شاهد بالفيديو.. مُطرب سوداني صاعد يتصدر تريند "تيك توك" ويبهر منصات التواصل بأدائه الرائع    الشرطة تُلقي القبض على ثنائي إشراقة    اسحق احمد فضل الله: والبرهان الآن فاعل أم نائب فاعل؟    المريخ يخسر تجربته الاعدادية امام رديف الزمالك المصري    يا قلبي لا تحزن.    شراكة استراتيجية بين المواصفات والمقاييس وشركة سبائك    وزارة الزراعة تشرع في وضع سعر تأشيري للقمح    مجلس وزراء حكومة الشمالية يناقش خطط الوزارات للعام 2022    (270) حالة إصابة جديدة بكورونا و (6) وفيات    نائب رئيس مجلس السيادة يعود للبلاد بعد زيارة رسمية لإثيوبيا    السودان يوقع على ثاني أسوأ مشاركاته بالكان في الكاميرون    قريبا.. "واتساب" يطلق ميزة طال انتظارها    اكتمال الترتيبات لحملة التطعيم ضد فايروس كورونا بشرق دارفور    انطلاق الحملة الثالثة للتطعيم ضد كورونا غداً    هل تصلح الوثيقة الدستورية لعام 2019 أساساً للانتقال في السودان بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021 ؟!    مفاجأة صادمة ومرعبة داخل كيس "البروكلي"    اتحاد الكرة يؤكد اهتمامه بالمنتخب ويجدد الثقة في برهان تيه    شكل لجنة للتحقيق مع لاعبين .. مجلس المريخ يمدد معسكر القاهرة    واقعة غريبة.. يحضران جثة مسن إلى مكتب البريد للحصول على معاش تقاعده    مخابز: الدولار سبب في زيادة أسعار الدقيق    صباح محمد الحسن تكتب : الميزانية الواقع أم الوهم !!    يونيتامس: تلقينا نبأ اعتقال رئيسة لا لقهر النساء بغضب شديد    إنطلاق الحملة القومية الثالثة للتطعيم بلقاح كوفيد-19 غداً    بعد (20) يوم من يناير: بدء تطبيق موازنة 2022 بعجز كلي (363) مليار جنيه    صلاح الدين عووضة يكتب : تمثال ملح!!    الكشف كواليس زيارة الوفد الإسرائيلي للخرطوم    القضارف تكمل ترتيباتها لحملة التطعيم بلقاحات كرونا (حماية3)    في المحيط الأطلسي.. نهاية مأساوية لمغامر مسن    العلاقة بين القارئ والكاتب    السطو المسلح في العاصمة الخرطوم .. إلى أين يتجه المصير؟!    أسر الشهداء تُطالب بملاحقة البرهان لدى المحكمة الجنائية    قرار قضائي جديد بحق رجل الأعمال المصري المتهم بابتزاز فتيات في دار الأيتام جنسيا    شاهد بالفيديو.. فنانة سودانية مصنفة من ضمن المطربات الملتزمات تتخلى عن حشمتها وتقدم فاصل من الرقص الفاضح بملابس ضيقة ومثيرة    شاهد بالفيديو.. بائع ملابس سوداني يسوق لبضاعته في وسط السوق عبر الغناء ب(الدلوكة) يتصدر التريند ويجذب أنظار المتسوقات    أمين حسن عمر: السودانيون بحاجة لتوحيد الكلمة لا تسليمها للآخرين    تراجع التضخم.. هل ينسجم مع موجة ارتفاع الأسعار    شركات عمانية: المواشي السودانية وجدت قبولاً كبيراً في أسواق السلطنة    الغربال: انتظروا المنتخب في الاستحقاقات القادمة    الهلال يغادر لجنوب أفريقيا استعداداً للأبطال    السعودية.. السجن 5 سنوات لقاضٍ سابق اتهم بإقامة علاقات محرمة    الشواني: نقاط عن إعلان سياسي من مدني    شاهد بالفيديو: السودانية داليا الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    شاهد بالصور.. شاب سوداني عصامي