الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    الضحية يقول (لا تقتلني) والشهود يصرخون (انفه ينزف) (انزل من رقبته) .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وفي السماء رزقكم وما توعدون .. بقلم: نورالدين مدني    زيادة المرتبات: هو أقرب للتقوى .. بقلم: الدكتور الصاوي يوسف    الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين .. أسبابها ومآلاتها .. بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى/المحامى/ السودان    وزارة الصحة: تسجيل 200 اصابة جديدة و 11 حالة وفاة    التفكير بالمصير في صخب كورونا !! .. بقلم: هاشم عيل حامد    الشيخ محمد حسن ملح الأرض .. بقلم: عواطف عبداللطيف    عندما ينام الصمت في أحضان الثرثرة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التنقلات من كوبر عنبر غرفة وو...... بقلم: د. كمال الشريف    كورونا والتدين الرعوي .. بقلم: د. النور حمد    رساله حب .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    عيد الغريب عن وطنه وركوب بحر الضياع .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    لم نحضر للزيارة...لأنكم في البيت .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    بشرى سارة اكتشاف علاج لكورونا!! .. بقلم: فيصل الدابي    سكر حلفا الجديدة .. بقلم: عباس أبوريدة    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    أردوغان يتطفل على ليبيا .. بقلم: علاء الدين صالح، كاتب وصحفي ليبي    الإصلاح الاقتصاديو محن روشته صندوق الدولي .. بقلم: محمد بدوي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تاريخ كتابة تاريخ السودان الحديث: ماذا كُتِبْ ومَنْ كَتَبه؟ وما لم يُكْتبْ؟ .. بقلم: د.حسن عابدين
نشر في سودانيل يوم 23 - 02 - 2014


تاريخ كتابة تاريخ السودان الحديث
تقديم:
تتردد من حين لآخر ومنذ فجر الاستقلال الدعوة لإعادة كتابة تاريخ السودان الحديث والمعاصر بأقلام سودانية لتصحيح وتصويب ما كتبه المستعمرون الأروبيون والرحالة والمستشرقون والأكاديميون الاجانب.
روى عن الدكتاتور النازي أدولف هتلر أنه قال: " كلما سمعت كلمة "مثقف" تحسست مسدسي...!" وهذا كناية عن مقته واستهزائه بالمثقفين!
وإني لارتاب وأتوجس خيفة كلما نادى منادي بإعادة كتابة التاريخ خشية تزوير حقائق الماضي وطمس معالمه من اجل تضخيم الذات الوطنية واصطناع البطولة والأبطال. ولكن إنْ أُريد بالنداء اعادة قراءة وتفسير التاريخ- وليس اعادة تأليفه وكتابته- فهي دعوة حق يراد بها استجلاء الحقيقة وإعادة تفسيرها في ضوء فرضيات جديدة ووثائق جديدة وسياقات جديدة وهذا من اركان وأصول المنهج العلمي. فالتاريخ سجل للماضي والمؤرخ يسجل ما حدث ويفسره فلا يصنعه ولا يضيف اليه ما لم يحدث!
اخترت لهذه الخواطر والآراء حول كتابة تاريخ السودان اطاراً عاماً يتصل بالتاريخ الافريقي وما لحق به من نواقص وشوائب وتشويه لا تبرأ منها الكتابة التاريخية في السودان سيما وان تاريخ السودان جزء اصيل من تاريخ القارة بل فصل من فصوله من حيث علاقة المجتمعات الافريقية ببعضها البعض وعلاقة افريقيا بالعالم الخارجي. ولئنْ اتصلت بعض حقب تاريخ السودان اتصالاً حضارياً وثيقاً بمنابع الثقافة العربية الاسلامية فهو أثر انعقدت له اسباب الغلبة والسيادة في انحاء اخرى من القارة وبدرجات متفاوتة..
لقد بدأ الاهتمام بإعادة قراءة التاريخ الافريقي منذ السنوات الاولى التي اعقبت انتصار الحركات الوطنية في افريقيا وتصفية الاحتلال والوجود الاجنبي في دولها قبل اكثر من خمسين عاماً.
