السودان.. انخفاض معدل التضخم    شاهد بالفيديو.. الصحفية داليا الياس توضح الحقائق الكاملة حول أمر القبض الصادر ضدها: (نعم أخطأت ويسعدني جداً ما وصل إليه القانون في بلدنا)    شاهد بالفيديو.. الصحفية داليا الياس توضح الحقائق الكاملة حول أمر القبض الصادر ضدها: (نعم أخطأت ويسعدني جداً ما وصل إليه القانون في بلدنا)    شاهد بالصورة.. نيابة أمن الدولة تصدر أمر قبض في مواجهة الشاعرة والصحفية داليا الياس.. تعرف على التفاصيل!!    رئيس وزراء السودان يكتب للجزيرة: هذا مسار الخروج من أتون الحرب    شاهد بالصورة والفيديو.. "مُسن" سوداني في الثمانين من عمره يفاجئ المتابعين ويتأهب لإكمال مراسم زواجه بقعدة "حنة"    الفراغ من عمليات تصحيح اوراق امتحانات الشهادة المتوسطة بمركز كنترول محلية الخرطوم    شاهد بالصور.. المذيعة السودانية الحسناء جدية عثمان تقارن بين الماضي والحاضر بإطلالتين مختلفتين    Gemini يدخل مرحلة جديدة: جوجل تعزز الذكاء الشخصي وتربطه بحسابات المستخدم    دليلك الشامل لتحديثات يوتيوب الجديدة: من ال GIF إلى البث العمودى    منتخب الناشئين يواجه جينيس وديا اليوم استعدادا لأمم أفريقيا    الأهلى ينفى دخول وساطات لإنهاء الأزمة مع الجبلاية    الواثق البرير يطرح رؤية لعقد اجتماعي جديد في السودان للخروج من الأزمة    افتتاح مصنع الجوازات والوثائق الثبوتية بمدني    كل ما تحتاج معرفته عن GPT 5.4 سايبر المتخصص فى الدفاع السيبرانى    أصالة تحيي حفلاً غنائيًا في باريس.. 25 أبريل الجارى    ياسر جلال يحتفل بعيد ميلاده ال57.. مسيرة فنية وسياسية    أنوشكا : نجاح الفن فى لمس قلوب الناس وإحداث تغيير إيجابى لدى الجمهور    بينها الجبن.. 4 أطعمة يمكنها تبييض أسنانك بشكل طبيعى    نتائج مبشرة لدواء روسى جديد لعلاج سرطان الدم.. اعرف التفاصيل    الأهلي يكسب الامل بهدفي والي الدين و سواريز    الشعلة تعبر النيل والنصر الشرفة يتخطى العزيبة    الجاكومي يكشف تفاصيل"الفيديو المثير"    د.ابراهيم الصديق على يكتب: خلافات حميدتي وطاحونة: وقائع مكالمة مسربة..    رباعي المريخ يخضع لبرنامج تأهيل بالقاهرة    التهاب الشعب الهوائية.. كيف يبدأ ومتى يتحول لمشكلة مزمنة؟    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    فيفا يُخطر المنتخبات بمواعيد قوائم كأس العالم 2026    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    والي الخرطوم يوجه بالتوسع في توفير غاز الطبخ عبر الوكلاء المعتمدين    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    خطر عظيم يهدد يامال أمام أتلتيكو مدريد    رئيس شُعبة مصدري الذهب: أنقذوا صادر الذهب واستيراد المحروقات من أيادي العبث وعديمي الضمير    تفاصيل جديدة بشأن انقطاع التيّار الكهربائي عن الولاية الشمالية    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    إحصائيات صادمة تؤكد ضياع كيليان مبابي في الوقت الحاسم    رئيس الوزراء يدشن حصاد القمح بمشروع الجزيرة    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتهاء ظرف الحشود و بزوغ التعدد الثقافي اتضح كما النيل السماوي
نشر في حريات يوم 15 - 02 - 2018

لغرامشي مقولة و هي أن الافكار القديمة قد ماتت و الافكار الجديدة لم تولد بعد و هذا ما ينطبق على حقبتنا هذه أكثر من انطابقه على اللحظة التي أطلق فيها غرامشي مقولته و نجد في أفكار عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب في اعادة اكتشافه لغرامشي حيث يكشف لنا الطاهر لبيب مدى سيطرة الريادات الوطنية غير الواعية على مفاصل الفكر في عالمنا عالم المجتمعات التقليدية.
