مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دارفور و تسونامي سقوط الأنظمة الإستبدادية:(5)
نشر في السودان اليوم يوم 30 - 03 - 2011

دارفور و تسونامي سقوط الأنظمة الإستبدادية: أفق جديد لمعالجة شاملة (5)
أحمد ضحية
تراكم المشكلات وإنفجار الأزمة ..
منهجيا يجد الباحث في مشكلات دارفور , أنها أشبه بالتراجيديات الكلاسيكية, فيما يخص زمنها التعاقبي ,الذي يمكننا خلاله فرز تعقيداته ,وتقسيمه كمسار زمني , وفقا لفترات محددة, هذه الطريقة بالإمكان أن تفضي- في التحليل النهائي- للإمساك بعوامل تفاعلاتها , وإمتلاك قوانين تطورها.كأزمة مستمرة في الإقليم.
فمشكلات دارفور بعد 30 يونيو 1989 ترتبط جذريا بمشكلاتها , على عهد الحكومة الديموقراطية الثالثة . ومشكلاتها في تلك الفترة ,ترتبط كذلك بمشكلاتها في العهد المايوي ,وهكذا.. كل حلقة من مشكلات دارفور, تفضي لحلقة أخرى في الحقبة التى تليها. ومن هنا كل المشكلات, التي عانت منها دارفور قديما , تنهض في تشكيل حاضرها الكارثي.
شهدت دارفور حقبة من الإزدهار في حواضرها , كتب عنها الرحالة ,وأرخوا لها في إنبهار..إلا أن هذا الإنبهار , تخللته فترات خراب , نتيجة الصراع بين السلطة الحاكمة , والخارجين عليها , وبسبب القبائل المتناحرة .كما أن خرابها دائما ,كان تاليا لهزيمة السلطة الحاكمة, من قبل قوى خارجية (هزيمة الإدارة الأهلية من قبل المركز- مثلا) ,وأول خراب معروف لدارفور ,كان في 1874 , إثر هزيمة السلطان إبراهيم قرض , على يد الزبير باشا. تلى ذلك سلب ونهب للديار , وتهجير قسري إلى مصر.
وقد سارت على هذا المنوال ,كل الإدارات التركية المتعاقبة , على حكم دارفور.وما تبع ذلك من ضنك في سبيل القضاء , على ثورات متتالية . من المنادين بالسلطة , من أبناء دارفور . وخربت دارفور ثانية إبان الحكم المهدوي , فرغم أنها ناصرت الثورة المهدية منذ إندلاعها ,إلا أنها ذاقت الأمرين ,بسبب سياسة الخليفة للتهجير القسري ,ما أدى إلى إخلاء المنطقة سكانيا (وهو ما يفسر وجود الملايين من أبناء دارفور في الوسط).
وقد تجسدت نقمة دارفور ضد المهدية ,في ثورة أبو جميزة سبتمبر 1888 حتى فبراير 1889. التى إلتف حولها الآلاف . وبعد القضاء على ثورة علي دينار في 1916 نهضت في 1921 ثورة الفكي عبد الله السحيني ,التي أرهقت الإنجليز.ومن ثم عدد من الثورات , والحركات السياسية التي نهضت على إستحياء, وصولا إلى حركة داؤود بولاد في 1991 ,والتي أثارت رعب الجبهة الإسلاموية (1) .
إذن تاريخيا , إنطوت دارفور على روح الثورة والتمرد ,وأسهم في تغذية هذه الروح , بُعد الإقليم , ووقوعه في ظل السلطة المركزية,ما أسهم سلبا .إذ أدى إلى أن تظل دارفور حبيسة إنغلاقها ,على الفقر والجهل والمرض , إلى جانب وقوعها في تخوم الزحف الصحراوي , وتعرضها للجفاف في فترات مختلفة , ما ترك آثارا عميقة .إذ إنحسرت المساحات الشاسعة, من الأرض الصالحة للزراعة , وأعترت التركيبة السكانية تغييرات (خاصة أن دارفور ظلت طوال تاريخها ,تستقبل هجرات من غرب أفريقيا وغيرها) بسبب النزوح بسبب الحرب أو الجفاف من تشاد وغرب أفريقيا وشمال دارفور وغربها(والتمركز خصوصا في منطقة وادي صالح, والجنوب) ,أي الجنوب والجنوب الغربي من دارفور..
