بقلم: أسماء الحسيني كاتبة وصحفية مصرية يعتقد البعض في مصر خاصة والعالم العربي عموماً أن مشاكلنا مع الدول الأفريقية يمكن أن تحل باتفاقات أو قمم سياسية أو اقتصادية أو عبر استثمارات وتجارة مشتركة، ورغم أهمية كل هذه الأمور، إلا أنها ستبقى مجرد خطوات على طريق طويل. ويجب أن نسلك هذا الطريق من أجل تعاون وشراكة حقيقية بين دولنا العربية والأفريقية، والآن إذ تثور في مصر هذه القضية، وخاصة بعد توقيع بورندي إضافة إلى خمس دول أخرى لاتفاق عنتبي بشأن مياه النيل بمعزل عن مصر والسودان، فإنني أعتقد أن علاقاتنا الحيوية مع الدول الأفريقية، وفي القلب منها دول حوض النيل وعلى رأس هذه الدول السودان، لن تكون علاقات طبيعية ومعافاة دون أن يستشعر المصريون حقيقة وأهمية وضرورة انتمائهم للقارة السمراء، وأنهم جزء لايتجزأ منها. وبدون أن يتشرب كل مصري صغير أم كبير هذه الأحاسيس، ومن غير أن يصبح ذلك عقيدة لا تتزعزع في النفوس والعقول، وهذا يتطلب بلا شك من المصريين جهداً كبيراً من أجل استعادة بعض أرضية أرسوا أسسها في دول القارة في سنوات حروب التحرر من الاستعمار، حينما كانت القاهرة يومها قبلة لكل قادة حركات التحرر في أفريقيا، وفي فترات أخرى عبر تاريخهم الطويل. قضية ثانوية والتعاون بين دولنا العربية والأفريقية ليس ترفاً أو قضية ثانوية، فهناك اليوم مستجدات في القارة الأفريقية وأيضاً في الدول العربية وتحديات مشتركة، تفرض على جميع الأطراف العربية ؛؛؛ علاقات مصر مع الدول الأفريقية لن تكون علاقات طبيعية ومعافاة دون أن يستشعر المصريون حقيقة وأهمية وضرورة انتمائهم للقارة السمراء، وأنهم جزء لايتجزأ منها ؛؛؛ والأفريقية الآن أن يعيدوا مراجعة حساباتهم وأن ينظروا بعين الواقع إلى المشكلات الكبيرة التي تعترضهم، وفي مقدمتها مشكلة الإرهاب ومشكلة الأمن الغذائي، اللذين يهدد كليهما على حد سواء، وأيضاً مشكلة المياه التي أصبحت الآن أيضاً مشكلة تثير التوتر بين بعض الأطراف العربية وبين بعض الدول الأفريقية. وبالتالي فإن هناك حاجة ملحة إلى تكامل بين الدول العربية والأفريقية، وإلى مراجعة للعلاقات التي لم تكن على ما يرام منذ أكثر من ثلاثة عقود بعد أن كانت في فترة الخمسينات والستينات تشهد تقدماً وتعاوناً كبيرين. وإذا تحدثنا عن تراجع العلاقات العربية الأفريقية فإن هناك العديد من العوامل تقف ورائها، بعضها يتعلق بالدول العربية وبعضها الآخر يتعلق بالدول الأفريقية وبعضها أيضاً بالظروف المحيطة بهما معاً. عوامل معقدة وهي عوامل معقدة ومركبة، بعضها ثقافي وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي وبعضها يتعلق بالنخب الحاكمة التي فقدت الرؤية في العالم العربي لأفريقيا، ولم تعد تضعها على قمة أولوياتها كما كان الأمر في السابق، وبعضها في الدول الأفريقية التي ترى بعض أطرافها أن العروبة هي مناهضة على سبيل المثال للأفريقانية. وهناك العديد من العوامل التي شغلت الدول العربية بمشاكلها الداخلية وبقضيتها المحورية القضية الفلسطينية، وانعكاسات ذلك عليها بعد معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل من انقسام في العالم العربي. ولاشك أن هذا الانقسام العربي أثر على الموقف أو العلاقات مع أفريقيا، وكانت الدول الأفريقية ترى أن الدول العربية تصدر إليها خلافاتها وتطالبها ربما بما لا تطالب به بعض الدول العربية أنفسها به. وعلى سبيل المثال تريد منها أن تواصل قطع علاقاتها بإسرائيل، وقد فعلت الدول الأفريقية ذلك خلال حرب 1973 وكانت تقف جميعها تقريباً في جانب الصف العربي، وهو الذي أدى إلى موقف عربي إيجابي منها في القمة التي أعقبت حرب 1973 وأدى إلى إنشاء صناديق عربية لدعم التعاون العربي الأفريقي، وصحيح أن ذلك لم يستمر كما كان يؤمل له، لكن كان هذا هو ما حدث. الأطراف الخارجية وهناك أيضاً تأثير لايمكن إغفاله وهو علاقات كل طرف من الأطراف العربية أو الأفريقية بالأطراف الخارجية، خاصة الدول الاستعمارية السابقة، التي تريد أن تحافظ على تبعية هذه الدول، والتي تخشى أيضاً أن تصبح هذه الدول كتلة إذا ما تم تقاربها، وهي تستطيع أن تتكامل في مواردها.