والدعوة لإعادة قراءة التاريخ كانت ومازالت جزءاً من دعوة سياسية وثقافية اشمل تهدف الى تحرير مجتمعات افريقيا الجديدة من رواسب الغزو الحضاري الاوربي وآثاره والتى طمست معالم التراث الوطني والثقافات الوطنية..
ووقع العبء الاكبر في اعادة القراءة على الجامعات الافريقية ومراكز البحث في العلوم الانسانية فضلاً عن الجهود الفردية للمؤرخين الوطنيين وغيرهم ولكني اشير هنا الى حملة اكثر تنظيماً واقرب الى اسباب النجاح والتي تتمثل في مشروع كتابة تاريخ افريقيا الذي دعت له ومولته وأشرفت عليه منظمة اليونسكو العالمية بمساعدة نخبة ممتازة من ابرز المؤرخين المختصين بأفريقيا. ولتاريخ السودان فصول في هذا السفر ولمؤرخيه سهم مقدر في كتابتها. ولموسوعة عنوانها تاريخ افريقيا العام GENERAL HISTORY OF AFRICA
3 أجيال من مؤرخي السودان وأفريقيا
الجيل الاول:
لقد تعرض التاريخ الأفريقي - قدره وشأنه شأن تاريخ الشعوب والمجتمعات التي أخضعت للسيطرة والحكم الاستعماري – الى الوان من التشويه بعضها تم نتيجة لتفسيرات خاطئة افتقرت الى الاسانيد والوقائع وإنْ كان بعض هذا التشويه متصلاً بمنهج كتابة التاريخ اكثر من اتصاله بنوايا المؤرخ ومقاصده..
واللون الآخر من التشويه قائم على تفسير التاريخ في ضوء نظريات وفرضيات عنصرية واجتماعية عن المجتمعات الافريقية وعن انسان افريقيا نفسه: تكوينه النفسي ومزاجه، معتقداته وسلوكه التي اعتبرها الرعيل الاول من المؤرخين والرحالة الاوربيين في مطلع القرن العشرين – مجافية لطبائع الانسان المتحضر ولصفاته وقيمه، ومجافية لأصول الحضارة وتقدم الحياة بل ولطبيعة البشر. ولئن وصفت افريقيا في كتابات هؤلاء – وفي مقدمتهم الرحالة وعلماء الاجتماع والانثربولوجيا الاوائل – بأنها القارة المظلمة فلم يكن هذا الوصف يعبر عن جهل الاوربيين بالقارة وشعوبها بقدر ما كان تعبيراً عن ظلام حضاري مزعوم انعدم بسببه أي دور او اسهام يذكر لأفريقيا في صناعة الحضارة الانسانية والتاريخ الانساني. لقد كانت نظرة محكومة بنظرية جوهرها الاستعلاء الحضاري التي جعلت من قيم الرجل الابيض الدينية (المسيحية) والاجتماعية والثقافية المعيار والمعيار الوحيد للحكم على الشعوب والمجتمعات غير الاوربية. ويجوز التعميم هنا من غير تردد ان هذه النظرة وهذه النظرية قد حكمت الرؤيا الاروبية لكل المجتمعات ذات الاصول العرقية غير الاروبية.. فتاريخ شعوب الآسيتين – الصغرى والكبرى وأمريكا الجنوبية (اللاتينية) واستراليا قبل ان تصبح جزءاً من "العالم الجديد". بعد هجرة الاروبيين إليها قد طُمست معالم اصالته.
ولا يتسع المجال هنا للمزيد من التفصيل فالمكتبة الافريقية تذخر اليوم بعشرات المجلدات والكتب التي لا تعرف لأفريقيا حضارة او تاريخاً يستحق الوقوف عنده إلا بعد اتصال القارة عبر قنوات التجارة والتنصير والإستعمار والاحتلال بمنابع الحضارة الغربية.
هذه كانت نظرة ونظرية الرعيل الاول من علماء الاجتماع والرحالة والمؤرخين الاروبيين لأفريقيا ولتاريخها.