وهكذا شكل الضغط السكاني على إقليم منهار تنمويا , عاملا مهما في إنفجار الأزمة (صراع الموارد) فالموارد رغم محدوديتها , تزاحم عليها عدد كبير من مختلف البقاع ,التي تعتبر دارفور عمقا إستراتيجيا لها,والعكس...
إذا أضفنا إلى ذلك سمات المجتمعات التقليدية (المجتمعات القبلية), كمجتمعات قابلة للإحتراب , لأي سبب من الأسباب : (مثل المشكلات التي تنشأ بين الرعاة والمزارعين), نجد أن مجتمعات دارفور , لم تهدأ حالة الصراع القبلي فيها , إلا لتنفجر مرة أخرى .. وهنا ينبغى أن نتوقف قليلا عند بعض المفاهيم المنهجية , حول المجتمعات القبلية أو الإثنيات ..
الجماعات السلالية الثقافية :
من المصطلحات التي تسللت إلى الفكر السياسي .من القاموس الإجتماعي , "مصطلح الإثنية" , أو "الجماعات السلالية", والذي يعني : جماعة ذات تقاليد ثقافية مشتركة . تتيح لها شخصية متميزة , كجماعة فرعية في المجتمع الأكبر , لهذا يختلف أعضائها من حيث خصائصهم الثقافية عن الآخرين , في جماعات أخرى . أو في المجتمع . وقديكون لهم فضلا عن ذلك, لغة خاصة أو دين خاص , وأعراف مميزة . وربما يكون الشعور بالتوحيد ك " جماعة متمايزة من الناحية التقليدية " ,أهم ما يميز هذه الجماعة بوجه عام (2) وعلى خلفية ما تقدم في الحلقات الأولى من هذه السلسلة من المقالات , نجد أن الأقليات العرقية أو الدينية أو الثقافية , يمكن أن تصاب بخوف ظاهر, ذلك أن المجموعة العرقية الكبيرة , التي يمكن أن تدعي أن الدولة ملك لها (أوهي دولتها- كما تعتقد الآن عصابة الجبهة الإسلاموية, وكذلك ظل حزب الأمة والإتحاديون يعتقدون ) - أو تابعة لها - بمعنى ذراعها القوي ), وبالتالي فإن الأقليات يمكن نعتها , في هذه الحالة بالطابور الخامس,والعملاء والخوارج والجهويين , إلخ ..كما ظل الجلابة تاريخيا ينعتون المهمشين ,و كما حدث ويحدث مع أهالي دارفور غير العرب. اليوم وللمرة الثانية . إذ أن نميرى قد نعتهم من قبل, بالعنصريين والمرتزقة في 1976(3) .
من المفيد هنا أن نشير إلى أن الدولة في السودان , تعتبر كل المجموعات غير العربية " أقليات" - وأتحفظ هنا على هذا المفهوم. , إذ أعتقد أن هناك مجموعات بمثابة القوميات , وفقا للمفهوم الأوروبي التقليدي للقومية . والمجموعات العربية تساكن هذه " الأقليات " - والذين هم لطالما سعت الحكومة المركزية, أن تجعل منهم وكلاء لها! "- الصفوة الإسلاموعربية - في الجغرافيا التي يقطنونها مع هذه الأقليات "المجموعات غير العربية " ,لكن هذه الفرضية في المحك العملي , ظلت تتعثر ,ولم تتحقق نسبيا إلا على عهد الجبهة الاسلاموية القوموية , إذ أنها ترتبك " تاريخيا- كفرضية " بفعل بعض الوقائع , ففي فترة المهدية ,وعندما جعل المهدي , الخليفة عبد الله التعايشي في المرتبة الأولى (وغني عن القول أن الخليفة من عرب دارفور) أثار ذلك حفيظة المجموعات العربية الشمالية = أولاد البحر " أوالأشراف" =عرب الدرجة الأولى,وفقا للتراتبيات التي صاغتها الصفوة الإسلاموعربية , فعبر عن هذا الغبن شاعرهم الحردلو :
ناسا قباح من الغرب يوم جونا
جابوا التصفية ومن البيوت مرقونا .
