"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل ستؤدى المفاوضات الى سلام دائم فى السودان؟
نشر في الراكوبة يوم 19 - 07 - 2016

واهم من يظن ان حكومة الجنرال البشير قد جنحت الى المفاوضات مع المعارضة لانها ابت الى الرشد واخلصت النوايا الصادقة. فالدافع الاول لهذه الخطوة هو الحصار الخارجى اضافة الى تحرك الولايات المتحدة وحلفاءها من اجل انقاذ نظام البشير لا سيما انه اصبح اخر معقل للتنظيم الدولى للاخوان المسلمين فى الوطن العربى يمسك فيه تنظيمهم العميل بزمام السلطة. وامريكا لا تريد ان تفقد نظام عميل اخر وهى ما زالت تعض اصابع الندم بعد ان اضاع عليها الثوار فى مصر وتونس الفرصة. ولم يتبق من ثمار الربيع العربى سوى بصيص امل ضئيل فى ليبيا لكن قطوفه ليست دانية لامريكا, وان زالت داعش سيصبح املها فى مهب الريح
ولانه مجرب ويفهم اصول اللعبة جيدا, فقد اختار تنظيم الكيزان الحاكم فى السودان ان يؤدى مهمة الديوث القواد واطلق على ذلك العمل اسم التعاون الامنى مع امريكا. وهو عمل فى ظاهره تعاون من اجل مكافحة الارهاب لكن جوهرة هو عملية تبادل منافع تستطيع امريكا خلالها ان تنفذ خططها فى المنطقة فى مقابل تقديم الحماية لنظام البشير. وقد كافأت امريكا حكومة البشير بان سمحت لبعض شركاتها بان تدخل منتجات وخدمات تقنية الى السودان. وعلى نفس المنوال شرعت الحكومة الامريكية فى برنامج تدريب عسكرى لخمسين ضابطا من جهاز امن الدولة السودانى وفقا لما اوردته بعض الصحف السودانية. وبرغم العمالة فان سيف العقوبات الامريكية سيظل مسلطا على رقبة الحكومة السودانية المنحنية لان اسم السودان لم يشطب بعد من قائمة الدول الداعمة للارهاب
كثرت الضغوط الشعبية على النظام ومنذ انتفاضة سبتمبر 2013 اصبحت المقاومة تتطور نوعيا وكميا. كذلك طورت منظمات المجتمع المدنى من اساليب عملها المعارض. وزاد التململ فى اوساط الجيش والشرطة. وحين استخدمت السلطة العنف ضد مظاهرات الطلاب الاخيرة انبرى بعض قادة هذه الاجهزة للامر ونافحوا بصورة واضحة. ولعل احد اسباب التململ هو استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين فى سبتمبر 2013 والذى ادى الى ازهاق ارواح عشرات الضحايا ولاشك ان من بين الضباط من تربطهم صلة قرابه بهؤلاء
لم تك الضغوط الشعبية هى المحرك لكن الفشل فى التعامل الناجع مع انتفاضة سبتمبر 2013 كان هو الدافع الرئيسى الذى جعل البشير يطيح بنائبه السابق على عثمان والرجل الثانى فى الحزب الحاكم نافع على نافع وعدد كبير من الوزراء والولاة. وبعد عدة اشهر شكل الرئيس حكومة من الوجوه الجديدة معظمهم متحمس لكن تنقصه الخبرة والحنكة السياسية. لكن ليالى البشير لم تخلو من الكوابيس الكثيرة
على عثمان طه سياسى متمرس شغل عدة مناصب سياسية وظل على قمة هرم السلطة منذ عهد الرئيس الاسبق جعفر النميرى ولم يغب عنها الا فترة وجيزة فى بداية حكم البشير الذى اطاح بالحكومة الديمقراطية عام 1989. وفى البدء كان يستمد الرجل قوته من دعم شيخه زعيم الحركة الاسلامية د حسن الترابى لكنه انقلب على شيخه فى بداية الالفية وانضم الى جناح البشير فى ما سمى بعملية المفاصلة بين الاسلاميين. ومنذ ذلك الحين اصبح يسعى الى توطيد زعامته بشتى الطرق مثل انشاء ميليشياته شبه العسكرية القوية والتى ينفق عليها بسخاء. وقد اناط باعناق هذه الميليشيات مهمة حمايته الشخصية اضافة الى القيام بالعمليات القذرة التى لا يستطيع جهاز امن الدولة القيام بها. ولم يقف على طه عند هذا الحد بل شرع فى توسيع امبراطوريته المالية والتجارية الضخمة, وقد ساعده نفوذه على ذلك فنهب الاموال واستولى على اراضى الدولة وممتلكاتها وممتلكات الافراد وسخر القانون لمصلحته. والرافد الثالث لمصادر قوة الرجل هو مقدرته على التنظير والتخطيط الاستراتيجى والبطش. وقد اقتنع عراب النظام د حسن الترابى بتلك المقدرات فقام بانشاء وزارة سميت وزارة التخطيط الاجتماعى وعين على راسها على عثمان