؛؛؛ هناك حاجة ملحة إلى تكامل بين الدول العربية والأفريقية، وإلى مراجعة للعلاقات التي لم تكن على ما يرام منذ أكثر من ثلاثة عقود ؛؛؛ وللأسف شهدت العقود الثلاثة انقطاع أفريقيا عن العرب، والعرب عن أفريقيا، إلا عبر العلاقات الثنائية، وتراجع فيها العمل الجماعي، وأدى ذلك بشكل كبير إلى فجوة في الثقة. وأدى أيضاً إلى صور نمطية وظواهر سلبية في العلاقة بين العرب وأفريقيا، وأصبح كثير من العرب الذين قلنا إن غالبية سكانهم تقع دولهم في القارة الأفريقية لا يشعرون أنهم ينتمون إلى هذه القارة. وهناك الآن حاجة ملحة إلى عمل كبير يتجاوز العمل السياسي والاقتصادي إلى عمل أيضاً ثقافي وإعلامي وفكري لكي تعود أفريقيا إلى مكانها الذي تستحق على رأس الأولويات العربية. آن الأوان وآن الأوان لكي تتجاوز العلاقات العربية الأفريقية ما كانت عليه في فترة الثلاثين عاماً الماضية. وقد كانت بالنسبة لبعض الدول في حالة مد وجزر، حديث عن اهتمام بهذه العلاقات ثم تراجع عنها، واهتمام بها ثم عزوف عنها، حيث أصبحت الآن هناك حاجة ملحة بالفعل لهذه العلاقة. ولا مفر أمام جميع الأطراف من أن يقيموا بالفعل تعاوناً حقيقياً على الأقل لمواجهة هذا الأمن الشامل المهدد لهذه القارة الأفريقية وللدول العربية واللتين تعانيان أيضاً من ضائقة بالنسبة لأمنهما الغذائي وأيضاً لأمنهما المائي، وهذه القضايا الكبيرة ربما تكون دافعاً لتحريك هذا الملف الراكد خطوات إلى الأمام. ومن المأمول الآن في ظل التغييرات والتحديات الماثلة أن تصبح هذه العلاقة المنشودة واقعاً عملياً، وليس كما كان في السابق مجرد مقررات توضع في الأدراج ولاينفذ منها شىء. وأن تقدم الضمانات بالفعل لرأس المال الذي هو بالفعل جبان ويحجم عن دخول مناطق المخاطر، وأن يكون العمل متوازياً على جميع الأصعدة. نقاط كثيرة وأعتقد أن هناك نقاط كثيرة يمكن أن يبدأ بها العمل وهي نقاط التلاقي العربي الأفريقي وفي مقدمتها مشكلات السودان والصومال وجزر القمر وهذا الحزام الذي أصبح الآن مأوى للقاعدة والإرهاب في منطقة الصحراء الأفريقية.؛؛؛ افريقيا قارة كبيرة تتباين فيها نظم الحكم وتتباين فيها الدول، أي أننا بحاجة إلى تغيير الصورة النمطية عن هذه القارة ؛؛؛ وأعتقد أن قضايا السودان التى مازالت على المحك، وهو الذي يمثل الجسر والرابط بين العرب شمال الصحراء في القارة الأفريقية والأفارقة في جنوب الصحراء والرابط بين العالمين العربي والأفريقي. ويجب أن توضع لهذه القضية أهمية قصوى لأنه إذا انهار هذا الجسر أو الرابط فإنه سيكون ضربة كبيرة لهذا التعاون الكبير الذي نتحدث عنه. والأولى أن نقيم لبنة في هذا الجدار، وأعتقد أن المصالح القائمة على أساس الندية والشراكة والمنافع المشتركة للجميع هي السبيل لإقامة صيغة للتفاهم والتعاون. وما ينبغي التأكيد عليه عندما نتحدث عن أفريقيا في عالمنا العربي أنها قارة كبيرة تتباين فيها نظم الحكم وتتباين فيها الدول، أي أننا بحاجة إلى تغيير الصورة النمطية عن القارة الأفريقية. فهناك دول بها حققت نسب نمو مرتفعة خلال السنوات الماضية، وهناك بعض دولها تتقدم نحو الديمقراطية، فأفريقيا تتغير وما زالت كما هي للأسف في الذهنية العربية، وأيضاً هناك حاجة إلى تغيير مماثل في الذهنية الأفريقية عن العالم العربي وصورته. والذي يتغير هو الآخر وتهب عليه رياح التغيير وتندلع في أرجائه الآن ثورات شعبية تعيد هيكلة أنظمة حكمه. وهناك دور مهم للثقافة وللإعلام وللمفكرين في العالم العربي وأيضاً في القارة الأفريقية في دعم هذه العلاقات، وهم الذين انشغلوا عن هذا الموضوع ولم يولوه أهمية كبيرة في الفترة الماضية.