أولاد ناسا عزاز متل الكلاب سوونا
يا يابا النقس يا الإنجليز ألفونا .(4).
وهي كلمات شبيهة بما عبر عنه البروفيسور الراحل عبد الله الطيب,من نزوع عنصري ضد الجنوبيين ,بعد أحداث توريت في 1955.إذ إستدعى البروف الراحل ,روح جده الزبير باشا رحمة ,للتنكيل بهؤلاء العبيد الأنجاس المناكيد ,الذين يجب أن تسلط العصي على ظهورهم دائما وأبدا.
ومن هذه الكلمات, التي ينضح منها الإستعلاء والصلف والغرور, الذي لا تدانيه سوى محمولات "الطيب مصطفى - الإنتباهة",يتضح مدى العنجهية القبلية, التى وصلت بالحردلو وعشيرته من الأشراف, إلى درجة الإستنجاد بالإنجليز ,للخلاص من بني جلدتهم ,أمثال الخليفة التعايشى ,الذي هو حسب التراتبية عربي درجة تانية!.
ويمكنك عزيزي القاريء, التوقف طويلا عند عبارة مثل ( أولاد ناسا عزاز ), لإستكناه فحوى المحتوى المعرفي والدلالي لها ,(5) في الواقع القبلي الإستعلائي للعرقيات السودانية الشمالية , ونظرتها للآخر غير الشمالي , فهو ليس من سلالة حسب ونسب ( ليس عزيزا ) مثلهم ..كذلك يمكنك تأمل: "ناسا قباح" وفقا لما يذهب بك خيالك ,في حدود التأويل المعقول!..
إذن عاشت مجتمعات دارفور ,عبر تاريخها حالة من الصراعات , التي تتجدد بين فترة وأخرى (6) ولكن بإستمرار كانت تعالج , ضمن تقاليد وأعراف المؤسسة القبلية التقليدية , لهذه المجتمعات ."الإدارة الأهلية " , وهي أعراف وقوانين مستمدة في أغلبها من "كتاب دالي" الذي أشرنا إليه فيما سبق . ولم تتطور مشكلات دارفور , لدرجة حرب طاحنة بين معسكرين (العرب ضد غير العرب) , إلا إبان ديموقراطية الصادق المهدي (86-1989) والفترة التي تلت ذلك , أى عهد الحكومة الإسلاموية الراهنة . ففي كلتا الفترتين وقفت الحكومة مع القبائل العربية ضد غير العرب, ولذلك لدى فرزنا لمشكلات دارفور , يمكننا الإشارة إلى أن المرحلة الحالية ,هي أسوأ مراحل الخراب في دارفور , بسبب السياسات الهوجاء لحكومة رعناء تجعل من أمثال قوش ونافع وغيرهم قادة أجهزة خطيرة منذ 1989 من جهة . وبسبب تواطؤها السافر ,لإحلال مجموعات عربية جديدة ,مستوردة من غرب أفريقيا ,لتغيير التركيبة السكانية نهائيا وبصورة حاسمة؟! من جهة أخرى ..
