الجزائر تقترح لقاء قادة ثلاثي لحسم لحل أزمة سد النهضة والسودان يقبل    أحمد يوسف التاي يكتب: هذه مشكلة الشرق ببساطة    الغنوشي: الإمارات وراء انتزاع السلطة في البلاد    القبض على 10 أشخاص ينصبوب "نقطة ارتكاز" عسكرية في الخرطوم للابتزاز    ضبط شبكة تعمل في توزيع العملة الأجنبية المزيفة بالنيل الأبيض    سهير عبد الرحيم تكتب: رحلة الولايات (عطبرة – بورتسودان)    ما هي البيانات التي يرسلها تطبيق واتساب إلى فيسبوك    وزيرة الخارجية تبحث مع نظيرها الجزائري تطورات سد النهضة    وزير الطاقة يعلن انتهاء برمجة قطوعات التيار الكهربائي    وزير الاستثمار يدشن الاجتماعات التحضيرية لملتقى رجال الأعمال السوداني السعودي    مطالبات بإشراك المجموعات الثقافية في تأبين القدال    سودانية (24) والتسعة الطويلة    مصر تعزّي تركيا في ضحايا حرائق الغابات    الدفاع المدني: منسوب النيل الأزرق وصل مرحلة الفيضان    قائمة انتظار تصل ل10 أسابيع لكي تتذوق "أغلى بطاطس مقلية بالعالم"    ونالد ترامب: وزارة العدل الأمريكية تأمر بتسليم السجلات الضريبية للرئيس السابق إلى الكونغرس    "حاميها حراميها".. الشرطة تكتشف المذنب في مقرها الرئيسي    مصرع ثلاثة أشخاص غرقا بولاية الحزيرة    نتيجة صادمة.. خبراء ألمان يختبرون الساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية    تظاهرت بالموت والدم يملأ فمها لتنجو.. زوجة رئيس هايتي تكشف تفاصيل ليلة اغتياله    تحديث .. سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 31 يوليو 2021 في السوق السوداء    المجدفة إسراء خوجلي تحتل المرتبة 32    السودان ينتج 30 طن ذهب خلال 6 أشهر    حصل على عقد كبير غارزيتو في الخرطوم اليوم    لجنة أمن شمال دارفور تكشف ملابسات الاعتداء المسلح على قسم شرطة الفاشر    زين العابدين صالح يكتب: حزب الأمة القومي و بروز تياران متعارضان    وزير التجارة : استقرارٌ وشيكٌ لأسعار السلع    «راديو البنات»… إذاعة نسوية متخصصة وصوت متفرد للسودانيات    الأسماء الحقيقية لبعض الفنانين.. بعيداً عن الألقاب    الكوادر الصحية بمستشفى كوستي تضرب عن العمل لأغرب سبب    جمعية عمومية ولقاء تفاكري بنادي المريخ اليوم    احباط تهريب ذهب زنة 7.544 كيلو بمحلية ابو حمد بولاية نهر النيل    شاكيرا مهددة بالسجن… بسبب 16مليون دولار    مذكرة أميركية تؤكد تغير الحرب على كوفيد وتحذر من دلتا    باب التقديم مفتوح.. "تويتر" يطلق مسابقة جائزتها 3500 دولار    الإفراط في تناول المسكنات يؤدي إلى الإصابة بالسرطان    السعودية.. السماح بدخول حاملي التأشيرات السياحية من الدول المسموح القدوم منها بشرط التحصين الكامل    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (17) سبيكة ذهب تزن (935، 83) كيلو جرام بحوزة متهمان    النائب العام: اكتشاف مقابر يُرجّح أنّها لضحايا المخلوع    محاولات لعناصر موالية للنظام السابق لاجهاض العدالة وطمس الحقائق    الكورونا … تحديات العصر    الاقتصاد السودانى: كيفية الخروج من المأزق الماثل…    دبابيس ود الشريف    زهير السراج يكتب سِيد البلد !    السعودية تفتح ابوابها لحاملى التأشيرات السياحية    في أول إطلالة له على الزرقاء عادل حسن يتحول من عازف إلى مغنٍّ    الهند تبحث فرص الاستثمار بشمال كردفان    الهلال يواصل إعداده لهلال الساحل    أثبت حضوراً فاعلاً في الآونة الأخيرة محمود الجيلي.. شاعر جيل!!    وزير الزراعة يترأس وفد السودان بالقمة التمهيدية للغذاء العالمي    مبارك عبد الوهاب.. الشاعر المنسي في ذاكرة (قصب السكر)!!    الشرطة يواصل التحضيرات والجهاز الفني يكثف العمل التكتيكي    طبيب يكشف المواد الغذائية المسببة لتكون حصى الكلى    بالفيديو: ردود أفعال ساخرة في مواجهة كمال آفرو بعد تصريحه (أنا بصرف في اليوم 10 مليون فمايجيني واحد مفلس يقول لي عايز بتك)    نكات ونوادر    أنت بالروح.. لا بالجسد إنسان!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    هل يجوز الدعاء لمن انتحر وهل يغفر الله له ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السياسة الخارجية للرئيس محمد مرسي
نشر في الراكوبة يوم 13 - 09 - 2012


معهد العربية للدراسات والتدريب
تتناول هذه الدراسة التي أعدها الباحث السياسي غاندي عنتر، السياسة الخارجية للرئيس المصري محمد مرسي، وسط كل الافتراضات الجدلية التي تموج بها الساحة السياسية والإعلامية في مصر والمحيط العربي والإقليمي، وتحاول الاستشراف أو التكهن بوضع مصر، على الخريطة الدولية بعد ثورة 25 يناير، التي أطاحت بنظام حسني مبارك، وجاءت لأول مرة في تاريخ البلاد برئيس مدني منتخب عبر الصناديق الانتخابية، في أول تجربة ديمقراطية في مصر بعد الثورة.
