمميزة. وبينما يدفعك أبو الضيف للضحك حتي تستلقي علي قفاك يظل صارماً كأنه تمثال في متحف الشمع، وهو لا يضحك إلا لماماً ولدي الضرورة القصوي.
ألا رحم الله هاشم الشريف ضيف الله، فهو حقاً سليل شرفاء جهابذة، عطروا سماواتنا بنار التقابة التي وجد فيها أبناء شعبنا ملاذاً للعلم و دفئاً في الشتاءات الباردة و أوداً بلا امتنان ......... بالمناسبة، أين هي المدرسة الثانوية (أو الجامعة) هذه الأيام التي تطعمك ثلاث وجبات يومياً لمدة أربع سنوات، و تصرف لك الصابون و الظهرة كل خميس، و تزودك ببطانيتين و ملابس و أحذية الرياضة، و تمول رحلاتك لأمبارونة و أم سنط، وتصرف لك تصاريح السفر في الإجازات، والكتب والكراسات بالمجان، و يستوي في ذلك أبناء الموسورين و الكادحين؟
لقد كان في اختفاء أمثال هاشم من الساحة بداية العد التنازلي لانهيار التعليم، و ليس غريباً أن يعقب ذلك مباشرة انهيار السودان نفسه الذي يمر بأحلك ظروفه منذ السلطنة الزرقاء... فهذه الدولة الحيّة التي بدأ فيها التعليم الحديث منذ عام 1845 على يد عباس باشا و رفاعة رافع الطهطاوي.... تتأهب الآن لتنقسم إلى نصفين، و ربما عدة دويلات متحاربات، و نحن مكتوفي الأيدي كأن الأمر لا يعنينا؛ كيف لا نرد الجميل لبلد علّمنا خير تعليم من الابتدائية حتى البعثات المستطيلة ببريطانيا و أمريكا؟ كيف نلوذ بالصمت و بلادنا تتآكل اقتصادياً و اجتماعياً و أخلاقياً و جغرافياً، و تمضي في طريقها نحو الهاوية؟
على كل حال، موضوعنا هو أبو الضيف، فلنعد له، و ليتكرم أحدهم بفتح بوست نجد فيه مساهمات الدفعة، و ليتحرك محبو مدني و أبي الضيف: أبو بكر ميرغني عشرية وبدر الدين يوسف عامر و الأمين عمر أحمد و عوض عبد القادر وحاج أحمد عمر الشيخ والباشمهندس محمد يوسف و عدلي محمد حسن و عصام البوشي و أحمد المصطفى القبجي و الفاتح الجيلي ....... و غيرهم و غيرهم. و السلام.
fadil Abbas [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.