ولنذكر هنا أن معظم هؤلاء قدم لأفريقيا إما غازياً فاتحاً ضمن كتائب الغزو الاروبي وأما داعياً للمسيحية او رحالة سائحاً او مستوطناً مغتصباً للأرض أو حاكماً مبشراً بمسؤلية وبرسالة للرجل الابيض في افريقيا تنشر عدل وسلام الحضارة الاروبية بين ربوع قارة جبل اهلها على "اعراف الهمجية والتوحش والحياة البدائية".
وكان للسودان نصيب وحظ عاثر من هؤلاء الرجال الذين حكموا وكتبوا وأرخوا لإفريقيا نذكر منهم المشاهير في كتابة تاريخ السودان الحديث على سبيل المثال : سلاطين باشا، الاب اوهاردلدر، اللورد كرومر، ورونالد ونجت، سبنسر ترمنقهام. ولكن لكل كتاب تاريخ قيمة ما ولكل مؤرخ مهما أخطأ او اشتط او جنح.. فضل ما وفضل هؤلاء يتمثل في امرين اولهما:
انهم تركوا لنا ثروة من الحقائق والمعلومات استقوا طائفة منها من مصادرها الاولية ومثل هذه المصادر كانت وما تزال عصب كتابة التاريخ وزاد المؤرخ في رحلة البحث عن حقائق الماضي وعن اصول الاشياء ودوافع الناس وأسباب التغيير والمتغيرات وظواهر القديم ومظاهر التجديد. فبرغم ما قال سلاطين عن المهدي والمهدية وكيفما كتب ونجت حولها فلا غنى لمؤرخي المهدية المحدثين عن الرجوع الى ما قال هؤلاء لان ما كتبوا- من ناحية اخرى – قد استنفر أذهان المحدثين من المؤرخين ابناء مدرسة المنهج العلمي وشحذ همم التقصي والبحث الموصول بأسباب التدقيق والتمحيص واستقاء المعلومات من كل مصدر متاح من المصادر الاولية والثانوية والمتنوعة وكل هذا من صلب المنهج العلمي.
وربما يقول قائل : ما لنا وهذا الرعيل الاول من الذين كتبوا عن تاريخ أفريقيا فهم ليسوا مؤرخين. ان لكتابة التاريخ اصول ومواصفات والمؤرخون سيماهم على رؤوس اقلامهم. وهذا عين ما رميت اليه ولكني اردت ايضاً القول بأنهم اخذوا من بعض مثقفينا بل ومن قبل طائفة من هواة قراءة التاريخ وكتابته مأخذ الجد فنقلوا عنهم واقتفوا دروب تفسيراتهم وتقبلوا آرائهم فطمست بعض معالم التاريخ الوطني وشاهت صوره وبدا تاريخنا الحديث وكأنما هو حلقة من حلقات تاريخ العثمانيين والمصريين والبريطانيين في السودان اكثر منه تاريخ السودانيين في السودان، متصلة فيه حلقات حضارات كوش، ومروي القديمة، وعلوة والمقرة والمسيحية بحلقات العروبة والإسلام والفونج والفور والمسبعات.فأشدّ ما أضرّ بكتابة التاريخ- كل التاريخ- الامعان والمغالاة في تقسيمه الى حقب وعهود انحطاط وازدهار وعصر ذهبي وآخر مظلم يوحي بأن حركة المجتمع تقف لتنحط ثم تندفع لتزدهر...فيما للتاريخ صيرورة وسريان لا يجف ولا ينقطع
ومرد حماسة هذا النفر من رواد كتابة التاريخ الافريقي لرسالة اروبا الحضارية انهم كتبوا بعد انتصارات حاسمة حققتها جيوش الاحتلال الاروبية في شمال القارة وجنوبها وفي مغاربها و مشارقها ، وبعد معارك دامية في السواحل والثغور والأواسط استشهد فيها آلاف الأفريقيين، تلك المعارك التي ارتفعت بعدها اعلام الامبراطورية الاروبية- الفرنسية والبلجيكية والبرتقالية والبريطانية والاسبانية – في كافة ارجاء وأركان افريقيا من القاهرة الى رأس الرجاء ومن مقديشو في الصومال الى داكار في السنغال.