ربما كانت المخاوف والتطمينات واردة مع كون الرئيس منتميا لجماعة الإخوان المسلمين، أو ما يعرف بتيار الإسلام السياسي والذي برز مؤخراً كأهم الفاعلين في الساحة السياسية في مصر والمنطقة العربية.
الإخوان والرئاسة المصرية
رشحت جماعة الإخوان المسلمين نائب مرشدها المهندس خيرت الشاطر لخوض غمار انتخابات الرئاسة في مصر، حاملاً برنامجاً يعرف ببرنامج ‘‘النهضة'' أو ‘‘نهضة مصر'' بعدما ظلت الجماعة تنفى توجهها لترشيح أحد افرادها في الانتخابات علي مدار عام ونيف، من سقوط نظام مبارك في 11 فبراير سنة 2011، مما ادى إلي حالة من السخط والغضب في الاوساط الشعبية والحزبية في مصر من قرار الجماعة بترشيح أحد أعضائها، عودة عن هذا الالتزام، ولكن كان للجماعة مبرراتها في هذا الأمر.
لم يكمل خيرت الشاطر سباق الانتخابات الرئاسية بسبب موقفة القانوني الذي منعه من استكمال الانتخابات، مما دعا جماعة الإخوان المسلمين للدفع برئيس حزبها الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي، رغم أنه لم يكن يتمتع بشهرة خيرت الشاطر، لكنه معروف لدي الأوساط السياسية والحزبية كونه رئيس حزب الاكثرية في البرلمان المنحل غير كونه رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان في الدورة البرلمانية من 2000-2005.
اكمل مرسي السباق كأخر المرشحين بعد خروج المهندس خيرت الشاطر والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل واللواء الراحل عمر سيلمان رئيس جهاز المخابرات المصرية السابق، واحد أهم رجال الرئيس السابق, وحمل مرسي مشروع النهضة الذي كان يحمله سابقه خيرت الشاطر والذي يولى للسياسة الخارجية لمصر قدراً كبيراً من صفحاته فيرى الأخوان المسلمون في مشروع النهضة، أو برنامج الرئيس، إنه لأبد وأن تعود لمصر ريادتها ومكانتها الخارجية كما كانت عليه من قبل لما تتمتع به مصر من موقع جيوسياسي وإقليمي يجعلها من اهم دول المنطقة المصدر:(عدى جوني , أهمية مصر الجيو إستراتيجية , موقع الجزيرة نت , 11/2/2011)
وينطلق مبدأ الريادة الخارجية لدى الأخوان من الدوائر المحيطة بداية من الدائرة العربية ثم الإقليمية والدولية, ورسم سياسة خارجية متزنة مع الجميع ومبدأ المعاملة الندية مع الولايات المتحدة الأمريكية والحافظ على المصالح المشتركة بين الدولتين لا مبدأ التبعية ورسم سياسة تعاونية مع الدول الافريقية التي تجاهلتها الادارات المصرية المتعاقبة عد الحقبة الناصرية التي اهتمت بالشأن الافريقي والعربي المصدر: ( البرنامج الرئاسي للدكتور محمد مرسي 2012, مشروع النهضة, الريادة الخارجية من ص 73-76)
في الرابع والعشرين من يونيو الماضي أعلن فوز المرشح محمد مرسي رئيساً لمصر، وعمت الاحتفالات جميع أرجاء الدولة المصرية خاصة بعد احتدام المنافسة بين مرشح الاخوان المسلمين وأخر رئيس وزراء للرئيس السابق الفريق أحمد شفيق، وسادت حالة من الترقب لوضع الرئيس الجديد، ومدى صلاحياته خاصة بعد فرض المجلس العسكري الحاكم في مصر في تلك الفترة اعلان دستوريا مكملا يحد من صلاحيات الرئيس الجديد.
إن وصول رئيس ذي خلفية اسلامية وينتمي إلي اكبر حركات الإسلام السياسي، كان يستدعي- ولا بد- إرسال العديد من رسائل الطمأنة للعالم الخارجي، توضح شكل العلاقة بين مصر وغيرها من الدول. فقد كان الخطاب الشعبي الذي ألقاه الرئيس الجديد محمد مرسي من ميدان التحرير، رمز الثورة المصرية، خطباً حماسياً علي المستوي الداخلي وهادئاً ومتزناً علي مستوى العلاقات الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالمعاهدات التي وقعتها الدولة مع غيرها من الدول، بدأ الرئيس المنتخب خطابه للعالم الخارجي بطمأنته بأن مصر تحترم معاهداتها، وأن تعامل الجميع بمبدأ الاحترام المتبادل ولا تسعي مصر الجديدة إلى التدخل في شؤون الدول، كما لا تقبل مصر بأي حال من الاحوال أن يتدخل أحدً في شؤونها الداخلية. كانت هذه إحدى الرسائل المهمة التي وضحت شكل مصر الجديدة خارجياً، كما أكد الرئيس ايضاً في خطاب التنصيب، الذي أذيع علي التلفزيون الرسمي للدولة على تلك المعاني التي ترسم شكل السياسة الخارجية المصرية مع الدول الأخرى.
