مبارك أردول يرد على البرنس هيثم مصطفى: (أنا جاي بعد بكرة تعال اعتقلني)    شاهد بالفيديو.. طالبة سودانية بالقاهرة تبكي من تشدد "المراقبات" في امتحانات الشهادة: (حسبي الله ونعم الوكيل فيهم شايلة بخرات ما قدرت أطلعهم)    شاهد بالفيديو.. عروس سودانية تشكو: (في صبحية زواجي ضبطت زوجي مع صديقة عمري داخل غرفتها بأحد الفنادق)    السودان.. انخفاض معدل التضخم    شاهد بالفيديو.. الصحفية داليا الياس توضح الحقائق الكاملة حول أمر القبض الصادر ضدها: (نعم أخطأت ويسعدني جداً ما وصل إليه القانون في بلدنا)    شاهد بالصورة.. نيابة أمن الدولة تصدر أمر قبض في مواجهة الشاعرة والصحفية داليا الياس.. تعرف على التفاصيل!!    شاهد بالصورة والفيديو.. "مُسن" سوداني في الثمانين من عمره يفاجئ المتابعين ويتأهب لإكمال مراسم زواجه بقعدة "حنة"    شاهد بالصور.. المذيعة السودانية الحسناء جدية عثمان تقارن بين الماضي والحاضر بإطلالتين مختلفتين    Gemini يدخل مرحلة جديدة: جوجل تعزز الذكاء الشخصي وتربطه بحسابات المستخدم    دليلك الشامل لتحديثات يوتيوب الجديدة: من ال GIF إلى البث العمودى    منتخب الناشئين يواجه جينيس وديا اليوم استعدادا لأمم أفريقيا    الأهلى ينفى دخول وساطات لإنهاء الأزمة مع الجبلاية    الواثق البرير يطرح رؤية لعقد اجتماعي جديد في السودان للخروج من الأزمة    افتتاح مصنع الجوازات والوثائق الثبوتية بمدني    كل ما تحتاج معرفته عن GPT 5.4 سايبر المتخصص فى الدفاع السيبرانى    أصالة تحيي حفلاً غنائيًا في باريس.. 25 أبريل الجارى    ياسر جلال يحتفل بعيد ميلاده ال57.. مسيرة فنية وسياسية    أنوشكا : نجاح الفن فى لمس قلوب الناس وإحداث تغيير إيجابى لدى الجمهور    بينها الجبن.. 4 أطعمة يمكنها تبييض أسنانك بشكل طبيعى    نتائج مبشرة لدواء روسى جديد لعلاج سرطان الدم.. اعرف التفاصيل    الأهلي يكسب الامل بهدفي والي الدين و سواريز    الشعلة تعبر النيل والنصر الشرفة يتخطى العزيبة    الجاكومي يكشف تفاصيل"الفيديو المثير"    د.ابراهيم الصديق على يكتب: خلافات حميدتي وطاحونة: وقائع مكالمة مسربة..    رباعي المريخ يخضع لبرنامج تأهيل بالقاهرة    التهاب الشعب الهوائية.. كيف يبدأ ومتى يتحول لمشكلة مزمنة؟    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    فيفا يُخطر المنتخبات بمواعيد قوائم كأس العالم 2026    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    والي الخرطوم يوجه بالتوسع في توفير غاز الطبخ عبر الوكلاء المعتمدين    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    خطر عظيم يهدد يامال أمام أتلتيكو مدريد    رئيس شُعبة مصدري الذهب: أنقذوا صادر الذهب واستيراد المحروقات من أيادي العبث وعديمي الضمير    تفاصيل جديدة بشأن انقطاع التيّار الكهربائي عن الولاية الشمالية    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    إحصائيات صادمة تؤكد ضياع كيليان مبابي في الوقت الحاسم    رئيس الوزراء يدشن حصاد القمح بمشروع الجزيرة    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدل الاخلاق ما بين بوليس الثقافة وبوليس النظام العام
نشر في حريات يوم 23 - 10 - 2012


عبدالله عيدروس
سيكون مدخلي لتناول مسألة حظر السلطات لثلاث روايات ومجموعتين قصصيتين للكاتب عبدالعزيز بركة ساكن من عدة زوايا متشابكة ومتداخلة مع بعضها، وتشكّل كل ناحية منها موضوعا لوحده يحتاج لدراسة متعمقة ومجهود كبير لا تتوفر عليهما هذه الورقة وانما تطرق خفيفا وباختصار علي رؤوس مواضيع بما يفتح بابا للمناقشة والاضافة.