ولان المحامى على عثمان طه خبيث بطبعه فقد حور مفهوم التخطيط الاجتماعى ليختصره فى برامج هندسة سكانية الهدف منها تخريب المجتمع السودانى, وقد فعل ذلك باستخدام اسلوب الصدمة. وتمت الصدمة فى شرق السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق عن طريق الحرب, اما فى شمال السودان والخرطوم والجزيرة والنيل الابيض فقد استخدم لذلك الكوارث الناتجة عن السدود والحرائق ونزع الاراضى بالقوة العسكرية. والجانب الاخر من التخريب الاجتماعى هو فتح ابواب السودان امام هجرة بدون اى ضوابط. واصبح السودان مفتوحا للعابرين والمغامرين ومهربى السلاح والمتاجرين بالبشر. ولا تكلف الحكومة نفسها عناء تسجيل الاجانب وهو عمل يشكل الحد الادنى من التزاماتها تجاههم وتجاه مواطنيها. ومع كل هذه الامكانيات فان النائب السابق للبشير يمكن لى ذراعه بسهولة. فاصابع الاتهام تشير اليه باعتباره المخطط والمشرف على محاولة اغتيال الرئيس المصرى الاسبق حسنى مبارك فى اثيوبيا. كذلك فانه شخص غير مامون الجانب لانه انقلب على شيخه ورئيسه ومؤسس الحركة الاسلامية فى السودان د حسن الترابى
الدكتور نافع على نافع يشبه زميله على عثمان فى انه ليس من العسكريين لكنه يمتلك ميليشيات شبه عسكرية تعمل على حمايته وتنفذ مهاما امنية قذرة. والاستاذ الجامعى السابق د نافع على نافع كان رئيسا للتنظيم السرى للحركة الاسلامية قبل ان يتم تعيينه رئيسا لجهاز امن الدولة فى بداية حكومة الجنرالات. وهو يشبه على عثمان كذلك فى البطش والبلطجة وظلم الناس والاستيلاء على ممتلكاتهم واراضيهم الزراعية ومراعى الابل والماشية بالقوة, لهذا اصبح من اغنى اغنياء الحركة الاسلامية واقذرهم .ومع كل هذا فان له نقاط ضعف واضحة. اول هذه النقاط هى مسؤوليته عن الجرائم التى ارتكبها جهاز امن الدولة ابان رئاسته له. وفى تلك الفترة انشأ المعتقلات السرية التى كان يتم فيها الاغتصاب وتعذيب المعتقلين السياسيين تعذيبا وحشيا اودى بحياة بعضهم. وقد سميت هذه المعقلات بيوت الاشباح لهول ومرارة التجارب فيها. وهو كذلك متهم بالضلوع فى محاولة اغتيال حسنى مبارك. عونا على ذلك فان من بين الذين تمت تصفيتهم بعد فشل تلك العملية, ضباط من جهاز امن المجتمع وهو كان فى الاصل فرعا من التنظيم السرى للحركة الاسلامية الذى كان يراسه نافع على نافع. اما علاقة نافع القوية بايران فانها اصبحت تشكل عبئا كبيرا عليه بغض النظر عما حققه من خلالها فى السابق من مكاسب مادية وغيرها
ولان البشير مازالت ترتعد فرائصه حين ياتى ذكر الحرس القديم من حزبه فقد لجا الى عدة تدابير امنية وسياسية لحماية نفسه. فمن ناحية امنية قام بالحاق ميليشيا الجنجويد شبه العسكرية بجهاز امن الدولة واوكل اليها مهاما كان يقوم بها الجيش فى السابق. والمعروف ان هذه الميليشيات قد قامت بانتهاكات فظيعة واقترفت جرائم حرب فى دارفور وجبال النوبة وقد اتهم احد قادتها وهو على كوشيب بجرائم حرب وجرائم ابادة وهو مطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية فى لاهاى. والبشير هو القائد الاعلى للقوات المسلحة لذلك يعتقد ان هذه الميليشيات ستكون لها اعين فى الجيش واخرى فى جهاز امن الدولة وبذلك ستوفر له الحماية من اعتداء محتمل من قوات تابعة لاحد متنفذى الحركة الاسلامية او من المعارضة. واذا اضفنا دافع التضامن العشائرى الى اغراء المال والسلطة فاننا نجد ان هذه الميليشيات تشكل خطورة كبيرة على حياة السودانيين لو حدث انفلات امنى فى هذا القطر الكبير. وبالرغم من المكاسب العسكرية المحتملة للبشير فان تجربة السودانيين مع الميليشيات شبه العسكرية تجعل الشعب السودانى يزداد عدواة للبشير حين يتذكر الماضى المؤلم والمستقبل المرعب لميليشيات النظام