الجيل الثاني من المؤرخين:
ثم جاء من بعد الرعيل الاول من مؤرخي افريقيا جيل من الكتاب الاروبيين اكثر وعياً وأرهف حساً وانضج وعياً وأكثر دربة وتعاطفاً مع تراث أفريقيا توفر على دراسة هذا التراث ووقف على جذور واصول الحضارات الافريقية وتطور مجتمعات القارة. وامتازت هذه النخبه من المؤرخين وعلماء الاجتماع على السابقين بالمنهجية العلمية في كتابة التاريخ التي ترفض تفسير الاحداث والتطورات في ضوء نظريات عرقية او فلسفية او اجتماعية مسبقة تجعل من التاريخ اداة وأدلة وبراهين تؤكد سيادة ذلك الفكر وتلك المعتقدات والقيم الاروبية.. تبرر الغزو والاحتلال والهيمنة.
لقد اولت هذه النخبة من المؤرخين اهتماماً متزايداً بتاريخ شعوب افريقيا قبل الغزو والفتوحات الاروبية عند نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فذاع عبر كتاباتهم ومؤلفاتهم – سيط الممالك والدويلات الافريقية القديمة في وادي النيل والزامبيزي وحوض النيجر والكنغو وممالك بلاد السودان الممتدة غرباً من السنغال الى الهضبة الاثيوبية فوقف المهتمون بتاريخ الشعوب والحضارات لأول مرة على تفاصيل نمو وتطور الحضارة الأفريقية: نظام الدولة والحكم والتجارة والحياة الاجتماعية والروحية واتصالات وعلاقات افريقيا بالعالم الخارجي.. وينبغي ان نذكر هنا ان مؤلفات الرحالة والمؤرخين والجغرافيين العرب الذين زاروا بعض انحاء القارة وخاصة شمالها الغربي وسواحلها الشرقية كانت من اهم المصادر الاولية التي اعتمد عليها هذا الجيل من المؤرخين الاروبيين ونكتفي هنا بالإشارة الى مؤلفات المسعودي والإدريسي وابن بطوطة وابن خلدون ومحمد بن عمر التونسي.
وكان لهذا الجيل اثر واضح على كتابة تاريخ السودان من ناحيتين:
اولهما الاهتمام بتاريخ السودان قبل القرن التاسع عشر ، أي قبل النفوذ والسيطرة الاجنبية عليه ثم – من الناحية الاخرى – ابراز اتصال هذا التاريخ بمنابع الحضارة العربية والإسلامية وصلته ببعض الحضارات والمجتمعات الافريقية. ولنكتفي هنا بذكر نفر من اعلام هذه النخبة ومؤلفاتهم مثل كتابات آركيل عن تاريخ السودان القديم والآثاري استاذ التاريخ القديم شيني عن حضارة النوبة ونبته ومروي، والدكتور براين هيكوك عن مروي القديمة وهارولد ماكمايكل عن القبائل العربية في السودان وكرافورد عن الفونج، وثيوبولد عن المهدية ونعوم شقير عن تاريخ وجغرافيا السودان.
واشتهرت بالنسبة لتاريخ السودان الحديث كتابات رتشارد هيل المتوازنة عن الحكم التركي المصري وكتابه عن الكتيبة السودانية في المكسيك وجورج ساندرسون عن الصراع الاروبي على منابع النيل وكتاب بيتر هولت عن الدولة المهدية ومقدمته في تاريخ السودان الحديث وكتابيْ ريتشارد قريي وروبرت كولنز عن تاريخ جنوب السودان – وغيرها من كتب تاريخ السودان الحديث التي يعلمها المتخصصون.