يستثمر في بيع أطباق الفاكهة على نحو مثير للشهية    مقتل ممثلة مشهورة على يد زوجها ورمي جثتها في كيس    مصر تعلن عن اشتراطات جديدة على الوافدين إلى أراضيها    شاهد بالفيديو: السودانية داليا حسن الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    استدعوا الشرطة لفض شجار عائلي.. ثم استقبلوها بجريمة مروعة    القحاطة قالوا احسن نجرب بيوت الله يمكن المرة دي تظبط معانا    بالصورة.. طلبات الزواج تنهال على فتاة سودانية عقب تغريدة مازحة على صفحتها    منتدي علي كيفك للتعبير بالفنون يحي ذكري مصطفي ومحمود    صوت أسرار بابكر يصدح بالغناء بعد عقد من السكون    الرحلة التجريبية الأولى للسيارة الطائرة المستقبلية "فولار"    مباحث ولاية الخرطوم تضبط شبكة إجرامية متخصصة في السطو    الدفاع المدني يخلي عمارة سكنية بعد ميلانها وتصدعها شرق الخرطوم    تأجيل تشغيل شبكات ال5G بالمطارات بعد تحذير من عواقب وخيمة    اعتداء المليشيات الحوثية على دولة الإمارات العربية ..!!    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ارتريا والسودان : بين دكتاتوريا ت ” الشدة ” و ” المركوب”!؟
نشر في حريات يوم 03 - 03 - 2012


[email protected]
علاقا ت الشعبين الأرترى والسودانى لم يحكمها الجوار الجغرافى فحسب فكم من شعوب كا نت الجغرافيا وبا لا عليها – لكن التا ريخ كا ن هو ما جعل الشعبين يتفا علان ويتلاقحا ن وتمتزج مكونا تهما الأجتما عية والثقا فية الى درجة يصعب الفصل بينهما خا صة بين أ بنا ء غرب أرتريا وشرق السودان. صحيح أن مطا مع القوى الأ جنبية وصرا عا تها لعبت دورا كبيرا فى رسم الحدود بين الشعبين ولكن فى الواقع العملى ظلت تلك الحدود ( خطوط وهمية ) على الخا رطة لم تمنع الأ تصا ل والتوا صل بينهما …
ذلك موروث عام وتلك خصائص سكان غرب ارتريا وما يجمع بينهم وبين شرق السودان.
أنا كأحد أبناء المنطقة يشملنى ذلك التصنيف والتوصيف — ولكن لدى خصوصية أخرى تزيد ارتباطى واتصالى بالسودان: نشأت وكبرت فى قرية على الحدود الأرترية — السودانية – المعلمون فى المدرسة كانوا من السودان – التجار فى السوق كانوا من السودان – الموظفون فى الشركة كانوا من السودان – المناهج الدراسية كانت من ( بخت الرضا ) فى السودان – الأناشيد والأمثلة والمحفوظات — !
أكثر من ذلك الرجل الذى بدأ التبشير الدينى لمحاربة العادات الضارة فى المجتمع كان سودانيا – المهندس
( محمود محمد طه) رئبس الحزب الجمهورى الأسلامى لاحقا والذى أعدمه ( جعفر نميرى) !
ثم عبرت الحدود دون تأشيرة أو جواز سفر وذهبت فى اليوم التالى الى المدرسة فى كسلا للتسجيل.
سألنى الناظر من أين أنا؟ قلت من أرتريا – قال: يا ابنى هذه مدرسة سودانية لا نسجل فيها أجانب ؟!
أول مرة شعرت بأن الأمور قد تغيرت – وأن هنا ك ( حدود ) ودول ؟ كان ذلك بعد استقلال السودان. قلت له اننى أريد أن اتعلم – وتعلمت فى السودان كسودانى …
.
ثم كانت تجربة الثورة وبحكم مجال عملى تعرفت وتواصلت مع الصحفيين والكتاب والفنانين والمحامين والمعلمين والسياسيين وكافة قطاعات الشعب السودانى المتعاطفة والمؤيدة للثورة الأرترية.