ولكى يحقق مكاسبا سياسية عاجلة عين البشير طاقما جديدا فى الحزب والحكومة به عدد كبير من الاكاديميين المؤهلين لكن تنقصه الخبرة والحنكة السياسية. وقد تعجلوا واشتد دأبهم من اجل انجاز المهام العاجلة التى تهم الرئيس البشير فكلفوا فريقا يضم العشرات من الدبلوماسيين والقانونيين السودانيين والعرب لكى يتولى ملف المحكمة الجنائية الدولية. ونجح الفريق فى تكوين لوبى فى الخارج اقنع الدول المقتدرة بان تغض الطرف عن تحريك قضية البشير من داخل مجلس الامن الدولى. كذلك نجحوا فى زرع الطمانينة فى الادارة الامريكية بجديتهم فى التعاون وجعلوها تعطيهم وعودا برفع الحظر الاقتصادى عن السودان ورفع اسمه من قائمة الدول الداعمة للارهاب
وبالبرغم مما يبدو انه انجاز كبير فى ملف المحكمة الجنائية الدولية الا ان فترات نوم البشير القصيرة اصبحت تزداد فيها الاحلام المزعجة. وامر الجنائية لم ينتهى بعد وطلب تسليم الرئيس جاهز ويمكن تفعيله بواسطة اى دولة من دول المحكمة, والتهم الصادرة من هذه المحكمة لا تسقط بالتقادم. وهنالك اكثر من مئة دولة انضمت الى المحكمة الجنائية الدولية وهى مستعدة للقبض على المتهم البشير وتسليمه فى اللحظة التى تطأ قدماه المرتجفتان اراضيها. كذلك فان المحكمة قد تلجأ الى فرض العقوبات واذا صادق عليها مجلس الامن تكون ملزمة لكل الدول. والعقوبات تشمل منع البشير وكبار المسؤولين فى الدولة من السفر وتجميد ارصدة البشير فى الخارج او مصادرتها ومنع افراد اسرته من السفر وفرض الحظر على تصدير السلاح وفرض وصاية على صادرات السودان اذا اشتبه فى استخدامها لتمويل الحرب وغيرذلك من العقوبات
والبشير يشعر بالضعف الداخلى لانه معزول عن الشعب ولانه لا يحظى بدعم الجيش والشرطة. صحيح انه لجأ الى اضعاف الجيش فى بواكير فترة حكمه املا فى ان يجد حماية كافية من جهاز امن الدولة ويضمن عدم تمكن الجنرالات من الانقلاب عليه. لكن تدخل الميليشيات شبه العسكرية واستخدامها العنف المفرط لفض المظاهرات السلمية البت بعض القادة العسكريين عليه. وفى السنوات الاخيرة ازدادت حدة انتهاكات الميليشيات وازدات القتل خارج نطاق القانون والاختفاء والاغتصاب وغير ذلك من صنوف ارهاب المعارضين
وبرغم التخريب المتعمد الا ان المجتمع السودانى ظل يحتفظ ببعض خصاله الحميدة ومنها التضامن الاسرى. وقد وجه بعض قادة الجيش والشرطة فى الاونة انتقادات علنية بخصوص استخدام العنف المفرط لفض مظاهرات طلاب الجامعات وفصل بعضهم لاشتراكهم فى مظاهرات سلميه. وبالرغم من الطمانينة العابرة التى قد تجلبها ميليشيات الجنجويد للرئيس البشير الا انه لا يستطيع ان يمسح من ذاكرة السودانيين السمعة السيئة للميليشيات شبه العسكرية. واذا اشتد الحصار على ميليشيات الجنجويد فانها ستولى الادبار عائدة الى الصحراء التى اتت منها وتترك البشير يواجه مصيره المحتوم
ويبدو ان الحوار هو الورقة الاخيرة التى اراد البشير ان يلعب بها. والمعارضة تعلم انه غير صادق لكنها وافقت على الدخول فى الحوار استجابة للضغوط الدولية, وهى ضغوط تتجاهل رغبات السودانيين فى ارساء سلام دائم وعادل. وقد بدا الحوار فى الخرطوم مع تنظيمات كرتونية ولم يفلح فى الخروج بتوصيات تعالج جذور الازمة. ولان الازمة لم تزداد الا سوءا فقد برز المبعوث الافريقى ثامبو امبيكى وانحاز الى جانب الحكومة ووقع معها على خارطة طريق السلام التى صاغتها. واصبحت الخطوة عامل حفز شجع الحكومة على وضع خطة تضغط بها على المعارضة كى توافق على مشروعها للسلام الناقص