سنقوم خلال هذه الورقة بتسليط الضوء على بعض التحديات والفرص التي سيواجهها الرئيس محمد مرسي في سياسة مصر الخارجية خاصة في علاقة مصر بإسرائيل وإيران وإفريقيا والدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي، وكذلك مع القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا ودول الاتحاد الاوربي، وغيرها من الدول التي لها تأثير على مستقبل السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات – وربما العقود – القادمة.
تحديات السياسة الخارجية
تزامن وقوع الثورة المصرية، مع بزوغ مجموعة كبيرة من التحديات التي ستعيق في المستقبل أي نظام سياسي، خاصة في مجال السياسة الخارجية، وذلك لأن النظام السابق كان قد فشل في رسم سياسة خارجية متزنة مع الجميع وخاصة دول الجوار مثل ايران وتركيا وبعض الدول العربية الكبرى، فإلى جانب العديد من التحديات الداخلية، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كحالة عدم الأمن والاستقرار الداخلي، تفشي البطالة وتعطل حركة الانتاج والعمل القومي، تراجع حجم الاحتياط النقدي وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المصرية نتيجة ارتفاع نسبة التضخم خلال الفترة التي أعقبت الثورة المصرية، وغيرها من الأوضاع المتردية التي تعوق من عملية تخصيص الموارد واستغلالها وتوظيف موارد القوة الوطنية لتحقيق الفاعلية على المستوى الخارجي، إلى جانب ذلك كانت هناك مجموعة من التحديات الخارجية (على المستوى الاقليمي والدولي) منها على السبيل مايلي:
السودان وليبيا والعلاقات بإيران وإسرائيل
لعل أخطر التحديات التي ستواجه الرئيس المنتخب محمد مرسي في مجال السياسة الخارجية تتعلق بكيفية إدارة العلاقات الاقليمية مع الدول المحيطة بمصر، خاصة تلك المرتبطة بالسودان وليبيا وفلسطين وسوريا. حيث مازالت منطقة الوطن العربي حبلى بالتغيرات والتطورات، التي من شأنها التأثير على المصالح والمكانة المصرية في المنطقة، وقد تجر مصر للانخراط في أحد الصراعات المسلحة. فالوضع في السودان على حافة الهاوية، فإلى جانب التقسيم الذي وقع في السودان العام الماضي، فإن وجود الدولة السودانية ذاته أصبح مهددا بقيام الشعب السوداني بالانتفاض على نظام الرئيس البشير، وهو الامر الذي لو تصاعد ستكون له تداعياته الخطيرة على منظومة الامن القومي المصري، خصوصاً في مجال الأمن المائي، مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود (كتهريب السلاح والمخدرات وغيرها).
التحدي الأخر هو الوضع الداخلي في ليبيا. فالأخبار المتناثرة هنا وهناك توحي بأن هناك عجزا من الحكومة الليبية في السيطرة على الأوضاع الداخلية، واستقرار ليبيا وعجزها عن حماية الحدود السيادية مع جيرانها، وهو ما يفسر تدفق تهريب الاسلحة إلى كل من مصر وتونس والسودان، وهو الأمر الذي يساهم في نشر أجواء عدم الاستقرار والاضطراب في منطقة شمال أفريقيا.
إن عدم الاهتمام المصري بالشأن الليبي، ومساعدة الليبيين على تخطي المرحلة الانتقالية وتدعيم عملية التحول الديمقراطي، ورفع مستوى كفاءة أجهزة الامن والشرطة وتقوية منظمات المجتمع المدني فيها، من شأنه أن يساهم في زعزعة الامن والاستقرار المصري وهو ما سيجعل أيدي الرئيس مرسي مغلولة في مجال التحرك الخارجي.
يمثل الوضع السياسي في سوريا تحديا كبيرا للرئيس مرسي في مجال السياسة الخارجية، فالثورة الشعبية هناك طال أمدها، ومازالت غير قادرة على الحسم، حيث نجح النظام التسلطي في دمشق في حشد بعض التأييد واستقطاب بعض القوى الداخلية والخارجية، وهو الامر الذي ساهم في تشتيت الجهود الساعية لحل هذه الأزمة، إن استمرار تأزم الأوضاع في سوريا قد يؤدي إلى انفجار الأزمة وخروجها عن مساعي الحل السلمي، وقد ينتهي بها المطاف بتدخل القوى الخارجية عسكرياً كما حدث في ليبيا. إن وقوع مثل هذا الاحتمال يمثل كابوساً مرعباً للسياسة الخارجية (والداخلية كذلك) المصرية، وتطوراً إقليمياً غير عادي، قد يقود المنطقة كلها للانخراط في حرب إقليمية، إن عناد وتشبث الرئيس السوري بالسلطة، ونضال الشعب العربي السوري الذي لا يلين من أجل الحرية والكرامة من جانب، وتعقد المصالح والمآرب السياسية والاقتصادية والجيو-استراتيجية المرتبطة بموقع سوريا في منظومة التوازن الاقليمي في الشرق الاوسط يجعل من الأزمة الراهنة في سوريا واحدة من أهم التحديات والاختبارات التي تواجه الرئيس المنتخب محمد مرسي لإثبات مدى كفاءته في مجال السياسة الخارجية.
