أطلّ علينا العام الميلادي الجديد ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن فيه على وطننا الغالي باليمن والبركات والخيرات والتقدم والازدهار وبسط ألوية الأمن والسلام. وقد انطوت صفحات العام المالي المنصرم الذي شهد عجزاً مالياًَ وكان البون شاسعاً بين تقديرات الميزانية وإيراداتها الحقيقية وأدى ذلك لمحاولة إيجاد معالجات إسعافية وتحركات ماكوكية في الخارج لجلب المعونات والقروض وحدث تضخم وهبطت القوة الشرائية للجنيه وارتفع سعر الدولار ارتفاعاً جنونياً وأضحت الأسواق غولاً مفترساً وتحمل المواطن المغلوب على أمره فوق طاقته لقلة ذات يده مع ارتفاع الأسعار المتصاعد دوماً في متوالية هندسية وأصبحت الأمور تسير كسفينة تائهة في محيط واسع مع فقدانها للبوصلة وإن الجهات المختصة في وزارة المالية والبنك المركزي أعلنت مرتين خلال العام المنصرم أن تدفقات نقدية دولارية ستأتيهم من الخارج وأن سعر الدولار سيهبط ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقق وثبت أن تلك كانت مجرد أمنيات أو عمليات تخدير للمواطنين أو عمليات تخويف لمن يكنزون ويخزنون العملات الصعبة الدولارية لعرضها وبيعها علّ ذلك يساهم في تخفيض أسعارها ولكن كل ذلك لم يحرِّك ساكناً وأضحى الدولار سلعة تُباع وتُشترى وتخزّن والعبء والمسؤولية لا تقع كلها على الحكومة بسبب سياساتها الخاطئة وقراراتها العشوائية وتخبطها الذي أدى لهذه النتيجة السيئة ولكن هناك شرائح من المجتمع تساهم بسبب الطمع والجشع في تدمير الاقتصاد ويمكن أن يطلق على هؤلاء مجازاً وصف «مافيا الدولار» بل إن هناك شرائح من الفئات الفقيرة الضعيفة قد استُغلت استغلالاً بشعاً والفرد منهم يعتبر ركوب الطائرة وقضاء ليلة أو ليلتين في عاصمة دولة جارة والنزول في إحدى لكونداتها الشعبية والتجول فيها لمدة يوم أو يومين يعتبر نقلة كبيرة في حياته وفيها تغيير ونزهة ولذلك فإن البعض يستغل مثل هؤلاء ويأخذهم في رحلة لمدة يوم أو يومين ويحمل كلٌّ منهم كمية من الدولارات يبيعها عند عودته بأضعاف سعرها الحقيقي وقد يكرر هذه العملية عدة مرات في الشهر مصطحباً هؤلاء أو غيرهم إضافة لذلك فإن العمالة الأجنبية الكثيفة القادمة من دول الجوار الإفريقي فإنها تشترى دولارات بالعملة المحلية التي تحصل عليها هنا لتحويلها للخارج. ونحن على أعتاب عام مالي جديد وأعلن المسؤولون أنهم سيحصلون على قرض دولاري ضخم من شركة صينية «وليس من الحكومة الصينية» ولا ندري هل سيساهم هذا في إيجاد معالجات وقتية قصيرة المدى أم أنه سيكون بعد ذلك شوكة مسمومة في خاصرة الوطن. وإذا لم يتم سد العجز المالي بقرض طويل المدى فإن المعالجات بالاقتراض من النظام المصرفي وطباعة النقود بغير غطاء فإنها ستؤدي لنتائج كارثية بوصول التضخم لمعدلات فلكية وهبوط القيمة الشرائية للجنيه للحضيض وسترتفع الأسعار أضعافاً مضاعفة وستتعدى الأسواق مرحلة الانفلات لمرحلة الجنون الرهيب الذي يصعب علاجه، ودعك من الحديث عن الانهيار الأخلاقي وسط شرائح من المجتمع بسبب تردي الأوضاع المالية والمعيشية فهذا يحتاج إلى وقفات أخرى. وإذا لم تحدث معالجات جادة منذ البداية فإن الميزانية الجديدة لن تكون معجزة هذه المرة بل انها ستنهار ولا بد من إصدار قرارات حاسمة رادعة وتنفيذها بلا إبطاء ولف ودوران وإن التجنيب هو أحد المصائب الكبيرة وإذا لم يستأصل فإن الأمور لن تستقيم مع ضرورة خصخصة الشركات العامة والعمل بأورنيك 15 وأورنيك 8 دون ترك الحبل على الغارب وكفى تلاعباً في المال العام وكفى فساداً وإن المال العام ينبغي أن يكون كله تحت مظلة وزارة المالية وإدارتها. وإن المال الذي يدور خارج إطار وزارة المالية يلفه ضباب ولا بد من إزالة الغموض ليكون كل شيء تحت الأضواء الكاشفة بكل شفافية. ومن البشريات في هذه الأيام أن السيد وزير النفط تحدث عن ضخ جديد للبترول السوداني من عدد من الآبار وهذه خطوة سيتبعها المزيد من الضخ سعياً للاكتفاء الذاتي ومن ثم تتم عملية التصدير وجلب العملات الحرة للخزينة العامة في مرحلة لاحقة ونأمل أن يتم تجنب أخطاء التجربة السابقة ونأمل أن توجه الإيرادات في دعم القطاع الزراعي والقطاع الصناعي ولو حدث ذلك في المرة الفائتة لما حدثت «الجهجهة المالية والاقتصادية الحالية». ومن البشريات السعيدة تنفيذ تعلية خزان الروصيرص وهذا إنجاز ضخم يُشكر القائمون بأمره وعلى رأسهم المهندس أسامة عبد الله ومن معه بوزارة الموارد المائية والكهرباء وقد أنجزوا وأدوا واجبهم وعلى القطاع الزراعي أن يلتقط القفاز ويصلح القنوات والترع والبنيات التحتية واستغلال هذه المياه الاستغلال الأمثل وإن طريق النجاح والفلاح هو إحداث ثورة زراعية حقيقية. وكما أسلفت في المرة الفائتة فإن السيد الرئيس قد تبقت له في دورته الرئاسية الحالية سنتان وأربعة أشهر تُجرى بعدها انتخابات عامة عديدة وفي ظل هذه الشرعية التي ينبغي أن يعترف بها الجميع من حاكمين ومعارضين وفي ظل البرنامج الذي فاز بموجبه السيد الرئيس فإننا نأمل أن تشهد الفترة المشار إليها تكوين حكومة من الجنرالات والتكنقراط من ذوي التأهيل العالي والخبرات والحزم والعزم والورع مع الإبقاء على التنفيذيين الجادّين من أصحاب الهمة العالية والدفع القوي الذين لا يمكن الاستغناء عنهم في هذه المرحلة. وإن بعض الإخوة الإسلاميين المبدئيين الصادقين ذكر لي أن هذا هو المطلوب ولكن هناك «كماشة» قابضة تحد من الانطلاق وتعوق الإصلاح ونأمل أن تستقيم المسيرة وكل عام وأنتم بخير.