1- المجتمع – السلطة – القانون
تنشأ أي سلطة من المشروعية التي تجدها عند الافراد والمجتمع وتعمل علي تبني الايدولوجيا السائدة أو تتصنع ذلك وتنصّب نفسها الحارس والمدافع الاوحد عنها والراعية لقيمها والممجدة لها، وتشرّع القوانين التي تعبر عن هذه الايدولوجيا وتستخدمها ايضا كوسيلة لقمع ذات الافراد والمجتمع في سبيل تعزيز وجودها واستمراريتها ومن هذا التناقض بين هذه الاطراف السلطة/القانون والافراد/المجتمع تتخلق علاقة جدلية تجيز ان يحصل تغيّرا في أيًة ناحية من حدود العلاقة متي ما توافرت الشروط اللازمة لذلك وبما ينتج معه تبدلا في الحدود الأخرى.
2- حرية التعبير
وفي العلاقة ما بين المجتمع – وممارسة حرية التعبير يقوم القانون بحفظ حقوق الأفراد والجماعات بما يصون هذه الحرية في حال استخدام فرد او جماعة لهذه الحرية للاضرار بالغير افرادا او جماعات وللمتضرر الحق في اللجوء للقانون لاثبات ما حاق به ومن ثم انصافه، لكن ليس هنالك دولة ديمقراطية تشرّع قوانين تحدد مسبقا مدي المساحة المسموح بها لحرية التعبير، لان سقفها الوحيد هو الضرر لا غير والذي يتم اثباته عبر المحكمة ولا يتم بقوانين استباقية او جهات غير مخوّلة موضوعيا، وكان هذا هو الحال الذي عليه القانون في السودان حيث لا تتدخل الدولة في عملية تداول ونشر المؤلفات والاعمال الابداعية إلا فيما يتعلق بتنظيم عملية النشر والتداول وتحديد الجهة التي تسجل فيها هذه الاعمال وحماية حقوق المؤلف (قانون حقوق المؤلف لسنة 1974) ولم يصدر قانون في السابق يحتوي علي نصوص رقابية لمحتوي المؤلفات وانما تركت مسالة حماية الحق العام والخاص لنصوص القوانين الاخري (الجنائي والمدني وغيرها)
قامت السلطات الحالية بتعديل هذا القانون عدة مرات اولها في العام (93) وكل تعديلاتها اشتملت علي اضافات تتعلق بكيفية الرقابة علي المصنفات واخيرا فصلت بين القانون المتعلق (بالملكية الفكرية) وخصصت القانون الحالي لسنة (2001) والذي يسلّط علي المبدعين ومنهم الكتاب ويتم حظراعمالهم بناءا علي مواده (قانون المصنفات الأدبية والفنية ) للدواعي الرقابية فقط وهو قانون طريف في نصوصه والجهات المناط بها تطبيقه ممثلة في (مجلس المصنفات الأدبية والفنية) وعلي غير ما درج عليه المشرّع عند صياغة نصوص القوانين باستخدام تعابير واضحة وصريحة وغير قابلة لتعدد التأويل بصورة مخلة بالغرض ومدخلة في الالتباس والارتباك نجد ان الفصل الثاني ينص في الفقرة (ج) علي (حماية الأمن الثقافي الوطني) وبالرغم من وجود مادة مختصة بتفسير المصطلحات التي ترد في صلب القانون لكننا لا نعثر علي تفسير لمعني (الامن الثقافي الوطني) الذي يحتاج لحماية ؟ ولكنها ترد هكذا كانما هو موضوع متعارف ومتفق عليه مما يدلل علي ان ضبابية هذا المصطلح وعدم وضوح معناه مقصودة لاطلاق يد الجهات المطبقة للقانون (مجلس – شرطة – محكمة ) لتفسّره علي هواها كيف ذهب، وليكون هذا هو احد الاهداف من انشاء مجلس للمصنفات الادبية والفنية
وبمطالعة نصوص القانون * نخلص الي ان من سلطات مجلس المصنفات الادبية والفنية حماية الامن القومي عن طريق حماية الافراد والمجتمع من الاعمال التي تخل بالقيم الدينية والآداب العامة وايضا تلك التي تسئ إلي المعتقدات او الاعراف الدينية او التي تسئ إلي اللون او الجنس أو تتعارض مع سياسات الدولة وامنها القومي ولمباشرة اعماله ينص القانون علي احتكار المجلس لمهمة التصديق بالنشر أو الحظرللاعمال والمؤلفات الداخلة في اختصاص (قانون المصنفات الادبية والفنية) ولا يسعنا ان نقول هنا ان في ذلك انتهاك واضح وصريح لحرية التعبير باعمال الرقابة الاستباقية علي المؤلفات الادبية والفنية لأن الامر ابلغ من ذلك حيث تقوم السلطات بتعيين عدد من المشتغلين بالثقافة في هذا المجلس وينصبون كسدنة لحراسة اخلاق وقيم الشعب وآدابه العامة والامن القومي للدولة في مواجهة المبدعين والمؤلفين المنتجين للثقافة وليس من ذريعة تؤهلهم لهذا المنصب الغريب الا نصوص هذا القانون نفسه.