هذا خاصة مع سيادة حالة من الاستقطاب الاقليمي المبني على أسس طائفية وعرقية ودينية بين الدول العربية وجارتهم إيران، فإن العلاقات المصرية – الإيرانية في عهد الرئيس مرسي ستكون أحدى التحديات الرئيسية. بسبب الخلافات التاريخية التي اتسمت بها العلاقات الإيرانية–العربية عموماً منذ الثورة الإسلامية في طهران، والعلاقات الإيرانية – الخليجية على وجه الخصوص، بات التقارب مع الجمهورية الإسلامية موضع عدم ترحيب من القوى العربية في الخليج العربي (وعلى رأسها المملكة العربية السعودية) التي تنظر (هي وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي) لها باعتبارها مصدراً للتهديد وخطراً على أمن واستقرار المنطقة، حيث يرى الكثير في الخليجيين أن لإيران أحلاما توسعية ونوازع للهيمنة على منطقة الخليج العربي اعتماداً على اختلال توازن القوى بين الطرفين، نتيجة التفاوت الهائل في حجم توزيع القدرات والامكانيات، وبالذات بعد احتلال العراق سنة 2003 وهيمنة الأطراف العراقية الموالية لإيران، على مقاليد السلطة والنفوذ على السلطة في بغداد.
إن مساعي الرئيس مرسي نحو التقارب وإعادة العلاقات مع طهران قد تتسبب في الكثير من المشاكل والأزمات الاقليمية، ليس فقط مع دول الخليج ولكن مع دولاً أخرى مثل لبنان والعراق وسوريا وإسرائيل، ناهيك عن القوى الكبرى. وعليه، فإن من مصلحة الرئيس مرسي رسم مسار خاص للعلاقات المصرية – الايرانية في المستقبل، يحرص خلالها على الإقرار بالمخاوف الخليجية، والتعهد بعدم التفريط في المصالح والدفاع عن امن واستقلال وسيادة دول مجلس التعاون الخليجي ضد أي تهديد إيراني، وكذلك العمل على وقف التغلغل الإيراني وتدخلها في شؤون بعض الدول العربية وبث الفرقة والتناحر بين أبناء الوطن الواحد. إننا لا نقول بان الرئيس مرسي لا يمكنه كتابة صفحة جديدة مع قوى اقليمية مهمة مثل إيران، ولكننا نطالبه بأن يضع علاقات مصر العربية قبل علاقاتها الإقليمية ومع دول الجوار الاستراتيجي، فالأقربون أولى بالمعروف.
أما أخطر التحديات الإقليمية التي ستواجه الرئيس مرسي هي إسرائيل. التي تعتبر أكثر الاطراف الإقليمية خسارة وتضرراً جراء نجاح الثورة المصرية. فعلاقات إسرائيل مع مصر منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد كانت تعتبر حجر الأساس في الحفاظ على الامن القومي الإسرائيلي, كونها مفتاح الحرب والسلام بينها وبين جيرانها، وسقوط نظام 'كامب ديفيد‘ سيبقي إسرائيل بدون حليف استراتيجي, بعد أن انهارت التحالفات الإسرائيلية مع كل من إيران وتركيا.
ومن المتوقع آلا تظل السلطة الفلسطينية والأردن حليفتين لها في المستقبل، إن إسرائيل تحيا الان في حالة رهيبة من عدم التيقن والشك والخوف، فهناك خوف شديد داخل إسرائيل من تحول مصر إلى نظام إسلامي, يتحكم فيه الإخوان المسلمون, يشيدون نظاماً إيرانياً على بعد أقل من 200 كيلو متر جنوب حدود إسرائيل, وتمتلك جيشا مسلحاً حتى أخمص قدميه بأسلحة أمريكية حديثة ومتطورة، فمصر بعد مبارك (تجادل إسرائيل) ستنضم لمحور 'الممانعة‘ والمقاومة, الذي سيكتسب سلاحاً جديداً ورهيباً, ألا وهو 'الجماهير العربية‘ التي تشعر الان بحريتها أكثر من أي وقت مضى, وتبدأ في تنظيم نفسها لصالح تحقيق اهدافها الوطنية البعيدة تماماً عما كان يريد مبارك.