المشروع الإسلاموي للإنقاذ :
منذ إستقر أمر السودان للإنقاذ ( الجبهة الاسلاموية القوموية ) ,وهي لا تشذ عن سابقاتها من الأنظمة العسكرية والطائفية, بإعتبارها لدارفور مركز معارضة محتملة . لذلك توجهت نحو دارفور "كملف أمني عاجل" . فكانت أولى مهامها ,ضرب البنية التحتية للمجتمع الدارفوري . حتى يسهل تفكيكه وإعادة تشكيله من جديد . من خلال سياستي الإستقطاب والتصفية . ومن هنا جاء تفكيكها للإدارة الأهلية . وأثننتها للسياسة , بمجهوداتها المختلفة التى رمت إلى تكريس الإثنية , وواصلت الجبهة الإسلاموية, مشروعها التدميري في دارفور ,خصوصا بعد الإعلان عن حركة وجيش تحرير السودان(عبد الواحد نور) ,وهكذا بالتعاون مع مجموعات الجنجويد والمليشيات العربية المتحالفة معها, كانت المواجهات التي نرى آثارها التدميرية, ماثلة حتى الآن, في المشهد الدارفوري.
أستطاعت حكومة الخرطوم الإسلاموية إذن, أن تضم إلى صفوفها ( مليشيات الجنجويد ) وترفدهم كذلك بمحاربين "مرتزقة" إسلامويين, إستجلبتهم من الدول المجاورة ( تشاد - موريتانيا – بنين,إلخ...) , لإعانتها على حملة السلاح من أبناء دارفور.
وهكذا تغيرت طبيعة الصراع في دارفور , من صراع محلي عادة , إلى صراع يستهدف إبادة غير العرب . بل فقدت كلمة جنجويد ضمن هذا السياق, معناها القديم : فهي كلمة قديمة الإستعمال في دارفور , وتعني :"الشباب المنفلت من قبيلته" . والذي لا يتورع عن إرتكاب الجرائم , من نهب وإعتداء على الغير.تجاوزت مفردة جنجويد هذا المعنى, لتصبح معادلا موضوعيا مباشرا, لا للشباب المنفلت فحسب, ولكن كمعسكر للعرب ضد غير العرب؟!
وعلى الرغم من المطالب الأوروبية , والأمم المتحدة, بوقف هذا النشاط ضد المدنيين , والسيطرة على المتمردين . إلا أن الحكومة الإسلاموية الحاكمة في الخرطوم, وجنجويدها ومليشياتها العربية لم تأبه لذلك , مستقوية بدعم مصر و دول الإقليم العربي,الذين يكاد يجن جنونهم الآن, ضد الفظائع التي يلاقيها أشقائهم في ليبيا ,من قبل إبن جلدتهم القذافي! ,فقد أعرب الأشقاء عن موقفهم المتواطيء ضد الدارفوريين بوضوح لا لبس فيه , في المؤسسات الإقليمية والدولية.وهو موقف لا يختلف عن مواقفهم التاريخية, ضد مشكلة السودان في الجنوب,إتساقا مع "أنصر أخاك ظالما ومظلوما" ,بمعنى معاكس تماما للمعنى المراد,إذ إستحال المعنى المراد عند العرب إلى "أنا وإبن عمي المستعرب"لكنه يعتقد أنه عربي" على غير العرب".
ويلاحظ أن نشاط هذه المليشيات , قد إمتد إلى داخل تشاد , ما جعل الرئيس التشادي " إدريس ديبي" , في مرحلة سابقة ,من مراحل الصراع ,يطالب الحكومة السودانية ,بوقف الهجمات التي يشنها حلفاؤها الجنجويد ,إنطلاقا من حدودها ,للتخريب في تشاد (7) .