رغم ذلك كله كان أمامى دائما ( خط أحمر ) لا أتجاوزه – أنا أرترى بالأنتماء والأختيار – قلتها وأنا فى المدرسة الأبتدائية وأكدتها لأصد قا ئى من شندى وبربر فى المدرسة الثا نوية
ومارستها فى جامعة الخرطوم حيث كنت أوزع منشورات جبهة التحرير فى ( الداخلية ).
وفى جامعة الخرطوم اتصل بى بعض الأخوة من شرق السودان – منهم محمد عثمان كوداى ودكتور نافع محمود …
وطلبوا أن انضم اليهم فى حرا ك لأبناء الشرق — شكرتهم على ثقتهم وقلت لهم أننى مسكون بهم آخر – بوطن وشعب تركته ورائى – وربما نلتقى فى الطريق يوما ما وتمنيت لهم التوفيق. من كل ذلك نخلص الى أن ما يجمع بين الشعبين هو مصير واحد وما يحدث فى أحدهما يؤثر على الآخر …الدليل أنه كلما كا نت هناك ديمقراطية وحريا ت فى السودا ن كلما سا عد ذلك الأ رتريين وسهل من حركتهم فى أ تجا ه تحقيق الحرية والديمقرا طية. لذا لا بد من التفريق بين الشعب والنظام – أنا أحب وطنى ( ارتريا ) ولكننى أكره النظام الدكتاتورى – أحب الشعب السودانى ولكننى اختلف مع النظام السودانى بسبب تحالفه مع النظام الدكتاتورى فى ارتريا.
الشعب الأرترى لا ينسى من وقف معه فى فترة الكفاح المسلح وسانده وأيده ولو كان بكلمة حق – الشعب السودانى قاسمنا لقمة العيش وأعطانا المأوى والحماية ووجدنا فيه وطنا ثانيا. لا ننسى الأقلام الشريفة من الصحفيين والكتاب الذين دافعوا عن القضية الأرترية والفنانين الذين تغنوا بالثورة — لا ننسى المعلمين والطلبة – المحامين والكسبة – الفلاحين والتجار – النساء والشباب — والجنود – رجال الدين والسياسة.
بالمقابل فان الأرتريين يذكرون بمرارة وألم الطعنات التى وجهت اليهم من الظهر — ولأنها كانت من
( ذوى القربى ) فانها كانت أشد مضاضة – انها نماذج لمواقف الدولة ضد ارادة الشعوب وصورة لتحالف الأنظمة ضد تعايش الشعوب.
1- الطعنة الأولى كانت من نظام عبود الذى سلم المناضلين الأرتريين الى أثيوبيا.
2- الثا نية كانت على يد نظام نميرى ومستشاره عمر محمد الطيب حيث قام بتجريد جيش التحرير الأرترى من أسلحته عام 1981 ( أكثر من خمسة عشر ألف مقاتل ) عندما وصلوا الى الحدود السودانية اثر أزمة داخلية فى التنظيم .
3- الثا لثة كانت بعد التحرير –1991 كانت الفكرة فكرة الدكتور الترابى وكان القرار قراره بل وحتى التنفيذ أشرف عليه بنفسه ! أقفل مكاتب المعارضة الأرترية – صادر ممتلكاتها وأوقف نشاطاتها ووضعها أمام خيارين: اما الدخول الى ارتريا أو الذهاب الى معسكرات اللاجئين.!
قبل الدخول فى تفاصيل تلك العلاقة لا بد من التأكيد على الحقائق والثوابت التالية:
@ ان الأرتريين الذين هاجروا الى السودان واكتسبوا الجنسية السودانية مواطنون بكامل الحقوق والواجبات مثلهم فى ذلك مثل بقية أبناء السودان. ذلك حقهم الطبيعى وليس منة من أحد – مثل بقية الأرتريين فى العالم الذين اكتسبوا جنسيات أوربية وأمريكية وأسترالية. من أراد أن يجعل من السودان
“وطنا” بديلا له فذلك حقه وهو ملزم بكل ما سيترتب على ذلك الأختيار من حقوق وواجبات.