ويمكن القول انه بالرغم من بعض المآخذ على معالجة هذه النخبة من المؤرخين الاروبيين لتاريخ السودان الحديث فيرجع لهم فضل التناول الموضوعي الذي يعطي دارس التاريخ والقارئ غير المتخصص صورة ادق واصدق عن تطور المجتمع السوداني وتفاعله مع معطيات الاحتلال والحكم الاجنبي من تلك الصورة التي ابرزها كتابات الرعيل الاول الذي كان قدره – بل وقدر تاريخ السودان – صناعة التاريخ وكتابته في آن واحد حتى لا يكاد القارئ يفرق بين الحاكم والمؤرخ!!
الجيل الثالث من المؤرخين
كان لانتشار الوعي القومي واضطراد نمو الحركة الوطنية في افريقيا وما تبعها من استقلال شعوبها بعد الحرب العالمية الثانية، اثراً غير مباشر على ميلاد جيل ثالث من المؤرخين الافارقة الذين اتجهوا بكتابة التاريخ من حيث المنهج والموضوعات اتجاهاً جديداً. تمثل هذا الاتجاه في الاهتمام بالموضوعات التي اهملها او اغفلها مؤرخو الرعيلين الاول والثاني وانصب اهتمام هذه الصفوة من ناحية المنهج على استنزاف المصادر الاولية المطروقة والبحث عن مصادر جديدة والاستعانة بمصادر لم تكن مألوفة في كتابة التاريخ مثل علوم الاجناس واللغات والاجتماع وشتى ضروب التراث والأدب الشعبي المستقى من السنة الرواة المعاصرين لأحداث التاريخ وحوادثه.
ان الاسهام الحقيقي لهذه المجموعة في اعادة قراءة التاريخ الافريقي يكمن في انها منحت هذا التاريخ قيمة ذاتية حررته من عبوديته وتبعيته للتاريخ الاروبي فما عاد تاريخ افريقيا والسودان مجرد فصل او باب في كتاب تاريخ اروبا . ولكن يجب ان نستعجل القول هنا بأن من بين الدواعي الهامة التي هيأت اسباب النجاح لهذه الصفوة من المؤرخين في تناول الموضوعات الجديدة وتنقيح وتجويد المنهج العلمي في كتابة التاريخ، الثورة التي حدثت – وهي ثورة بالفعل – في الكشف عن مصادر اولية جديدة اضافت حصيلة وافرة من الحقائق والمعلومات الهامة عن العديد من الموضوعات. وأشير هنا بصفة خاصة الى علم الآثار وحصيلة ونتائج الحفريات الاثرية والى مئات بل آلاف الوثائق والمخطوطات التي اصبحت اليوم في متناول المؤرخين بفضل التطورات العظيمة التي طرأت على علم الوثائق، ونُظُم جمع الوثائق وحفظها وتيسير سبل وسرعة الاطلاع عليها في صفحات الانترنيت والمكتبة الالكترونية.
وهناك عشرات بل مئات الموضوعات في التاريخ القديم والوسيط والحديث لم يكن من الميسور تناولها في غياب هذه الحصيلة من المعرفة التاريخية الجديدة المتجددة قبل خمسين او عشرين سنة مضت او حتى قبل عقد او بضع سنوات.