وهكذا إستطاعت الجبهة الإسلاموية , تفجير كل الأزمات المختزنة ,في البنى الإجتماعية, بوتائر متسارعة , وذلك لطبيعتها الآيديولوجية الإسلاموعربية . في جغرافيا تعج بالتنوع والتعدد والتباين . ولأن مفهوم الدين الاسلامي في السودان ,أرادت له الصفوة أن يولد متطابقا مع مفهوم "الهوية / العروبة " حمل خطاب الإنقاذ هذا الملمح المأساوي, للثقافة الإسلاموعربية في السودان . فالدين العربي / الإسلام .والعرقية/ العروبة بمعنى سيطرة النخبة الإسلاموعربية . وسما تجربة الإنقاذ منذ إستيلائها على السلطة . وكان ذلك أحد عوامل إنقسامها ,في المفاصلة الشهيرة =أولاد الغرب ضد أولاد البحر,التي تمخضت عن حركة خليل إبراهيم والمؤتمر الشعبي .
وجدت الحركة الإسلامية في السودان في 1989 , أن السودان على مشارف التفكك , وبدلا عن محاولة التعامل, بروح المسئولية تجاه الوطن الواحد .والجدية لمعالجة هذا الوضع المأزوم , مضت لتصعيد الحرب في الجنوب, وتصعيد القلق والتوتر في دارفور , ومحاولة سحق جبال النوبة. بل وأكثر من ذلك, أعلنت الحرب ضد جنوب النيل الأزرق.
هكذا عمدت الجبهة الاسلاموية, لإعتماد الخيار العسكري, لحسم المشكلات الحقيقية والفعلية التنموية في الهامش,غير آبهة للمطالب المشروعة . وهنا ينبغي علينا إبتداء, إدراك طبيعة الحركة الإسلاموية في السودان .. والتي دفعتها لاحقا, للتعامل مع دارفور بهذا الشكل . وعلى النحو الذي نشهده الآن ..
فاقم السلوك السياسي للجبهة الإسلاموية الأزمة في دارفور, فقد عمد الإسلامويون ,إلى إعادة تقسيم الإدارات الأهلية, بغرض الكسب السياسي وإضعاف الخصوم " حزب الأمة " , ما أدي إلى تنامي العصبية , فقد حلت الهوية العرقية - في التقسيم الجديد - محل الهوية الإقليمية , التي كانت سائدة في الماضي , والتي كانت تستوعب الهويات الإثنية على تعددها (8) .وقد جرى هذا التقسيم في المناطق الهامشية عموما.دون الإعتبار إلى أن هذا المليون ميل مربع (مساحة السودان الشمالي والجنوبي معا) به حوالي 570 قبيلة تستخدم 595 لغة محلية . وقد أعاد الباحثون تصنيف هذه القبائل في 56 أو 57 فئة إثنية , على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والإثنوغرافية الأخرى . وقد قلص تعداد 1955 هذا التنوع ,بإعادة تجميع المجموعات الإثنية ,إلى ثمانية مجموعات رئيسية تمثلت في: العرب 39% - النوبا 5% - النوبيون 5% - الجنوبيون الشرقيون 5% - والأجانب 7% إلخ ..ومعايير تقليص هذا التنوع بالتصنيف وإعادة التصنيف, ليست واضحة دائما وإعتباطية غالبا . لكن ماهو كاف وله صلة , هو حقيقة أن هذا التنوع اللغوي, موجود داخل دولة واحدة , تطمح مثل غيرها لأن تكون دولة قومية .
معظم هذه المجموعات القبلية, لها مناطق محددة تقليديا وتحمل إسمهم: دار زغاوة : إنتماء للزغاوة – دار مساليت : إنتماء للمساليت و ( دارفور - إنتماء للفور ) ,إلخ ..وهي رغم التفاعل المتصل مع المجموعات الأخرى - تعيد إنتاج نفسها إجتماعيا في إستقلال عنها . ولذلك هناك تغيرات يحفزها التفاعل مع مجموعات أخرى, ضمن الأطر الإقليمية والقومية , وتلك التي تحدث بسبب الحراك السكاني , بالهجرة إلى أجزاء أخرى في القطر , وهناك ما يحدث نتيجة ,تأثير مؤسسات وسياسات الدولة, وينتج عنه درجة كبيرة من الإستمرارية الثقافية ,والمرونة الإجتماعية - الثقافية,والتي هي موجودة داخل كل مجموعة على حدة , فقد تختفي بعض اللغات, مثلما حدث للبرتي والبرقيد في دارفور .
