بعد زيارة لدولة قطر – رئيس مجلس السيادة يعود للخرطوم    رئيس الوزراء يوجه سفارة السودان بالمملكة العربية السعودية بتقديم كافة أشكال الدعم للطفلة العنود الطريفي    بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (1)    إندريك يجهز قرارا صادما لريال مدريد    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عن المستقبل)    عقار يطلع سفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية بجوبا على تطورات الأوضاع بالبلاد    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة سودانية تعود لمنزلها وتكتشف أن الأهالي قاموا بتحويله لمقابر دفنوا عليها موتاهم    شاهد بالفيديو.. إيمان الشريف تشعل حفل زواج عروس "منقبة" بأغنية "الخزان"    شاهد بالصورة والفيديو.. عروس سودانية تهدي المعازيم في حفل زفافها مئات الدولارات    "المليشيا" تحتجز طلاب الشهادة الثانوية في غرب كردفان    شاهد بالصور والفيديو.. عروس الموسم الحسناء "هند" تخطف الأضواء في جلسة تصوير زفافها وتستعرض جمالها بوصلة رقص ملفتة    بالأرقام.. بنزيما ورونالدو الأكثر إهداراً للفرص في دوري روشن السعودي    الجسر يبدأ برنامجه الإعدادي بملعب الانيق    ماذا سيطلب ترامب من القاهرة مقابل حل أزمة سد النهضة؟    فرنسا تقر حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً    الصادق الفاتح يشهد توقيع المصري محمد نبيل    بنك التنمية الأفريقي يرصد 379.6 مليون دولار للسودان    واشنطن مستعدة للتعاون مع طهران إذا "رغبت إيران في التواصل"    في صفقة من العيار الثقيل الهدف.. يكسب درة نجوم دامر المجذوب    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    البرهان يفجّرها مدويّة بشأن التمرّد    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    اتحاد الكرة يصدر عقوبات صارمة    فرنسا تحدد موقفها من مقاطعة مونديال 2026    حبس البلوجر هدير عبدالرازق وأوتاكا 3 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه في نشر فيديوهات خادشة    توضيح هام من الفنان مأمون سوار الدهب بعد اتهامه بالتلميح لطيقته بعد زواجها: هذا السبب هو الذي دفعني لكتابة "الحمدلله الذي اذهب عني الاذى" وهذه هي قصة أغنية "اللهم لا شماتة" التي رددتها    تمارين الرياضية سر لطول العمر وتعزيز الصحة    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الإتقان... عنوان احتفالات الشرطة المصرية في عيدها ال74    طفرة تقنية ونقلة نوعية بإتحاد القضارف    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    لماذا اعتذر محمد صلاح للاعبي منتخب مصر خلال كأس إفريقيا؟    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    "أوميغا 3" صديق القلب.. هل يربك سكر الدم؟    من يدفع تكلفة رسوم ترمب الجمركية؟    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    بعد فرنسا.. أميركا تسجل تسمم عشرات الأطفال بحليب ملوث    السودان.. انهيار منجم ذهب    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    الخرطوم.. حملة أمنية تستهدف أوكارًا بشرق النيل    بعد زيادة سعر الدولار الجمركي..غرفة المستوردين تطلق الإنذار    السلطات تحبط محاولة تهريب لمناطق سيطرة الميليشيا    وصول مدير عام السكة حديد إلى أبوحمد لاستقبال قطار الصيانة وتأهيل خطوط السكة الحديد    انتهاء إعفاء الهواتف المستوردة من الرسوم في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    مصر.. سيدة تخفي "مفاجأة" في مكان حساس لتهريبها إلى الخليج    ترامب: فنزويلا ستمنح الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإبداع والسلطة: الضحك الهدّام (1-4)
نشر في الراكوبة يوم 12 - 04 - 2016


لإبداع والسلطة: الضحك الهدّام (1-4)
1-السوداني العربي المسلم: عبوس قمطريرا
(نص الورقة التي عرضتها بالندوة الفكرية لملتقى شركة زين لجائزة الطيب صالح في فبراير الماضي وموضوعها "الإبداع والسلطة")
عبد الله علي إبراهيم
أريد بهذه الورقة توسيع معنى "السلطة" و"الإبداع" لندخل في دائرتهما سلطاناً وإبداعأ غير ما يخطر على بالنا للوهلة الأولى. فقد تواضعنا أننا نعني بالسلطة الحكومة القائمة لزمننا. وهذا منحى كيفته أوضاع سياسية منذ استقلالنا كنا فيه، وما نزال، في حرب ضروس مع الحكومات المتعاقبة. فممن على هذا الرأي محمد المهدي بشري الأكاديمي والروائي. فعرّف السلطة بأنها هي القوة الحاكمة السياسة والإدارية وما يتصل بها وهي دائماً ما عنت الحكومة التي اتصفت بالمركزية عندنا. وجاء تعريفه هذا في سياق نقده لمثقفين لم تمنعهم استنارتهم من ممالاة حكومات شمولية تعاقبت، ودعمها[1].