واوجز الاشارة هنا ونحن نتنزل من كتابة تاريخ افريقيا الى كتابة تاريخ السودان بأقلام سودانية الى مجموعة الاساتذة الذين عملوا ويعملون في شُعب التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الانسانية عامة بالجامعات السودانية ومراكز البحث وتحفظ لهم المكتبة السودانية والأفريقية والعربية اثرائها ليس فقط من ناحية الاضافة العددية ولكن من ناحية تنوع موضوعات البحث التي اعادت عنصر التوازن والشمول لكتابة تاريخ السودان فضلاً عن ابراز هذه المؤلفات لجوانب الاصالة في التراث الشعبي. وبهذا يتبلور دور الكتابة التاريخية في تأصيل الثقافة الوطنية ورفع الاغتراب عنها.. ونشير على سبيل المثال اكثر من الحصر الدقيق الى امهات كتب التاريخ السوداني وركائز المعرفة التاريخية بدءاً باقلام الاعلام من المؤرخين السودانيين بداءاً بشيخهم البروفسور مكي شبيكة ودراسته الموسوعية عن تاريخ شعوب وادي النيل والأخرى بعنوان السودان عبر قرون والثالثة بعنوان السودان والثورة المهدية والبروفسور يوسف فضل حسن عن دخول العرب والاستعراب في السودان وتحقيقه كتابي طبقات ود ضيف الله وكاتب الشونه، ثم تاريخ السودان لضرار صالح ضرار ومؤلفات محمد سعيد القدال عن الثورة المهدية وتاريخ السودان الحديث وما كتب سلفه الصالح وأستاذه محمد ابراهيم ابو سليم عن منشورات المهدية وعن الحركة الفكرية في المهدية ، وكتاب عبد الله علي ابراهيم عن الصراع بين المهدي والعلماء، وكتاب حسن احمد ابراهيم عن غزو واحتلال السودان وإدارته على عهد محمد علي باشا وأبنائه، ودراسة احمد ابراهيم ابوشوك عن مذكرات يوسف ميخائيل كاتب الخليفة عبد الله وصفيه. وكتاب ميمونه ميرغني حمزة عن فتح الخرطوم ومقتل غردون باشا وموسوعة الدكتور عون الشريف قاسم عن الانساب والقبائل السودانية.
وأرخت للسودان الحديث المعاصر كوكبة من المؤرخين السودانيين ونظرائهم من اساتذة العلوم السياسية نذكر منهم موسى المبارك الحسن وكتابه بعنوان تاريخ دارفور السياسي وصنوه كتاب تاريخ كردفان السياسي لعوض عبد الهادي ، وعمر عبد الرازق النقر الذي كتب عن رحلة الحج والحجيج من غرب افريقيا عبر السودان الى الاراضي المقدسة، والمؤلفات العديدة عن الحركة الوطنية السودانية للأساتذة مدثر عبد الرحيم ومحمد عمر بشير ومحمد نوري الامين عن جذور الحركة الشيوعية في السودان. وفدوى عبد الرحمن علي طه وفيصل عبد الرحمن علي طه عن الحركة الاستقلالية وجعفر محمد علي بخيت وكتابه الحركة الوطنية والإدارة البريطانية في السودان والدكتورة محاسن حاج الصافي وفرانسيس دينق وتاج السر العراقي واحمد ابراهيم دياب وحسن عابدين عن فجر الحركة الوطنية السودانية، وحسن مكي وعلي صالح كرار الوثائقي وكتاب وثائق مؤتمر الخريجين ومحاضرة للدكتور معتصم احمد الحاج. اما تاريخ السودان القديم فقد تناوله بالرصد والتمحيص الآثاريون السودانيون ومنهم الرواد نجم الدين محمد شريف واحمد علي الحاكم وعلي محمد عثمان، وعبد القادر محمود رائد دراسة تاريخ السودان القديم اللغة المروية القديمة ويوسف مختار الامين وخضر عبد الكريم وعلي التجاني الماحي وحسن حسين وآخرون كثر من الباحثين وناشئة المؤرخين غفلت عنهم الذاكرة ممن تناولوا الكتابة عن العصور التاريخية قديمها ووسيطها والحديث والمعاصر منها وهذا فضلاً عن مئات المقالات والدراسات في الدوريات المتخصصة وعشرات رسائل الماجستير والدكتوراه التي لم تنشر بعد حول شتى موضوعات تاريخ السودان.