لكن التقاليد الثقافية تبدي ثباتا كبيرا عبر الزمن . وقد حلت اللغة العربية محل اللغات الأصلية للمجموعتين أعلاه . لكن التقاليد الثقافية , وأشكال التنظيم الإجتماعي , التي هي من فرادة البرتي والبرقيد , تميز هاتين المجموعتين عن جيرانهما , مثل عرب الزيادية الأبالة . أو المسيرية أو مربيي الماشية شبه المستقرين .
وبينما تتشارك هذه المجموعات في الأرض,فهي تعيد إنتاج ثقافتها ولغتها, بمعزل عن الأخرى.حتى اللغة العربية ليست شيئا متجانسا , فهي تبدى تباينات كبيرة في اللهجات مثل : عربي الفور - وعربي جوبا . والعربية السودانية- الفصحي - والعربية الكلاسيكية . إلخ .. بل هناك تباينات كبيرة في اللهجات , حتى في إقليم مثل دارفور (9) .
لم تعتني الجبهة الإسلاموية بالحقائق, التى يطرحها هذا الواقع المتنوع .ثقافيا والمتباين حضاريا , فقدمت نموذجها ( المشروع الحضاري) وفقا لإلتباس : تطابق ( الهوية / الدين ) متغاضية عن كون الدين , لا يمكن أن يحل محل الهوية , بحكم طبيعة كل منهما . فالدين نص , والنص تأويل ( معنى) , تأويل مولد للدلالة , ينصب فيه الإنسان ذاته مصدرا للمعرفة (10) .
وتاريخ الحركة الإسلاموية, تميز بأحداث وفترات معينة , شكلت مراحل الصعود ,والهبوط والنمو والركود , وقد حدد الترابي ما أسماه ( معالم سيرة الحركة الاسلامية الحديثة في السودان ) ,بحسب عهود ومراحل : " عهد التكوين " ( 49 - 1955 ) في الأوساط الطلابية , بالإضافة إلى رافد شعبي محدود , متأثر بحركة الأخوان المسلمين المصرية .
تأسس أول مؤتمر عام للأخوان في عام 1954 . وتم إختيار إسم الأخوان المسلمين. ثم كان عصر الظهور الأول 56 - 1959 ) حيث توصلت الحركة ,إلى أهم أسباب إنتشارها مستقبلا , وهي:التنظيم الجبهوي أو التحالفات الواسعة , على أساس برنامج عام . لذلك كان قيام " الجبهة الإسلامية للدستور " في ديسمبر 1955.
تلى ذلك ما أسماه " عهد الكمون الأول " ( 59 - 1964 ) ,وحتى فترة الحكم العسكري الأول , ثم عهد الخروج العام: ( 1964- 1969 ) أى فترة الديموقراطية الثانية . وتأسست خلال هذه الفترة جبهة الميثاق الإسلامى . في ديسمبر 1964. حيث تم إختيار حسن الترابي , أمينا عاما لها .
بعد ذلك يبدأ ما يسميه عهد المجاهدة والنمو: ( 69 - 1977 ) أى من إنقلاب نميري حتى المصالحة معه . وآخيرا عهد " النفح " الذي يمتد حتى إنقلاب يونيو 1989 (11) وهو إمتداد لعهد التمكين (إبتداء من الإستيلاء على السلطة في 1989 ) .