@ أن اكتساب الجنسية السودانية لا يسقط حق المواطن لممارسة نشاط يتعلق بحقوق مواطنين يرتبطون معه بالجذور أو حتى من منظور أنسانى وقيم العدالة والحرية . الجنود الأرتريون الذين التحقوا بالقائد حامد عواتى بعد الثورة كانوا فى الجيش السودانى وكانوا يحملون الجنسية السودانية – ذلك اختيار موقف من حق أى أنسان وانحياز للجذور والهوية. وباعتبارهم جزءا من الأقليم الشرقى والحراك الجماهيرى للنسيج الأجتماعى والثقافى لأبناء المنطقة فاننا نؤيد مطالبهم فى أن يتملكوا مقدرات اقليمهم الأقتصادية وأن تكون لهم الأولوية فى السلطة السياسية المحلية فى الأقليم بالأضافة الى تنمية الأقليم تنمية مستد امة حتى يلحق بقية أجزاء السودان.
@ اللاجئون الأرتريون قضية مختلفة – لهم حقوق قانونية وأنسانية ودولية – من حقهم الحصول على كل الخدمات والتسهيلات التى تقرها الشرائع الدولية والأنسانية. أما الأرتريون العابرون أو المقيمون بصفة مؤقتة والناشطون فى صفوف المعارضة الأرترية – هؤلاء المطلوب حمايتهم من مطاردات وهجمات عصابات الشعبية داخل الأراضى السودانية.
تبقى بعد ذلك العلاقة بين الشعبين الأرترى والسودانى – من يحددها ويشكلها ويرسمها؟ نظام غير شرعى اغتصب السلطة عنوة بغير وجه حق فى ارتريا؟ أم نظام فى الخرطوم تحكمه وتحاصره أزمات اقليمية ودولية يحاول أن يهرب منها بتحالفات فوقية وغير مبدأية مع نظام أسمرا؟ هل سألتم أبناء الشرق عن موقفهم مما يجرى فى جوارهم ؟ هل أتيحت لهم الفرصة للتعبير عن مشاعرهم تجاه أخوتهم وأبناء جلدتهم؟
أم أن ذلك من صلاحية وحقوق المركز والحزب الحا كم ؟
مأ ساة الشعبين الأ رترى والسودانى أن الله أ بتلاهما بنظا مين دكتاتورين تجمعهما الكثير من الخصا ل من بينها التمسك با لسلطة أو الطوفان !؟ أن نمو المجتمعا ت وتطورها فى القرن الأ فريقى لم يكتمل وتشكل الدولة المدنية الحديثة الجا معة والحا ضنة لكل مكونا ت المجتمع لم يصل الى غا يا ته … لذا فأ ن جميع مظا هر الحيا ة تكون قا صرة وغير نا ضجة حتى مبا درا ت التغيير والأ بدا ع تتوقف عند منتصف الطريق وبتم أ جها ضها ! حتى الدكتا تورية كنهج وفكر ومما رسة لا تستوفى كل شروطها التى قرأ نا ها وتا بعنا ها فى تجا رب الشعوب الأ خرى.! دكتا تور أرتريا يعتقل ويقتل وينفى ولا يطلب الا الولاء والطا عة … ويلبس ( الشدة ) والكا كى ويفخر أنه ( ثا ئر ) وزا هد فى الدنيا ويذهب من حين الى آخر الى المطا عم الشعبية ليأ كل الفول ؟ ودكتا تور السودا ن يعتقل ويقتل ويقصى ويقول أنه ( مختا ر ) من العنا ية الأ لاهية وأ نه لا يعمل للدنيا ويلبس الجلابية والمركوب ويأ كل ( المفروكة ) خا صة أمام عدسا ت التصوير ؟
لكن عندما يشعران بأ قتراب الخطر قأ ن الحذاء الوحيد الذى يستخدما نه هو ( البوت العسكرى ) !؟
السؤال هل يتصنع الدكتا تور ذلك ويقوم بدور تمثيلى أم أن ذلك تصرف طبيعى وتكوين موروث لا يملك تجا هه أ رادة ؟ كلا … أن الدكتا تور هو نتا ج تلك البيئة الغير مكتملة أجتما عيا وأ قتصاديا وثقا فيا … ومع فشل النخب المبا درة والمبدعة وبسبب التجريف الأ جتما عى والثقا فى الذى أ صا ب الطبقة الوسطى يبرز الدكتا تور وهو لا يملك غير ( خواء ) فكرى …يملأه كل من يحيط به وكل من يثق قيه وينا فقه .