الاتجاهات المستقبلية لكتابة التاريخ:
كان التاريخ ومازال أداة من ادوات صناعة الوعي القومي وتنمية مشاعر الانتماء الوطني في جميع الامم التي سعت وتسعى الى الاخذ بأسباب الانصهار والتوحد.وليس في هذا ما يتعارض – كما يظن البعض – مع المنهج العلمي في كتابة التاريخ والذي يبني على تقصي حقائق الماضي بأحداثه وتطوراته واتجاهاته وإيراد التفسيرات لأسباب ونتائج ما حدث. وعلى هذا يمكن – ولا اقول يلزم – قياس اتجاهات الحاضر وربما امعان النظر في المستقبل ولا اراني بحاجة الى استطراد هذا المعنى في كتابة التاريخ بل اخلص الى تأكيد ضرورة البحث في جميع الموضوعات المتصلة بتاريخ السودان من هذه الناحية وفي مقدمتها السير الذاتية لأعلام التاريخ السوداني من السودانيين: قادة الفكر والسياسة والاقتصاد ورواد حركات المقاومة السياسية للاستعمار والاحتلال ودعاة التغيير والإصلاح الاجتماعي والمبدعين في ميادين الشعر والأدب والفنون والتكنولوجيا التقليدية و....الخ
ومن ناحية اخرى فقد آن اوان الاهتمام بتاريخ الحياة الثقافية والاجتماعية في السودان : روادها ومؤسساتها وقيمها والمؤثرات الوافدة عليها لان في كل ذلك استظهار لحياة الفرد "العادي" – رجل الشارع – ودوره في حركة المجتمع نحو التطور والتقدم وهذا الدور للإنسان "العادي" قد طغى عليه وطمسه في كتابة التاريخ دور الزعماء والحكام والقادة واستأثر التاريخ السياسي – تاريخ مؤسسات الحكم والإدارة والديبلوماسية والحروب والمعارك – بالقدر الاكبر من اهتمام المؤرخين مقابل ما يشبه الاغفال التام للحياة الاجتماعية والثقافية في تفصيلاتها وتعقيداتها. وقد كان كتاب الدكتور عبد المجيد عابدين عن تاريخ الثقافة العربية في السودان خير اسهام ومقدمه في هذا الموضوع الحيوي – الذي يمهد الطريق امام نمط من الدراسات التاريخية المتكاملة المتداخلة التي تجند لها معلومات ومناهج الدراسات الانسانية الاخرى والتي اشرنا اليها.
وللكتابة التاريخية في السودان ان تتجه صوب ميدان ثالث لحقه اغفال نسبي وهو تاريخ اقاليم السودان وأمصاره النائية ومدنه القديمة التي كانت مراكز للتجارة وملتقى طرق ومراكز للعلم والاستنارة مثل حلفا وبربر ودنقلا وسواكن وكوستي وأم درمان والأبيض والفاشر والجنينة ونيالا وكسلا والقضارف وسنجة ومدني ورفاعة...الخ.
خاتمة حول المصادر
لقد اضطلعت مؤسساتنا العلمية الوطنية المعنية بشئون ومشكلات البحث العلمي وخاصة في مجال التاريخ بدور رائد في تجميع المصادر وحفظها وإدارتها ومنها دار الوثائق المركزية وجامعة الخرطوم ومصلحة الاثار ونخص بالذكر هنا شعبة ابحاث السودان التي انشئت بالجامعة في مطلع عقد الستينيات ثم معهد الدراسات الافريقية والآسيوية من بعد لاهتمامها بمصدر من مصادر التاريخ تتعاظم اهميته يوماً بعد يوم وهو الروايات الشفاهية التي تنقل وتسجل من السنة حفظة التاريخ والتراث الشعبي ومن السنة المشاركين في صنع الاحداث والمعاصرين لها..
ان اهمية هذا المصدر تكمن في انه يسد نقصاً وثغرات في المعرفة التاريخية لا سبيل الى سدها من الوثائق المدونة او في غياب هذه الوثائق.
ولقد صار لهذا النوع من مصادر كتابة التاريخ – الروايات الشفاهية – منهج علمي تحقق عبره الوقائع ويستوثق من صحتها من خلال التحليل والمقارنة وقرائن الاحوال والسير الذاتية للرواة وهو منهج في واقع الامر مستمد من منهج البحث التاريخي ولكنه يختلف عنه لاختلاف طبيعة المصدر وخصائصه المميزة.
ولاغنى للباحثين في تاريخ المجتمعات السودانية التي لم تعرف الكتابة إلا في العصر الحديث عن الاعتماد على رواة الآداب الشعبية والتاريخ الشفاهي للوصول الى بعض حقائق التاريخ.
د.حسن عابدين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.