نعم أن أس الداء هو سيطرة الريادات الوطنية غير الواعية على مفاصل الفكر مما أدى الى انتشار بريق الأيدولوجيات التي تعمي كما نرى سيطرة حشود اليسار و زعمهم بأنهم مثقفين عضويين و نجد أن زعمهم تدحضه هرولتهم الى أحزاب تسيطر عليها الايدولوجيات المتحجرة بعكس طرح غرامشي و طرحه في ذلك الزمن و نحن حينه في حقبة الاستعمار أذن المسألة كلها ترتكز في الريادات الوطنية غير الواعية بفلسفة التاريخ ولأي خط هي أقرب.
فمثلا أن الريادات الوطنية غير الواعية في حقبة الستينيات من القرن المنصرم قد حاربت الحداثة و التنمية كم حورب الاستعمار كما يقول محمد أركون لذلك نجد ان من اكبر معوقات التنمية عندنا هي في الريادات الوطنية غير الواعية في تلك الحقبة فمثلا ثورة اكتوبر1964 كانت تقودها حشود اليسار السوداني و هو منتشئ كساذج و مراهق سياسي لم يدور في خلده ان ما يريد بسطه في ساحة الفكر قد تجاوزته انجازات التفكر في افكار ماكس فيبر منذعام1922 في فكرة الاقتصاد والمجتمع وحينها قد أصبحت ماركسية ماركس خاوية مما يجعلك أن تكون ماركسيا كما يردد ريموند آرون في اعجابه بأفكار ماكس فيبر ورفضه لافكار دوركهايم كعالم اجتماع يلغي المجتمع بجرة قلم ويمهد الطريق لفكرة النيوليبرالية مثله كفردريك هايك وتدور الايام ليصبح خط ماكس فيبر ريموند آرون و جون راولز و فوكوياما كدرب التبانة أو كما يسمي النيل السماوي في الادب الفرعوني القديم من حيث وضوحه في الليل أي أنه قدأصبح فكرهم هو تتويج التاريخ بالتاريخ الذي لا يتوج كما لخصه فوكوياما بفكرة نهاية التاريخ و الانسان الأخير فافكار فوكوياما هي امتداد سير خط أفكار ماكس فيبر في مرورها عبر حفريات ريموند آرون كعالم اجتماع ومؤرخ و اقتصادي يوضح أن التاريخ الانساني لا قصد ولا معنى له بل هو تراجيدي ومأساوي لا يمكن ضبطه الا بمعادلة الحرية والعدالة وهي روح العقد الاجتماعي في الفكر الليبرالي فأفكار ماكس فيبر منذ عشرينيات القرن المنصرم نجدها قد أصبحت قوة وروح فكر ريموند آرون في مقاومته لجان بول سارتر أيام مجده في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ونفسها أي أفكار ماكس فيبر و ريموند أرون نجدها قد مهدت لجيل فلاسفة الثمانينيات أي لوك فيرى في نقده لفلاسفة ما بعد الحداثة و كذلك مارسيل غوشيه في ابداعاته التي قد أوصلته الى أن تحقيق ارتضاء العيش المشترك والحرية لا يمكن أن تكون الا في ظرف خروج الدين من أن يكون له تأثير على السياسة والاجتماع والاقتصاد فأفكار فلاسفة الثمانينيات من القرن المنصرم أي لوك فيري ومارسيل غوشيه تعتبر الحلقة المفقودة في منظومة الفكر السودانية سبب غيابها قد أدى للكساد الفكري السائد اليوم حيث يسيطر على الساحة الفكر الديني في أحزاب الطائفية والحركة الاسلامية السودانية وكذلك روح الفكر الديني وغائيته في فكر الحزب الشيوعي السوداني.
لذلك وفي ظل الكساد الفكري في الساحة السودانية نجد من يحتفي بكتاب ادوراد سعيدالاستشراق وفي الوقت نفسه نجد أن ادورد سعيد يعترف ان كتابه الاستشراق قد خدم المتطرفين الاسلاميين أكثر من خدمته للتنوير وكذلك نجد من لم يزل يحتفي بافكار فرانز فانون وكله من علامات الكساد الفكري في الساحة السودانية ولا يمكن التخلص منه الا بمحاولة وجود الحلقة المفقودة في سلسة الفكر السوداني وهي جهود فلاسفة الثمانينيات من القرن الفائت وهي التي قد أنارت الطريق لفوكوياما في التسعينيات أن يخرج بفكرة نهاية التاريخ و الانسان الأخير في انتصار لفكر ماكس فيبر و ريموند آرون.