نواصل
هوامش :
www.darfurinfo.orgLalidinar.htm (1)
(2) التعدد الإثني والديموقراطية في السودان . ( أوراق مختارة من ندوة التعدد الإثني والديموقراطية في السودان / الخرطوم 18-19/مايو 2002-قاعة الشارقة )تحرير: دكتور حيدر إبراهيم علي . الطبعة الأولى القاهرة 2003. ورقة أ. أحمد ضحية تحديات الديموقراطية والتعدد الإثني ) . ص : 101.
(3) السابق . ص : 19 .
(4)أ - قد تكون أول حالة تمييز "بارزة" معروفة في التاريخ الإسلامي والعربي , هي حالة الخليفة عثمان بن عفان (رض) ,عندما كان ثمة إعتراضات من الصحابة عليه . قولهم :" ليحملن إبن أبي معيط بني أمية على رقاب الناس " وواضح من هذا الإحتجاج , قصدهم أنه سيولي بني أمية المناصب السياسية أو الخدمية المدنية , في ذلك الوقت . وبغض النظر عن كفاءتهم .
- ب / يبدو أن السودان يمثل حالة كلاسيكية للمجتمع التعددي المنقسم , بما أسماه هاي أيكشتاين : الإنقسامات الإنشقاقية . وقد تكون هذه الإنقسامات : دينية , لغوية , آيديولوجية , إقليمية , ثقافية , عنصرية وإثنية " قبلية "..
ولا تصبح كل هذه الانقسامات بارزة ,في كل سياقات وأوضاع الوجود السياسي السوداني .وكثيرا ما يخضع بروزها أيضا, إلى مقتضيات مكانية وزمانية ومعينة . وعلى سبيل المثال قد لا تصبح اللغة العربية , كلغة تخاطب مشتركة , مشكلة في الحياة اليومية الإجتماعية . لكنها تصبح إنقساما بارزا ,في سياقات نظم التعليم الوطنية الرسمية . أو في الأوضاع ,التي يهدف إلى فرضها على القوميات أو الإثنيات الأخرى . بميل نحو التفوق العنصري , والإخضاع الناتج عن الربط بين اللغة وحاملها العرقي , أى الهوية العربية .
أن عربي جوبا , يستخدم يوميا , ويستخدم شباب الجنوب النازحين - فيما مضى - إلى مدن الشمال, بسبب الحرب . اللغة العربية بينهم . وكذلك غير العرب في دارفور . لكن هذا الإنقسام اللغوي يصبح إشكاليا ,من الناحية السياسية والإجتماعية ,عندما تفرض الدولة اللغة العربية .
ج- ينقسم المستعربين(العرب) السودانيين ,إلى العديد من المجموعات الإثنية , مع وجود تمايزات ثقافية وتنوعات واضحة في اللهجات , وما هو عربي في السودان متباين جدا . فقد يجد العربي من سكان المنطقة الشمالية ,معاناة في التواصل مع العربي البقاري من غرب السودان . بالمثل قد ينظر هذا العربي بإزدراء إلى السوداني العربي البقاري " الدارفوري", وفي الواقع فقد تضمن الإنقسام التاريخي, الذي قاد إلى المواجهة المباشرة ,بين الخليفة عبد الله التعايشى والأشراف , إنكارا من الأشراف لجدارة الخليفة المنتمي للتعايشة " عرب دارفور " . وبعيدا عن العروبة كسمة عنصر , وليس إكتسابا ثقافيا , لم تظهر آراء تختصر تعدد المجموعات العربية في السودان, إلى قاسم مشترك يسمى عربا , لأن العروبة كمكتسب ثقافي , تتقاسمه العديد من المجتمعات العربية في السودان . والتي ليست هي عربية من ناحية العنصر . ولكن عندما تكتل نخب الدولة ,مختلف المجموعات العربية , رغم تباينها ثقافيا في مجموعة واحدة , بحيث تنتحل هذه الفئة دور الأغلبية التي تحدد هوية سودانية جديرة بأن تفرض على الآخرين . كطريقة أكثر مشروعية للحياة ,هنا ترى المجموعات غير العربية, عنصرية ضمنية في هذا الموقف , وتواجهها بمختلف الوسائل . إن إنكار قيمة الآخرين أو نعتهم "بالعبيد" أو "الزرقة", في إقليم جميع سكانه "زرق" هو : سيطرة ضمنية.