وحجب هذا التعريف عنا (أو أخر فهمنا ل) سلطات أخرى لها شراستها الكامنة في المجتمع المدني مثل الأسرة، والحزب، والطائفة، والقبيلة، والنقابة وهملجرا. وكان أسعد هذه السلطات المحجوبة الحزب السياسي المعارض الذي "دجن" المثقف الكاتب من فرط توظيفه له كعرضحلجي في ملمات الصراع ضد الحكومة كالمستودع النهائي للشوكة. فنشأ من ذلك ضبط وربط تعارفنا على تسميته ب"الإلتزام" (أو قيده) للحزب والعقيدة اللتين مقاليدهما في يد الكادر السياسي والمنبري والتنظيمي. فالكاتب ملزم بنقد الحكومة ولكنه غير مأذون له مؤاخذة الحزب، متى استحقها. فنقد الحزب مُحرم شرعاً طالما تخطفته الحكومة. فحسابه يوم حساب يأتي ولا يأتي بعد زول حكومة الوقت. وبلغ من هوان الكاتب من هذا النهج أن سميته بنهج "ملازمة الفروة" المأثور عن الخليفة عبد الله يداوم أهل النظر فروته من "دغش الصبح إلى غبش المساء". وساءت الملازمة أكثر في ظرفنا حتى وصفتها ب"إشكع" يكون بها الكاتب كلب حراسة الحزب الذي يسلطه على هوهوة الحكومة.
واستفدنا من مفهوم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في نظرنا لتوسيع السلطان لأبعد من الحكومة ليشمل كيانات غيرها من مستودعات الشوكة. فهو قد "حل" الشوكة التي رهناها طويلاً بالدولة لننظرها في تلك الكيانات المدنية أيضاً ونسائلها مساءلتنا لسلطان الحكومة في نفس الوقت بغير تأجيل أو رحمة. وأصل تعريف إدوار سعيد للمثقف كمن يصدع بالحق للسلطان بغير فرز في مفهوم فوكو للشوكة. فحين يفكر فوكو في آليات الشوكة فهو إنما يفكر في أشكال وجودها كشعيرات دقيقة تنفذ إلى ذات كيان الناس، تمس جسدهم، وتنفذ في افعالهم وميولهم، وفي خطابهم، وسبل تلقي معارفهم، وكل صور حياتهم اليومية. فهي ليست مملوكة لطبقات معينة أو أفراد يمكن القول إنها "حقتهم"، ولا هي مجرد أداة بوسعهم استخدامها بشكل ما متى أرادوا. ففوكو يركز على كيفية تنظيم علاقات الشوكة والأشكال التي تتخذها والتكنيكات التي تعتمد عليها أكثر من تركيزه على الجماعات والأفراد الغالبين بها أو المغلوبين من جرائها. فالشوكة في قول فوكو صفة فاشية في الحياة الاجتماعية غير قاصرة على السياسة الرسمية أو الصراع المكشوف. ويمكن لنا أن نفكر فيها على غير ما أتفق لنا من أنها كابحة فحسب. فهي منتجة أيضاً من حيث أثرها طالما كانت هي التي تشكل فعل الأفراد فتعمل من خلالهم لا ضدهم وتعين على تشكيلهم لأنهم حملتها[2].