بعد أزمة النيوليبرالية و بجانب ساذجة اليسار تسير الطائفية العابرة في حزبي المهدي والميرغني لتعلن حالة مجتمع تقليدي مثقل بحمل سلطة الأب و ميراث التسلط التي لا تسمح بازدهار روح الفرد والعقل والحرية وعلى مسافة منها تنتظر الحركة الاسلامية ظرف الحشود بفكرة الماضي الحاضر و هاهو الكساد الفكري و الظلام الدامس يسد الآفاق سببه الريادات الوطنية غير الواعية في يسار ساذج و طائفية عابرة وحركة الاسلام السياسي العمياء والنتيجة مقاومة للحداثة بشراسة وهذا لم يكن في السودان وحده فمثلا في تلك الحقبة عندما نادى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي بفكر ليبرالي يخرج العالم العربي والاسلامي مما يحول دونه و بلوغ أعتاب الدولة الحديثة لأن الفكر الليبرالي يقضي على ساذجة اليسار والطائفية و القبلية والجهوية فقد نال علي الوردي ما نال من غضب الشيوعيين والاسلاميين والقوميين وطول يازمن و اقصر يازمن وحينما انقشع غبار ظرف الحشود من يسار ساذج وفكر اسلامي متهور لم يظهر الا القليلين من المفكرين أمثال علي الوردي و محمد أركون لم تحتاج أفكارهم لغربلة وهناك من أحتاجت أفكاره لغربلة وقام هو بنفسه في نقده لافكاره وقدم عمله الجليل في نقده الحضاري للمجتمع العربي أي هشام شرابي وكذلك ادورد سعيد في منجزه الأخير ذو النزعة الانسانية وهذه الغربلة نحتاجها في الساحة السودانية بدلا من الاحتفاء والتكريم لمن يكتب منذ ستين عام و كأننا نردد المثل القائل بترابه اليملى جرابه.
نحتاج لهذة الغربلة الفكرية لفكر مفكري الستينات في السودان لأنهم نتاج ظرف الحشود وهاهو ظرف الحشود ينكسر بفشل اليسار الساذج في العالم العربي و كذلك بانتهاء ظرف حشود الحركات الاسلامية و يفتح الطريق للتعدد الثقافي كما يقول عبدالله الغذامي في متابعاته لظاهرة الحشود ويقول أن الحشود الآن قد ابتلعها السوشيال ميديا وقد حررها واصبح الفرد بدلا من أن يكون تابع في زحمة الحشود أصبح متابع للافكار و محلل مما يفتح الطريق الى فكرة التعدد الثقافي والآن نلاحظه في رؤية 2030 أي بسط فكرة الاقتصاد والمجتمع في السعودية و كأنها جائزة قد نالها الغذامي لأنه قد صان نفسه من أن يكون من ضمن مثقفي ظرف الحشود.
فرؤية 2030 هي خطوة باتجاه التعدد الثقافي وأنكسار حشود الصحوة وذوبانها في وسائل الاعلام الجديدة يقابله في الغرب اختفاء الحشود التي كانت تتبع سارتر و حالة حشود القوميين والحركات الاسلامية في العالم العربي والاسلامي تشبه حالة حشود زمن سارتر قد بلغت بها السخرية من أفكار ريموند آرون كغريم لسارتر حيث كانوا يرددون من الأفضل أن أكون على خطاء مع سارتر ولا أكون على صواب مع ريموند آرون فاين الحشود التي كانت تود أن تكون على خطاء مع سارتر؟ بعد سقوط أفكار سارتر وسقوط الاتحاد السوفيتي غابت هذه الحشود ويظن علماء الاجتماع أنهم الآن يمثلون ثقل زواج المثليين و حق الشابات في مسائل الاجهاض.
انتبه مثقفو الغرب لفكر غرامشي لأنهم ورثة عقل الأنوار وحتى فلاسفة ما بعد الحداثة كانت مساحات الفهم عندهم تبتعد عن الأيدولوجيات المتحجرة في زمن كان يعتقد أن التقدمي هو من ارتبط باليسار لذلك عندما بدأت موجة النقد لكل من ميشيل فوكو و جاك دريدا و ألتوسر وجاك لكان كانت عودتهم لأفكار الحداثة سريعة و خجولة و حتى مدرسة فرانكفورت قد أخرجت الى اللحظة جيلها الثالث من الفلاسفة و نحن مازال مفكرينا في السودان مع أفكار جيلها الأول و هنا ينام سر الريادات الوطنية غير الواعية وهي كما الساير في نومه تسوقهم المجاملات والأخوانيات و بسببها تغيب قوة النقد و يظهر الناقد الردئ.