د - هذا التشاحن من الأشراف ضد الخليفة ,هو ما دفع الخليفة في مكان آخر ,في أحد المجالس عندما بدأ الاشراف بالفخر بأنسابهم , أن يمسك الربابة , وينشد :
نحن الغرابة , شرابين المريسة
عيال البحر نضمهم ساكت
نحن جدنا النبي عيسى ...
(5) السابق . ص : 131.
(6) راجع : علاقات الأرض . لمحمد إبراهيم نقد . ص : 19 - 22 : حيث يشير الأستاذ نقد ,إلى أن الإتساع الجغرافي والتعدد العرقي , وجد إستجابة عند سليمان صولونج , كرجل دولة مؤسس , فقام بتقسيم السلطنة (على النحو الذي أشرنا إليه سابقا) كما صاغ إبنه السلطان موسى , سياسة عامة حول ملكية الأرض فى السلطنة . فجرد شيوخ العشائر والقبائل من سلطاتهم, وقاعدة إستقلالهم الإقتصادي, وركز السلطة الإقتصادية والسياسية المطلقة في يده . وهكذا تطور أداء دور الدولة المركزية في دارفور .
- راجع : فترة إنتشار الإسلام والسلطنات (1641 - 1821) لدكتور قيصر موسى الزين . ص : 92:حيث يقول : ساد نظام شبه إقطاعي علاقات الإنتاج الزراعية في السلطنة , وكان أكثر إحكاما ومركزية من نظام سنار , وكانت كل الأرض من الناحية القانونية ملكا للسلطان , وتخضع لإشراف إداري هرمي .على رأسه السلطان .
- راجع : علاقات الرق في المجتمع السوداني . لمحمد ابراهيم نقد . ص: 204 : يشير نقد هنا إلى أن المساليت مارسوا الإسترقاق عنوة بالحرب أو الغزوات على الفرتيت - ومارسوه عرفا على بعض قبائل الفور , التى نزحت نحو ديارهم , هربا من جيش الزبير باشا في 1874. ومرة أخرى عندما سيطر الأنصار على دارفور .
عندما قرر سلطان المساليت أن يتخلص من حامية الأنصار في أراضيه 1888 . إستبق الخيل والسلاح والجهادية السود , وأعطي أولاد العرب أحذية وقرب ماء , وطلب منهم الإبتعاد عن داره. كذلك مارس المساليت السبي المتبادل بين القبائل المتحاربة , فكثيرا ما سبى المساليت زوجات وبنات سلطان وأعيان الداجو . وبادلهم الداجو المعاملة بالمثل , وقد تستعيد القبيلة السبايا بالفدية, وهذا يعطي فكرة عن رواسب الصراعات القبلية في دارفور تاريخيا , خاصة الفترة السابقة لضمها ,بواسطة الانجليز 1916 إلى السودان .
(7) www.islam today .netLarticlesLshow_articles_content.cfm?catid=76&arid=3753. (8) (8)التعدد الإثني والديموقراطية في السودان. مرجع سابق . ص : 42.
(9) د/ شريف حرير - تيرجي تفيدت . السودان النهضة أو الإنهيار . ترجمة . مبارك علي . مجدي النعيم . مركز الدراسات السودانية . القاهرة . ص : 20 .
(10) علي حرب . النص والحقيقة . ( نقد الحقيقة ) . طبعة ثانية القاهرة 1995 المركز العربي الثقافي . ص : 20 - 26 .
(11) دكتور . حيدر إبراهيم علي . التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية . طبعة أولى 1996. مركز دراسات الوحدة العربية . ص : 283 .
نواصل
أحمد ضحية
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.