يصبح الدكتا تور مثل ( السبورة ) يكتب عليها كل من يستطيع أن يشبع غرائزه السفلى ويؤكد له أ نه لا يديل عنه ؟
طوال العهود السياسية فى السودان لم تكن هناك ( استراتيجية ) للتعامل مع الثورة الأرترية. كان التعامل
عابرا و مؤقتا وأمنيا. فى عهد المشير جعفر نميرى جمع أعضاء ادارة الأمن وطلب منهم تقريرا عن الثورة الأرترية – جاء فى التقرير:
التنظيم الفلانى تابع للعراق
التنظيم الفلانى تابع لسوريا
التنظيم الفلانى تابع للسعودية
التنظيم الفلانى تابع لأمريكا
التنظيم الفلانى تابع لروسيا — انتهى التقرير.
التفت نميرى الى مستشاره الأمنى وقال: وحقنا وين ؟ لم تكن هناك سياسة بهذا الأتجاه – كان السودان معبرا لمساعدات ونشاطات وعلاقات الدول الأخرى مع الثورة الأرترية.. بالمقابل فان الثورة الأرترية
( ممثلة فى جبهة التحرير الأرترية ) راعت حقوق الجوار وأحترمت الأمن القومى السودانى وقامت بحراسة الحدود وحمايتها من كل تسلل أو اختراقات دون اتفاق موقع مع الحكومات السودانية المتعاقبة.
وبعد دخول جبهة التحرير الى السودان – حدث فراغ كبير شعر معه السودانيون بالدور الذى كانت تقوم به جبهة التحرير فى حماية الجبهة الشرقية. وقد تأكد ذلك الدور بعد قيام الدولة الأرترية والهجوم الذى قامت به قوات الجبهة الشعبية بالتعاون مع المعارضة السودانية على مدينة كسلا – وكان المناضلون من المعارضة الأرترية فى الصفوف الأمامية لخط الدفاع عن المدينة. ذلك كان وما يزال حال وموقف كل الأرتريين المقيمين فى شرق السودان – الدفاع عن السودان اذا تعرض لأى هجوم غادر.
أول تنظيم وضع استراتيجية للتعامل مع الثورة الأرترية كانت الجبهة القومية الأسلامية السودانية
( الترابى ) وهى فى المعارضة. وتطورت تلك العلاقة حتى تم التوقيع على وثيقة تفاهم مع الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا قبل التحرير –؟! ذلك ما جعل صديق الثورة الأرترية الراحل ( سيد أحمد خليفة) يكتب ويسأل : هل أسلم أسياس أم كفر الترابى ؟ ومن يومها بدأ التحالف.
منذ البداية كان النظامان على طرفى نقيض فكرا ونهجا ورسالة.
1- نظام الأنقاذ كان يعتقد بأن قيادة الدولة الأرترية الوليدة عام 1993 ليس لها تجربة ولا قدرة على فهم المعادلات السياسية فى المنطقة. لذا فان تقديم الدعم لها واغرائها بتوفير احتياجاتها الأقتصادية والأمنية يمكن أن يؤدى الى احتوائها أوتحييدها واذا لزم الأمر تهميشها. كان النظام يراهن على الكم الأسلامى فى ارتريا وأثيوبيا والصومال وبالتالى فان العلاقات الفوقية مع الأنظمة ما كانت الا غطاءا لتسهيل الحركة والوصول الى تلك المواقع والأتصال بذلك الأحتياطى البشرى الأستراتيجى. كان نظام الأنقاذ يحاول أن يقدم نموذجا للدولة الأسلامية الحديثة ويبشر بمبادئها وينشر ملامحها. كانت تلك قراءة خاطئة للخارطة الأجتماعية والثقافية والسياسية للمنطقة وجهلا فاضحا بتركيبة وتوجهات الجبهة الشعبية. لو كانت الجبهة الشعبية تقبل بمبادرات الترابى لكانت بدأت من داخل الوطن – رفضت مئات الخريجين المسلمين ودفعتهم للهجرة الى السودان. وسنرى ما حدث نتيجة لتلك الأخطاء.