إذا كانت الثورة المصرية هي مصدر التهديد الرئيسي لإسرائيل, فإن إسرائيل- كذلك- هي مكمن الخطر ومصدر التهديد الأساسي الذي يواجه مستقبل النظام الثوري المصري، وهو الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة، فقد تندلع حرب مصرية – إسرائيلية جديدة نتيجة الشعور المتبادل بالتهديد والوقوع في شرك الحسابات والتصورات الخاطئة القائلة بسهولة استخدام القوة العسكرية لإزالة هذا التهديد واحتوائه وردعه قبل فوات الأوان.
هذا التحول في توازن القوي سيعني إعادة تشكيل العلاقات المصرية– الاسرائيلية. حيث ستراجع مصر سياساتها وسلوكها تجاه إسرائيل بصورة تعيد لها سيادتها وحقوقها وكرامتها, خاصة فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني الذي يراه البعض من أهم المسببات وراء تراجع القيادة المصرية الاقليمية، هذه المراجعة قد تشمل, كما يقول ماجد كيالي, إعادة النظر في البنود المجحفة لحق مصر في اتفاقية كامب ديفيد على الصعيدين الامني والاقتصادي, وحقها في تواجد قوات عسكرية ثقيلة في سيناء وهو ما تمنعه بنود الاتفاقية التي تنص على بقاء الجزء الأكبر منها منزوع السلاح, وإعادة النظر في ملف تصدير الغاز بأبخس الأسعار, وحق استعمال إسرائيل لقناة السويس لأغراض عسكرية, ومسار التطبيع بينها وبين إسرائيل (رغم الرفض الشعبي المصري الجارف لذلك) ومسألة سيادة مصر على حدودها مع فلسطين (قطاع غزة) وتقويض سياسة إسرائيل الداعية لفرض الحصار على الشعب الفلسطيني. أما على المستوى الإقليمي, فمن المتوقع أن يسترجع النظام الإقليمي العربي عافيته بعد التغيير الذي حدث في مصر وربما سوريا, وسيكون أكثر قدرة على تحجيم مكانة إسرائيل في المنطقة.
التحديات الدولية
أما عن التحديات الخارجية التي تواجه السياسة الخارجية المصرية خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي فيمكن إجمالها في الآتي:
(1.)أوضاع الاقتصاد العالمي: سيكون للأوضاع الاقتصادية المتردية التي مازال يعاني منها النظام العالمي منذ العام 2008 بالغ التأثير على مستقبل السياسات الخارجية للدول الصغرى كافة، ومنها مصر. حيث ستمنع الأزمة المالية الدول والمنظمات الدولية المانحة من توزيع المساعدات والمنح والقروض المالية الأزمة لتدعيم ومساعدة الدول الضعيفة والتي تعاني من تراجع وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته عبر تراجع قيم وحجم المساعدات الغربية التي قدمت لمصر خلال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير، وهو الامر الذي سيبطىء من وتيرة الاصلاح والتعافي الاقتصادي في مصر، وبالتالي تحجيم الدور المصري الخارجي والاقليمي.
(2.)العلاقات مع الولايات المتحدة: باعتبارها أقوى حلفاء مصر على الساحة الدولية، فإن الرئيس مرسي من مصلحته الحفاظ على الطبيعة الودية لهذه العلاقات والعمل عل تعميقها. إلا إنه مطلوب منه كذلك العمل على تغيير شكل العلاقة التي كانت تربط بين مصر والولايات المتحدة قبل ثورة 25 يناير (التبعية). بمعنى أن طبيعة السلوك السياسي، ونوعية العلاقات بين البلدين من الأن ومستقبلاً لأبد أن تتوقف على مدى مساندة ودعم الولايات المتحدة لأمال وتطلعات الشعب المصري وسعيه نحو بناء مجتمع ونظاماً سياسياً ديمقراطياً, والحفاظ على استقلالية وسيادة القرار السياسي المصري الخارجي, واحترام إرادة ورغبة الشعوب العربية. ومدى التغير في الأسلوب الأمريكي في فرض سيطرته وإملاءاته وتدخله في الشئون المصرية واحترام السيادة المصرية وعدم الانحياز السافر لصالح إسرائيل فيما يتعلق بسلوكها الإجرامي واللاأخلاقي والمنافي للقانون الدولي فيما يتعلق بالفلسطينيين باستمرار احتلالها للأراضي العربية. وعلى الجانب الأخر, حجم المساعدات والمساعي التي يمكن للولايات المتحدة أتخاذها في سبيلها لتقريب وجهات النظر مع النظام الثوري الجديد في مصر, وتحثه على استمرار وتعميق علاقات التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
(3.)العلاقات مع الصين وروسيا: ارتباطاً بالعامل السابق فإن من أكثر التحديات التي ستواجه السياسة الخارجية للرئيس مرسي هي كيفية إدارة العلاقات المصرية مع بقية القوى الدولية، وعلى وجه التحديد العلاقات مع روسيا والصين. إن النظام الدولي القائم عبارة لوحة شطرنج ثلاثية الأبعاد، فهو بلا شك مازال نظاماً أحادي القطبية على المستوى العسكري والسياسي، ومتعدد القطبية من الناحية الاقتصادية، ولا قطبي من الناحية الثقافية والتكنولوجية. وهو ما يعني أن العلاقات الخارجية للدولة المصرية باتت معقدة للغاية. حيث تفرض مصالح مصر وأهدافها القومية على تنويع ارتباطاتها وتفاعلاتها وتحالفاتها الدولية، بما يساهم في تحقيق هذه المصالح، ولكن الظروف والضغوط والوقائع التاريخية تفرض عليها مراعاة طبيعة توازنات القوى الدولية السائدة، فقد تعتبر أحدى القوى الكبرى تعاون وتقارب مصر مع أحدى القوى الاخرى انحيازاً وتحالفاً ضدها، وهو ما سيضر بالمصالح المصرية، كونها غير قادرة على خوض وتحمل عقبات صراع القوى الكبرى.