خطة الحكومة ترمى الى السماح للحركة الشعبية بان تحكم ولايتى النيل الازرق وجبال النوبة, على ان تشارك مشاركة رمزية فى الحكومية والبرلمان الفدراليين. اما حركات دارفور فانها لن تتمكن من المشاركة فى الحكم الا عن طريق اطار الدوحة للحوار. ولان السلطة الانتقالية لدارفور قد انتهت مدتها فان الباب اصبح مفتوحا امام احد زعميمى دارفور المفاوضين فى الدوحة بان يتولى رئاسة السلطة الانتقالية القادمة فى دارفور. ولان الرئيس السابق لدارفور كان من قبيلة الفور فان الرئيس القادم سيكون من قبيلة الزغاوة حسب تخطيط الحكومة. والصادق المهدى سيظل زاهدا فى الحكم. هكذا يفكر اولى الامر فى الخرطوم ذوى العقل الغبى الذى يسعى الى حصر المشكلة فى الترضيات القبلية والحزبية. لكنهم لا يكتفون بذلك التبسيط الماكر بل يحلمون بان تغدق الدوحة مرة اخرى الاموال على الموقعين وعلى مسانديهم. واذا افلحت الضغوط القبلية والدولية فى اجبار مناوى وجبريل على التوقيع فهل تحل المشكلة؟ بالتاكيد لا, لان الحلول الجزئية للازمة قد جربت وفشلت كلها
ولان الحكومة افلحت فى زرع الفتن والتشرذم والنزعات العنصرية والجهوية فى السودان فانها مازالت تحلم بانها ستنجح فى ان تعقد اتفاقيات سلام منفردة مع كل طرف لوحده. ومن اجل هذا الهدف قامت بالتفاوض مع المعارضين عزين. واذا قبل المفاوضين مقترحات الحكومة فان كل زمرة سيسمح لها بان تاخذ مزعة من لحم ثور السلطة الهرم, وهى قسمة ضيزى
والازمة فى السودان معقدة جدا ولا يمكن ان تختزل فى مسالة خلاف على السلطة والثروة. فالحرب الاهلية هى الاطول فى افريقيا والاشد قذارة ويكفى انها ازهقت ارواح مليونى سودانى من جنوب السودان وشرقه ومن دارفور وكردفان والنيل الازرق. وشردت الحرب خمسة ملايين فى الداخل والخارج ومازال مثل هذا العدد يعيشون على المساعدات الغذائية التى تقدمها المنظمات. والسودان قطر غنى بالموارد المائية ونهر النيل, وهواطول نهر فى العالم, يمر عبر القطر الى ان يصب فى الدلتا فى مصر. وفى مصر لا توجد مجاعة على الرغم من ان عدد سكان مصر يكاد يبلغ ثلاثة اضعاف سكان السودان. والسودان غنى بالمعادن الثمينة مثل الذهب واليورانيوم واستخرج البترول من ارضه وما زالت اعمال التنقيب تكشف عن المزيد من احتياطى البترول. فالمسالة ليست فى السلطة والثروة فحسب. واى حكومة عاقلة يمكنها ان تنفق من ثروات البلد ما يضمن لها الاستقرار. لكن المسالة تكمن فى عدم قبول الاخر المغاير. نعم هنالك تنوع وتعدد اثنى وثقافى ودينى فى السودان لكن البعض يريد ان يحتفظ بالسلطة زاعما, دون وجه حق, بان له امتيازات اكتسبها عن طريق انتمائه الدينى والثقافى. ولان الدين اصبح عاملا حاسما فى الصراع السياسى فى السودان خاصة فى العقود الاخيرة فان تجاهل هذا الامر وعدم حسم مسالة علاقة الدين بالدولة يجعل اى مفاوضات سلام غير ذات جدوى
ومشكلة السودان ليست معزولة فقد مرت دولا كثيرة بازمات مماثلة وخاضت حروبا دموية لكنها وجدت حلولا لمشاكلها. ونحن لا نريد ان نعيد اختراع العجلة لذلك يجدر بنا ان ننظر الى تجارب الاخرين وناخذ منها ما يتوافق مع وضع بلادنا. فهنالك دولا غربية كثيرة منها سويسرا وبريطانيا وكندا وامريكا واستراليا وضعت دساتير وقوانين استطاعت ان تحل مشاكل التعدد والتنوع وتجعل مجتمعاتها تعيش فى سلام. وفى المنطقة هنالك تجربة نيجريا وجنوب افريقيا ولبنان وتونس , وهى تجارب تفيد بلا شك فى وضع اتفاقية لسلام دائم فى بلد مزقته الحرب وانهكته وخربته
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.