فمثلا عام 1985 كانت جهود لوك فيري مزلزلة لأفكار فلاسفة مابعد الحداثة و هجومهم على العقل أي عقل الأنوار و قيم الجمهورية فوكو و دريدا الى درجة أنه قد بكى حينما أرى أفكاره هباء أمام رياح فكر لوك فيري و كذلك في نفس الحقبة التي كان فيها لوك فيري يدافع عن عقل الأنوار كان مارسيل غوشيه يدافع عن العقد الاجتماعي وقربها من فلسفة التاريخ عند كل من ريموند آرون و ماكس فيبر وبعدها عن أفكار دوركهايم حينما ألغى فكرة المجتمع و منها جاءت فكرة النيوليبرالية وما فيها من أنساق ثقافية مضمرة و انتهت الى الأزمة الاقتصادية الراهنة و بالتالي هناك من ينتقد الراسمالية المتوحشة أي رأسمالية بلا كوابح و قد صار فيها العالم أو اقترب من أن يكون سوبر ماركت ولكن لا يمكن الدفاع عن أوهام الماركسية كما يقول ريجس دوبريه بعد تجربته وقتاله جنب لجنب مع جيفارا.
وكذلك نجد أن مارسيل غوشيه في دفاعه عن فكرة العقد الاجتماعي كما كان يفكر ريموند آرون في أن تاريخ البشرية تراجيدي مأساوي لا يعرف الى أي جهة يقصد فلا قصد ولا معنى لمسيرة التاريخ الانساني لذلك لا معنى للفكر الشيوعي و لفكر الاسلاميين في غائيته وقصديته في انتهاء الصراع الطبقي في خواء الفكر الماركسي أو فكر المدن الفاضلة في الفكر الاسلامي و هذا ما يسود في ساحة الفكر السوداني المسيطر عليه من قبل الشيوعيين والكيزان وقطعا هذه كارثة على الفكر في السودان كما وصف مارسيل غوشيه أفكار بيير بورديو بأنها كارثة على الفكر.
فانثروبولوجيا مارسيل غوشيه تبحث في الدين و السياسة والتاريخ الحديث وعبرها وصل الى فكرة خروج الدين من أن يكون ذو أثر على السياسة و الاقتصاد والاجتماع أي أن الدين في زمن الحداثة والتحديث قد وصل لمستوى أن يكون دين الخروج من الدين. وهي أي انثروبولوجيا مارسيل غوشيه نفسها انثروبولوجيا ايمانويل كانت حيث لا تكون الميتافيزيقا أرض معركة كما هو الآن في السودان حيث أصبح الوطن مسألة دينية في ظل طرح الحركة الاسلامية السودانية.
و قطعا لا مكان للمجاملات والأخوانيات في ساحة الفكر فمثلا جان بول سارتر كان صديق مقرب لريموند آرون ولكن حينما جد الجد مضى كل منهما الى حال سبيله وكذلك قوة العلاقة بين سارتر و ألبير كامي ولكن حينما أصبح سارتر حارس للنظم الشمولية بفكرة الالتزام الأدبي قد فارقه ألبير كامي بكتابه و أفكاره عن العبث الفعال ونجد هناك جان دورمسون المتوفي قبل شهور وكان لا يهاب سارتر أيام سطوته حيث كان يفتخر بأن الرجعي أفضل من التقدمي الهزيل و هو يقصد سارتر كتقدمي هزيل.
غرامشي حينما تحدث عن المثقف العضوي حينها كان زمن قيام مؤتمر الخريجين في السودان و بعد انكساره قامت الأحزاب و نجد أن الحزب الشيوعي السوداني بعد عقد من الزمان من فكرة المثقف العضوي لغرامشي وبعد كل ذلك نجد أي الحزب الشيوعي السوداني برياداته غير الواعية بفلسفة التاريخ قد سارت بعكس اتجاه فلسفة التاريخ كما يراد لها. وبعد قيام الحزب الشيوعي بثلاثة عقود نجد أيضا قيام حزب البعث وقبله أيام حشود عبدالناصر كانت حقبة هياج الناصرية في الزج والتعبية التي تفارق مسارات فلسفة التاريخ في تأسيس معادلة الحرية و العدالة وبعد أنكسار حشود عبدالناصر و الاشتراكية العربية جاءت حشود الاسلاميين كوريث شرعي لحشود الفكر القومي لعبدالناصر وأصلا لا يوجد فرق كبير بين حشود القوميين وحشود الاسلاميين فكلها تمثل روح هياج الهووي الصاخب.