المقصود هنا، أن على الرئيس مرسي انتهاج سياسات خارجية متوازنة في التعامل مع كافة القوى الكبرى، والابتعاد عن التحولات الراديكالية في رسم توجهات ومسارات السياسة الخارجية المصرية، فلا يمكن مثلاً الابتعاد عن التبعية للولايات المتحدة بالارتماء في أحضان الصين او روسيا أو غيرهما. فهذه لعبة خطرة وغالباً ما تكون عوائدها رخيصة.
الفرص
لعل من أهم الفرص التي تجعل المرء متفائلاً بمستقبل السياسة الخارجية المصرية، ومستقبل الدولة المصرية بشكل عام، على الرغم من كافة التحديات والمعوقات التي تقف في وجه الرئيس محمد مرسي، هي المكانة السياسية والاستراتيجية والفكرية التي تتمتع بها، والتي تجعل كافة القوى الكبرى تسعى لاستقرار مصر ومساعدتها على النهوض، وذلك من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار وتحقيق السلام في المنطقة، وحماية مصالحها في المنطقة. إن الخيار المتاح أمام مصر الأن هو – وكما يذكرنا شبلي تلحمي – كيفية انتهاز هذه الفرص Opportunities من أجل تدعيم وتنشيط وتفعيل أدائها Preferences الخارجي بما يخدم مصالحها وأهدافها الوطنية.
لعل من أهم الفرص المتاحة أمام الرئيس مرسي لتفعيل سياساته الخارجية هو توطيد علاقة مصر مع المؤسسات المالية العالمية المانحة (كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي). حيث ستساهم تسريع عمليات التحول الديمقراطي في مصر وعودة أجواء الأمن والاستقرار (التي هي من مهام الرئيس مرسي كذلك) في بناء ثقة ومصداقية هذه المنظمات، وبالتالي حثها على مساعدة وتمويل عمليات التحرر الاقتصادي وإعادة تنظيم السياسات الاقتصادية المصرية وتدعيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع معدلات النمو الاقتصادي، على الرغم من كافة الانتقادات الموجهة لمثل هذه التوجهات.
من الفرص الأخرى المتاحة أمام الرئيس مرسي لتفعيل سياساته الخارجية في المستقبل هو تدعيم علاقاته الاقليمية مع بعض القوى الإقليمية الاخرى، وعلى رأس هذه القوى تركيا. وقد بلغ حجم استثمارات الشركات التركية المستثمرة في مصر خلال العام الماضي حوالي 2 مليار دولار، متملثة في 423 شركة تعمل في مختلف القطاعات الاقتصادية، ووصل حجم التجارة البينية بين البلدين لحوالي 2.3 مليار دولار بنهاية العام الماضي. إن تركيا بما لديها من قوة اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية وثقافية (ناعمة) قد تكون خير دعامة لتفعيل الدور المصري، حيث سيكون من مصلحة تركيا وجود دولة ديمقراطية في مصر، لأن ذلك من شأنه خدمة المصالح التركية في المنطقة، كما سيخدم مصالح مصر الاقليمية.
أما أكبر الفرص المتاحة أمام الرئيس المصري محمد مرسي لتدعيم سياساته الخارجية وخدمة المصالح المصرية وتدعيم مساعي التقدم والإصلاح هو التقارب والتحالف مع دول الخليج العربي (دول مجلس التعاون الخليجي)، فهذه الدول بمثابة الحليف الطبيعي والأبدي للدولة المصرية، حيث تفرض العلاقات التاريخية التي سادها التعاون والتقارب من جانب، التقارب الثقافي والقومي والديني والعرقي والجغرافي بين الطرفين، على توطيد وتوثيق عرى التعاون بين الطرفين.