من الناحية الأخرى رغبت في الورقة أن أوسع التعبير الإبداعي ليتخطى الأثر المكتوب كالرواية أو القصيدة إلى تعبيرات لسواد الناس اشتهرت ب"الفلكلور". وهو مصطلح جعلها إبداعاً من الدرجة الثانية وما هي كذلك. فسبق لي القول إنه لا يولد عمل ما فولكلوراً. فلم يكن الحاردلو يعد نفسه منتج فلكلور حتى نشأت تعبيرات صفوية مدينية "فاكه الخط" (أي مكتوبة) جعلت من مساديره الغراء فلولكوراً لا يدها ولا كراعها. وأردت، متى وسعت معنى الإبداع هذه التوسعة، أن أقف على حيل تعبيرات غمار الناس لمساءلة السلطان وحربه. واستصفيت من هذه الحيل وسيط الضحك الذي تستثمره تلك التعبيرات لتهزأ بالسلطان الذي الصرامة والقحاحة أس بأسه الشديد.
ويقع البحث في إطار نظر نقدي لخطاب الحداثة السودانية كَلِفت به منذ عهد قديم. فخرج علينا المسلم العربي السوداني من هذا الخطاب كسمج كئيب وخال من التفكه. وللخطاب تفسيرات شاطحة لهذا "العبوس" السوداني المزعوم. فهو يستعين، في غير ما حاجة، بسلم النشوء في علم المجتمع، الذي يدرس طبقات إرتقاء الأمم من البدائية إلى مدارج الحضارة، لبحث أسباب جدية السودانيين وجفاف حسهم بالفكاهة. فقرأت لحسبو سليمان، النطاسي النفساني المشهور، ومن المعتقدين في سلم التطور المذكور الذي تتكافأ فيه درجة التحضر طردياً مع الطلاقة في الضحك، ليرد عجز السودانيين في مادة الضحك لبداوتهم وبلههم الريفي[3]. وهناك من يُحَمِّل الإسلام وحده قمع الحس الفكاهي في المسلمين السودانيين[4]. ورأينا حتى مذ عهد قريب عالماً أنثربولجياً يرد صعود نجم الأصولية الإسلامية ونجاحاتها السياسية إلى كآبة السودانيين العرب المسلمين وتعسهم[5]. فالأصوليون وفق هذا التحليل يبدون كفاقد فكاهي[6]. وأذكر مبتدأ تداخلي مع علم اجتماع نقص الفكاهة هذا إلى مقالة نشرتها ب "الحياة" الأسبوعية في نحو 1970. واستفدت من جنس شعر شعبي فكاهي هجائي اسمه "الطِري" (من طرى، ذكر)، وهو نقد لاذع ساخر للمسئين في أداء اجتماعي ما، لأجادل بأنه لا تشوب حس هذه الجماعة من السودانيين بالفكاهة شائبة.
فزَعمُ خطاب الحداثة أنه لم يسبق للسودانيين الضحك لأسبابهم الموصوفة محض سلطنة من ذلك الخطاب القابض وعر التأويل. فأخضع لمشيئته المخيال الاجتماعي، في قول محمد أركون، المتصف بالحرية والتلقائية والتغيير والمكر[7]. فمتى نزعت الضحك من الناس نزعت منهم بذرة للتمرد ووسيلة للهزء بالسلطان ونظمه العابسة. فأعجبني من والدتي دائماً قولاً مصاغاً في قالب الحديث النبوي (ومثله كثير) يقول: "النفس الكارة والجبهة الصارة خروج روحها للنار". وهذا القول الذائع بين النساء ربما قصدن به صرامة وجوه الرجال الموصوفة بأنها "خناجر" في البيت غيره. وفي القول إذنٌ عريض للمخيال الاجتماعي ليضحك ما شاء. بل جعل المزاح فرضاً من لم يقم به كان مصيره جهنم وبئس المصير.
[1] https://www.youtube.com/watch?v=Q1UtHxSAMO8
[2] Steven Lukes, Power: A Radical View (New York: Palgrave, 2005), 88-98.
[3] الصحافة 22 أغسطس 1983.
[4] محمد المكي إبراهيم، الرأي العام 15 ديسمبر 1963.
[5] حيدر إبراهيم، أزمة الإسلام السياسي (القاهرة: مركز البحوث العربية، 1991)، 123-145.
[6] The New York Times, September 2, 1992.
[7] Leonard Binder, Islamic Liberalism (Chicago: University of Chicago Press, 1988). Mohamme Arkoun, Imaginaire Social et leaders dans le Monde Musulman Contemporain. Arabia 35 (1988):18-35;
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.