2-بالمقابل نظام الجبهة الشعبية فى أسمرا كان يعرف تماما مخطط ونوايا نظام الأنقاذ ولكنه سار معه وسايره لتأمين حماية مؤقتة ضد المعارضة الأرترية حتى يكمل ترتيبات بيته داخليا ويبدأ بدوره نشر
رسالته ؟! لذا بمجرد الأنتهاء من المهمة الداخلية – التحق بالركب الأمريكى وتحالف مع أثيوبيا وأوغندا والآخرين ضد النظام السودانى.
ما كان يجمع بين النظامين هو طبيعتهما: احتكار السلطة والثروة وفرض دكتاتورية الحزب الواحد وممارسة القمع ضد المعارضين. وعندما انكشف المستور وعرف كل طرف أن الطرف الآخر أدرك أبعاد اللعبة بدأ الصدام والتناحر وأخذ كل منهما يصرح بأن أيام الطرف الآخر أصبحت معدودة !
وفى ذلك الصراع استخدمت كل الأسلحة المشروعة منها وغير المشروعة وكانت الورقة الرابحة لدى كل طرف ( المعارضة ) فى كل من البلدين. وفشل كل منهما فى تحقيق أهدافه لأسباب كثيرة — ولكن الأهم تغيرت خارطة العلاقات واستراتيجية الدولة الكبرى وأصبحت أثيوبيا هى الأبن المدلل فى المنطقة والممسكة بخيوط بقاء أو زوال النظام الأرترى !؟ شعر النظام الأرترى أن الخطر عليه يأتى من الجنوب وليس من الشرق فكان أن فجر حرب بادمى ! فى السودا ن انقسمت جبهة الأنقاذ الى فريقين وكان الأب الروحى لها والموجه السياسي ( الدكتور الترابى ) هو عراب التحالف مع نظام الجبهة الشعبية وواضع أسسه – ولكنه بعد الأنشقاق قال فى لقاء مع قناة ( الجزيرة ) فشلنا فى فهم وتطبيق المحتوى الحضارى للآسلام – تمسكنا بالشكل ونسينا المضمون— حاربنا الجميع وحاربونا— احتكرنا السلطة والثروة وحرمنا بقية أهل السودان منهما ثم انقلبنا على بعضنا البعض وكان ما كان ) !؟
ماذا حدث بعد تبدل المواقف وأنقسام الأنقاذ؟ المؤتمر الوطنى الحاكم تذبذت علاقاته مع النظام الأرترى وفقا لظروفه الداخلية وضغوط القوى الخارجية – والنظام الأرترى بدوره يقترب ويبتعد مع الظام السودانى حسب الحصار والأزمات التى يمر بها. وكل منهما همه ودافعه هو تأمين حكمه وتثبيت سلطته وليس تعايش الشعبين ومصلحتهما المشتركة. واذا كان موقف المؤتمر الوطنى – بحكم كونه فى السلطة – مفهوما وان لم يكن مقبولا الا أن ما يحير المرء هو موقف المؤتمر الشعبى ورئيسه الترابى !؟ الرجل وهو فى المعارضة وبعد اعترافه بفشل المشروع الحضارى – سافر الى أرتريا بدعوة من رئيس النظام الأرترى ؟ حتى هنا كان يمكن أن يقال ذلك نشاط سياسى طبيعى بين دولتين جارتين – ولكن الشيخ لم يقل خيرا ولم يصمت !