إن الظروف التاريخية الصعبة التي تحيا فيها مصر تفرض عليها التماس العون والمساعدة من إخوانها العرب (ولا عيب أو خجل في ذلك) وليس هناك أقرب من الدول الخليجية، التي أبدت استعدادها منذ اليوم الأول للثورة المصرية على تقديم المساعدة والعون للدولة وللشعب المصري، حيث ذكرت الأخبار أن المملكة العربية السعودية قدمت لمصر معونات بحوالي 4 مليار دولار, والكويت قدمت حوالي 3 مليار دولار, وقطر حوالي 10 مليار دولار, الإمارات العربية المتحدة ستقدم حوالي 5 مليار دولار، وبإجمالي حوالي 20 مليار. المصدر( احمد محمد ابو زيد , العصر الخليجي (المقومات والمظاهر والأهداف والتحديات) , مجلة اراء حول الخليج عدد 88 يناير 2012 ص 23-29)
إن الدول الخليجية من جانب أخر هي من أكبر المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري. فمن بين حوالي 57 مليار دولار، التي هي حجم الاستثمارات الخارجية في مصر خلال العام 2011 كان حجم الاستثمارات الخليجية في مصر حوالي 15 مليار دولار، وهو الامر الذي يدلل على مدى التقارب بين الطرفين، حتى في أحلك الظروف والاختلافات السياسية. (نفس المصدر السابق )
الفرصة الرئيسية الاخرى المتاحة أمام الرئيس مرسي هي الدول الاسلامية (وعلى رأسها ماليزيا واندونسيا). حيث يتوجب على الرئيس مرسي إستغلال العلاقات الدولية والخارجية المتميزة التي تمتمع بها جماعة الإخوان المسلمون مع القوى والدول الإسلامية وتوظيفها من أجل تحقيق المصالح القومية المصرية، خاصة مع تلك الدول الإسلامية المتقدمة تكنولوجيا وعلميا واقتصادياً مثل ماليزيا وأندونسيا وغيرها. حيث سيساهم التقارب الديني والثقافي والقيمي بين مصر وهذه الدول (والفضل في ذلك للأزهر الشريف وجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي اليها مرسي) في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وتلاشي الحساسيات السياسسية من تقليد وأستجلاب التجارب السياسية والاقتصادية والتنموية من هذه الدول الإسلامية. وهو الامر الذي قد يساهم في تدعيم مساعي الرئيس محمد مرسي في إقامة نموذج إسلامي – ديمقراطي - متحضر ومتقدم على النيل (ماليزيا على النيل).
فيوما بعد يوم يثبت الرئيس المصري الجديد د محمد مرسي اقدامه في منصبه الذي رأى كثيراً من معارضيه انه لن يصمد طويلاً امام متطلبات الجماهير الغاضبة من سياسة المجلس العسكري خلال حكمه للفترة الانتقالية، فكان لابد وان يتمتع بصلاحياته كرئيس لدولة محورية وقائدة مثل مصر يستطيع من خلاله رسم السياسة الخارجية المنوطه بها، فنجد خطابات الرئيس الاخيرة بداية من خطابه طهران في افتتاح مؤتمر منظمة دول عدم الانحياز في ايران في الثلاثين من اغسطس 2012 و حتى خطاب افتتاح مؤتمر وزراء الخارجية العرب ( في الخامس من سبتمبر 2012) في القاهرة, يحاول الرئيس وضع أسس جديدة في سياسة مصر الخارجية وهي اقامة علاقات طيبة وحميمة مع الجميع مبنية علي التعاون المشترك وليس علي الصراع بين دول الجوار الإقليمي او الدول الكبري بما يحقق السلام العادل والشامل في المنطقة حتى وان اختلفت الأيدلوجيات والمصالح الوطنية, ففي خطاب إجتماع وزراء الخارجية العرب حاول الرئيس التأكيد علي أن مصر الثورة يختلف دورها عن مصر السابقة في احتضان العرب والاهتمام بالبعد الافريقي والعربي وإسلامي، وهو الذي يؤسس لشرق اوسط جديد رباعي الاقطاب يشمل مصر وتركيا وإيران والمملكة العربية السعودية لتقويض الهيمنة الامريكية والإسرائيلية في المنقطة بالإضافة الي استقرار هذه المنطقة الحيوية في العالم‘‘.
إن ثورة الخامس والعشرين من يناير، بما أحدثته من تحول تاريخي (سياسي واجتماعي) في مصر، بأختيار الرئيس محمد مرسي ليتبوء منصبه كأول رئيس منتخب في تاريخ مصر الحديث، ستعطي للرئيس المصري قوة دفع هائلة لتحويل مصر لقوى اقليمية كبرى، وذلك عن طريق العمل على تبني سياسات خارجية تعبر وتعكس الأراء والتوجهات الحقيقية التي عبرت عنها الجماهير المصرية التي خرجت في الميادين في شهر يناير 2011، والداعية إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وإتخاذه كقاطرة ونواة لإقامة تحالفات إسلامية وعربية إقليمية، يكون غرضها الإساسي السعي نحو تحقيق أمال وأحلام الشعوب العربية والإسلامية. ولعل بوادر عمل الرئيس مرسي على ترسيخ هذه المبادئ يتضح في خطابه التاريخي الذي ألقاه أمام قمة عدم الانحياز في ، والتي دعى ونادى عبره إلى إنه ''يجب العمل على إصلاح توسيع حركة مجلس الأمن ليكون أكثر تمثيلا للنظام العالمي القائم في القرن ال21 وليس انعكاسا لما كان عليه الوضع في القرن الماضي، وبحيث تكون قراراته أكثر مصداقية، مضيفا أنه لم يعد مقبولا استمرار عدم تمثيل أفريقيا بالمقاعد الدائمة وضعف تمثيلها في الدول الأعضاء غير الدائمين، ودعا إلى زيادة مساهمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في اتخاذ القرارات الدولية.