المسألة المهمة هنا هي فكرة انتاج المعنى كما يقول الطاهر لبيب فأي مفكر لم تصب كتاباته في فكرة انتاج المعنى من الافضل أن يتوقف عن الكتابة فلا جدوى من الاحتفال الستيني بكاتب لم تسهم كتاباته في انتاج المعني و خاصة في حالة مجتمع تقليدي مثل حالة المجتمع السوداني مازالت فكرة اللجؤ للغيب في فكر الحركة الاسلامية هو سيد الموقف و كذلك نجد سيطرة الشيوعين و هم في غياهب الأيدولوجيات المتحجرة وعلى المشهد أيضا وفي الجانب الآخر نجد الطائفية و أحزابها وهي مساهمة في هشاشة هيكل التركيبات الاجتماعية مع القبلية والجهوية لكي تقف سد منيع أمام أعتاب الدولة الحديثة و بعد هذا كله نجد من يقول أن هناك امكانية اصلاح الأحزاب الطائفية و هنا تبدو المكابرة واخفاء روح الخنوع لسلطة الاب و ميراث التسلط و منها لا تخرج قوة النقد بل عقل الوعظ و الارشاد وسبب سيطرة عقل الوعظ والارشاد هو غياب قوة النقد كنتاج لعقل الأنوار.
و هناك مثلا في فرنسا لم يجامل سارتر رغم عبقريته فقد تصد له كلود ليفي اشتراوس و البير كامي و ريموند آرون و جان دورمسون ولم يترك ميشيل فوكو و ألتوسر وجاك دريدا وجاك لاكان فقد هاجمهم لوك فيري و مارسيل غوشيه و النتيجة انتصار لعقل الانوار وقيم الجمهورية وفكرة العقد الاجتماعي و الانتظار للانسانية الثانية و لحظة الميلاد الثانية للفرد المسلح بالعقل والحرية و هنا عندنا في مجتمعنا التقليدي الاحتفاء بستين عام من الكتابة لكاتب يفخر بانه لم يفارق الحزب الشيوعي نتيجة لعطب في الفكرة ولم ينتقده أحد فكانه أعلى مقام من سارتر وطبعا لم يكن أعلى من سارتر و لكن قد غطى عليه غياب قوة النقد و غياب العقلانية و مجد العقل البشري في ظل الشلليات التي تجيد المجاملات والاخوانيات في ساحة الفكر التي تسيطر عليها روح الايدولوجيات سواء كانت فكر الاسلاميين السودانيين في لجؤهم للغيب أو فكر الشيوعيين السودانيين في لجؤهم للايدولوجيات المتحجرة و النتيجة سيطرة التقدمي الهزيل على ساحة الفكر و يكون المثقف العضوي هو المنتسب للحركة الاسلامية السودانية وهنا يستطيع الطاهر لبيب أن يقول من نكد الدنيا على غرامشي أن يكون المثقف العضوي هو الكوز والشيوعي في زمن غياب انتاج المعنى.
بالمناسبة الطاهر لبيب كعالم اجتماع جدير بالاحترام يراقب الحراك في تونس ويتحسر على أن الثورة في تونس قد سرقت من قبل عبدة الماضي وعبدة النصوص وهاهي سبع أعوام تمر على ذكرى الربيع العربي و تونس في وحل الازمة الاقتصادية. و الطاهر لبيب يعد من ضمن مفكريين عرب قليلين قد عبرت أفكارهم و سيكون لأفكارهم دور في انتاج المعنى مثله هشام شرابي في نقده الحضاري للمجتمع العربي وقبلهم علي الوردي بعقود قد نادى بريادة الفكرة و مفارقة خلق العبارة و انتقد العقل العربي و الاسلامي في ارتكازه على المنهج ارسطوافلاطوني وما اوضحه في ساحتنا السودانية واذا اردنا مثال عليه نجده في كتابات الامام الصادق المهدي أي طريقة الصادق المهدي تنطوي على فكر ارسطوافلاطوني فكر رجال الدين انتقده علي الوردي قبل عقود وعلي الوردي نجد في نقده للفكر ارسطوافلاطوني يقف محازيا لمارتن هيدجر في محاولاته تبيان الخطاء في الفلسفة منذ أيام افلاطون أما تلميذته أو قل عشيقته حنا أرنت فقد أهتمت باعادة اكتشاف الخطاء في الفكر السياسي منذ ايام افلاطون.
على أي حال الآن عالمنا عالم مجتمع المعرفة التي تؤثر على الاجتماع و السياسة كما يقول مارسيل غوشيه و المعرفة هي ما يساعد المجتمعات على اعادة بناءها من جديد وديمقراطية المستقبل تنتظر فيما وراء اليأس وغياب التفاؤل وهذه حالة السودان اليوم وهو يتأهب الى اسقاط منظومة القيمة البالية للحركة الاسلامية السودانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.