فى مقابلة نشرتها صحيفة ( الشرق الأوسط ) أجراها الصحفى الأرترى – عبد العليم حسن – قال الترابى:
رأينا أنه لا خير فى أن تبقى أقلية مقدرة خارج بلادها لا تساهم فى بنائه الفكرى والتعليمى والأقتصادى. ولا خير فيها فاذا بقى ارترى فى السودان مرحبا به ويعتبر وشيجة العلاقة بين البلدين وهى المطلوبة واذا عاد الى بلده يستقبل حرا ويلقى كسبه فى الحياة. ) يا الهى !! هذا الرجل لا يقرأ ولا يتابع أنباء دولة بجواره؟
هذا الشيخ لا يشعر بمعاناة شعب أمامه ؟ ألم تشاهد يا دكتور برنامج تلفزيونى سودانى اسمه
( رحيل شعب ) ؟ لم تسأل عن هؤلاء أثناء زيارتك ولم يفتح الله عليك بكلمة واحدة عن أحوال المسلمين والمعتقلين من رجال الدين ؟ شعرت بفخر لأنك صليت بالمسلمين فى ( مصوع ) ونسيت أن عشرات الألوف يصلون يوميا فى الأقصى ورغم ذلك فان الملايين فى أنحاء المعمورة يتوجهون بالدعاء الى الله سائلين تحرير المسجد الأقصى !؟
ربما كان للتركيبة النفسية والفكرية لكل منهما ( الترابى وأسياس ) الأثر فى سرعة لقائهما وسرعة خصامهما ثم العودة الى المصالحة ! كل منهما لا يؤمن بالعمل الجماعى ولا بالمؤسسات— يجمعهما طبع التدخل المباشر فى كل صغيرة وكبيرة وفى الوقت ذاته الأحتفاظ بهالة القائد المؤسس والموجه والملهم والمعلم !؟ أين الديمقراطية ؟ أين الشورى ؟ أين الحوار يا دكتور ؟؟
وماذا عن المؤتمر الوطنى الحاكم ؟ هل تحالفه مع النظام الأرترى فى مصلحة الشعبين الأرترى والسودانى وتعايشهما ؟ ولكن ما هى مظاهر ذلك التحالف وما هى آثاره ؟ :
1- يمنع تماما توجيه أى نقد الى النظام الأرترى فى وسائل الأعلام الرسمية السودانية – ذلك حجر على حقوق المواطنين السودانيين التى يقرها الدستور السودانى .
2- يمنع أى نشاط للمعارضة الأرترية حتى الأنشطة الأنسانية ( حقوق أنسان وتأييد قرارات الأمم المتحدة )
3- اطلاق يد أجهزة الأمن الأرترية فى الأقليم الشرقى لممارسة الخطف والتهديد والقتل حتى من معسكرات اللآجئين.
4- اعطاء ضوء أخضر لحكام ولايات الشرق لأقامة علاقات مباشرة مع المسئولين الأرتريين واللقاء حتى مع رئيس الدولة الأرترية ! هذا يعنى اما أن رئيس الدولة الأرترية أصبح واليا أو أن الوالى أصبحت لديه صلاحية رئيس دولة ؟! فى آخر لقاء مع مسئول أرترى صرح حاكم ولاية كسلا فى تأكيد لهذا التحالف :
( سنضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه لتعكير الأجواء بين البلدين ) ؟ يا سيادة الوالى – من الذى يقوم بتعكير الأجواء ؟ المعارضة الأرترية لم تخترق الحدود ولم تعكر الأمن – دافعت عن مدينة كسلا حينما غزتها قوات الحكومة الأرترية مع المعارضة السودانية – قوات الحكومة الأرترية هى التى دخلت
منطقة ( هفتا ) جنوب مدينة طوكر بولاية البحر الأحمر ( 11122010) وقتلت وأعتقلت مواطنين سودانيين..