أما عن الكيفية أو الطريقة التي يمكن القيام عبرها لتفعيل السياسة الخارجية المصرية خلال فترة إدارة الرئيس مرسي، فإننا نطرح التوصيات التالية:
توثيق عرى التوافق الوطني الداخلي: لقد اتفق أغلب علماء العلوم السياسية والسياسة الخارجية على أن أول دعامة لتقوية السياسة الخارجية ومكانة الدولة في البيئة الدولية هي تقوية اللبنة الداخلية وتحسين العلاقات بين الجماعات الوطنية وتغليب أسلوب الوفاق والتعاون الداخلي، وهو ما لن يتم إلا بتغليب مصلحة الدولة على مصلحة الجماعة التي ينتمي إليها الرئيس، والابتعاد عن انتهاج أساليب المغالبة والهيمنة والاستحواذ على كافة مصادر القوة والسلطة (كما يدعي بعض المعارضين لجماعة الاخوان المسلمون) وتقريب وجهات النظر والتوافق على حل المشكلات الداخلية.
انتهاج سياسة خارجية وطنية: وفقاً للأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تسود الدولة المصرية حالياً، ومن المتوقع أن تسود خلال السنوات القادمة، فإن المصلحة الوطنية المصرية ودواعي حفظ الأمن والاستقرار وحماية وجود الدولة المصرية ذاتها التركيز على حماية وتحقيق المصالح القومية المصرية، خاصة تلك المتعلقة بالأمن القومي المصري، مثل قضايا المياة، الحدود، السيادة الوطنية، والنأي عن توريط مصر في نشاطات والتزامات عابرة للحدود (أممية) على المدى القريب والمتوسط. لأن ذك سيمثل عبئاً أضافياً على كاهل الدولة المصرية لن تقدر في ظل تواضع قدراتها وأمكانياتها الراهنة على الوفاء بها، وهو ما سيضر بمكانتها ونفوذها الخارجي. الخلاصة، فإن من مصلحة الرئيس المصري المنتخب اتباع النهج الساداتي في السياسة الخارجية (النهج الوطني/مصر أولاً) والابتعاد عن النهج الناصري في السياسة الخارجية (النهج القومي/العروبة أولاً) .
توطيد العلاقات مع الدول العربية: من مصلحة مصر أن يحاول الرئيس المنتخب على ترميم العلاقات مع الدول العربية، وخصوصاً مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تضررت بعض الشيء خلال الشهور التسعة الأولى من الثورة المصرية. والطريق إلى ترميم هذه العلاقات يكون عن طريق تعهد الدولة المصرية بأحترام خصوصية هذه الدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية لهذه الدول، والتعهد بالوقوف الصلب إلى جانبها في وجه أي تهديدات خارجية تواجهها هذه الدول. فمن مصلحة مصر التقارب مع جيرانها وإخوانها العرب، فهم الحليف الطبيعي لها، المساند والداعم لتقدمها واستقرارها.
الانحياز للقضايا الانسانية في السياسة الخارجية: كونها الان واحدة من الدول الديمقراطية سيتحتم على الرئيس مرسي (كرئيس جاء بإرادة شعبية) مساندة وتدعيم المطالب الشرعية لكافة شعوب العالم (وخاصة في العالم العربي) وليس مساندة الديكتاتوريات كما دأب سلفه على فعله بحجة الحفاظ على المصالح المصرية. إن قيام الرئيس باتباع مثل هذه السياسات من شإنه تحسين السمعة الدولية للدولة المصرية ويضفي الشرعية على أفعالها وسلوكياتها الخارجية، كونها سياسات منحازة للشرعية الدولية ولحق الشعوب وليس، وهو ماا سيعزز من مكانتها كدولة ديمقراطية قائدة.
تفعيل قوة مصر الناعمة: إن مصر ليست بالقوة العسكرية أو التكنولوجية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط – وفقاً لبيانات معهد أستكهولم والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية , التوازن العسكري في العالم 2006, دبي , مركز الخليج للأبحاث 2008) – ولكنها وبدون أدنى شك قوى عظمى إقليمية من ناحية القوة الناعمة. حيث لا توجد دولة عربية قادرة على منافسة ومضاهاة مصادر قوة مصر الناعمة، فمازالت السينما والأعمال الدرامية والإصدرات الفكرية والثقافية التي تطبع في القاهرة تشكل الوعي الجمعي العربي، ومازال الأزهر الشريف وجامعته منارة الإسلام وحصن الدفاع الحصين عنه، وبما تمتلكه مصر من كفاءات دبلوماسية وعلمية وثقافية وفنية، جنباً إلى جنب مع مكانتها التاريخية والسياسية وفاعلية وشرعية دبلوماسيتها ودورها الإقليمي في حل وإدارة الصراعات والأزمات الاقليمية.
إن طبيعة توزيع القدرات والامكانيات وصور التوازن الاقليمي والعالمي توجب على الرئيس المصري محمد مرسي تركيز جهوده على دعم وتفعيل ومساندة قوة مصر الناعمة في المستقبل، فمازالت مصر تمتلك من أدوات وأليات النفوذ والجاذبية والتأثير والإقناع ما يساعدها على تحقيق مصالحها والدفاع عنها، حتى وإن كانت قوتها الخشنة ليس بنفس مستويات قوتها التي كانت عليها منذ عقود.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.