القوات الأرترية هى التى أخترقت الحدود وأ حتلت مشاريع زراعية سودانية فى مثلث حمدايت؟
5- ممارسة ضغوط على المواطنين الأرتريين فى الأقليم الشرقى للالتزام فى ما سمى بالجاليات الأرترية باشراف ضباط مخابرات أرتريين ! وهى عبارة عن أوكار للمراقبة والمتابعة وجمع الأتاوات المالية.
6- تعاون أجهزة الأمن السودانى مع أجهزة الأمن الأرترية فى اعادة الجنود الأرتريين الهاربين الى السودان حسب القائمة التى تقدمها الجبهة الشعبية. وقد قال شهود عيان أن الجنود الأرتريين يقومون بضرب الهاربين الذين تسلمهم السلطات السودانية أمام الجنود السودانيين. ! هل هذا تعايش بين شعبين ؟
7- وصل الغرور بالجبهة الشعبية درجة يصرح فيها أحد ضباطها قائلا ( السودان بلد بلا صاحب – ندخل كما نشاء ونخرج متى نشاء )!؟ بل أن أجهزة الأستخبارات الأرترية طلبت رسميا من السلطات السودانية نقل قائد منطقة خشم القربة العسكرية لأنه غير موثوق به ؟ من من؟ من الجبهة الشعبية !؟ وا سوداناه !!
الخلاصة : التحالفات بين الأنظمة أمر معروف ومشروع وخاصة بين دول الجوار – ولكن هناك شروط وحدود وأهداف ومبادىء وسيادة وكبرياء وعزة — وفى كل خطوة باتجاه أى تحالف يجب استصحاب طموحات ورغبات الشعوب التى يتم التحالف بأسمها ومن أجلها.
هل هناك مصلحة للشعب السودانى فى تحالف نظامه مع النظام الأرترى ؟ الأمر المؤكد أن لا مصلحة على الأطلاق فى هكذا تحالف للشعب الأرترى ! ماذا يخشى النظام السودانى ؟ قوة وتآمر النظام الأرترى ؟ لقد استنفد كل أوراقه ومؤامراته ولم يعد فى جعبته شىء – أما القوة فهو قد سلم نصف البلاد فى حرب بادمى واستسلم لشروط الخصم. كل الأراضى التى استولى عليها بالمفاجأة والخيانة أعادها صاغرا ذليلا —
( همشكوريب – حنيش – أراضى جيبوتى –). انه نظام معزول ومكروه من العالم كله ومن شعبه –
لا يمكن أن يكون هناك تعايش بين شعب يتحرك ويتنقل داخل بلده دون شروط أو قيود وبين آخر وراء القضبان والقيود –
اذا كان النظام السودانى ديمقراطى كما يدعى لماذا يخشى من رد فعل النظام الأرترى – اذا كانت ديمقراطيته حقيقية فان لجوء المعا رضة السودا نية الى نظا م أسمرا ينسف مصدا قية تلك الديمقرا طية ومنعه لنشا طات المعا رضة الأ رترية يؤكد أنه لا يؤمن با لديمقراطية منهجا ومما رسة وحقا أ نسا نيا ثا بتا . ان تحالف الجبهة الشعبية والأنقاذ ما هو الا محاولة لتطبيع ما هو غير طبيعى بين نظامين لا يجمع بينهما الا الجوار الجغرافى.
ما ذا نريد من النظا م السودانى – أى نظا م يحكم السودان ؟
نريده أن لا يتآمر على شعبنا ولا يسا ند دكتا تور أرتريا ضد طموحا ته وأهدا فه
نريده أن يكون سندا للأيدو ملوية
نريده ملاذا للهارب من الدكتاتورية
أليست تلك هى مبادىء الأنقاذ؟ أم أن المبادىء تغيرت والأحوال تبدلت وأصبحت الأولوية للفانية على الباقية ؟ ألا رحم الله القلم الشجاع ( سيد أحمد خليفة ) الذى قا ل كلمة حق ومضى ورحم الله صديق الشعب الأ رترى وفنا ن أ فريقيا الأول الذى غنى لأرتريا العملاق محمد وردى.
كان الله فى عون الشعبين الأرترى والسودانى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.