3- النطاق الثقافي
المصطلحات من نوع (القيم الدينية) (الآداب العامة) (الإساءة الي المعتقدات) الواردة في قانون (المصنفات الادبية والفنية ) تتشابه وتتطابق الي حد كبير مع ذات المصطلحات المستخدمة في مواد القانون الجنائي لسنة 91(من المادة 151-155) المتعارف علي تسميتها بقانون (النظام العام )عند تعريفها للأفعال الفاحشة بأنها من يأتي فعلا مخلا بالحياء لدي شخص آخر أما الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة فتنص عليها المادة 152(2) يعد الفعل مخلاً بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل. والمعيار الذي اعتمدته السلطة في تحديد القيم الدينية والآداب العامة والإساءة الي المعتقدات وخدش الحياء العام هو تأويلها لنسختها من الثقافة العربسلامية لأقوام الشمال النيلي وأواسط السودان وقيمها وأخلاقيتها ورموزها المقدسة، والثيمة الرئيسة المؤثرة في ثقافة مستعربي الشمال النيلي واواسط السودان هي نشدان النقاء العرقي بالانتساب الي قبائل مهاجرة من الجزيرة العربية والنظرة العنصرية للافراد الخارجيين عن نطاق العرق والثقافة، وسيطرة العقلية الذكورية مما يعطي اهمية للثيمة الاخري في تابو هذه الثقافة وهي كل ما يتعلق بالمرأة من تنميط محدد لدورها وصورتها في المجتمع والفارق بين نسخة تدين وقيم السلطة وقيم غالبية المجتمع داخل نطاق هذه الثقافة ليس جوهريا لانه لا يتمظهر في ثقافة المجتمع، وانما بحسب طبيعة وتركيبة السلطة الحاكمة، فالنخبة العربسلامية المسيطرة علي الدولة الحديثة في السودان ما بعد الاستقلال بتعاقب حكوماتها المدنية والعسكرية تنقسم الي قسمين رئيسيين :
القوي التقليدية المعبرة عن ثقافة وقيم المجتمعات التقليدية
قوي الحداثة والتي بدورها تتفرع الي تيار رئيسي يتمثل في جماعات الاسلام السياسي التي تتشارك مع القوي التقليدية ذات القيم الاخلاقية للثقافة العربسلامية ولكنها تمثل النسخة الاكثر محافظة وسلفية
التيار الفرعي لقوي الحداثة وتمثله القوي الديمقراطية والعلمانية والخطاب الديني المستنير المتبني للحريات العامة والحقوق الاساسية للافراد
و السلطة الحالية كونها نتاج انقلاب الجبهة الاسلامية بمسمياتها المختلفة (حكومة الانقاذ – حزب المؤتمر الوطني) تمثل انتصارا لقيم جماعات الاسلام السياسي كممثل رئيسي للطبقة الوسطي العربسلامية في مقابل تيار الديمقراطية والاستنارة المتراجع والمنحسر وكمنافسة للقوي التقليدية في استثمار ذات الرموز والقيم الاخلاقية للمجتمعات التقليدية داخل النطاق العرقي والثقافي وهذا الفارق في طبيعة السلطة الحاكمة يفسر لنا لماذا لم تسعي الدولة في السابق لفرض القوانين التي تراقب القيم والاخلاق عند عامة المواطنين والمواطنات بالصورة المباشرة وبهذا الافراط العنيف لاجهزة الدولة كما فعلت سلطة الأنقاذ في (قانون النظام العام وقانون المصنفات الادبية والفنية وقانون المطبوعات والصحافة) وغيرها من القوانين علي الرغم من ان الايدولوجيا المسيطرة علي الدولة هي ذاتها لم تتغير وبتحليل ذلك نصل للآتي :
المجتمعات التقليدية بطبيعتها معادية لأجهزة الدولة ورافضة لتدخلها المباشر في حياة الافراد والجماعات وهو موقف ناتج عن اسباب تاريخية موضوعية باعتبار ان الدولة الحديثة في السودان لم تتشكل نتاج تطور طبيعي لهذه المجتمعات وإنما تم فرضها قسريا بواسطة المستعمر وهي تتوفر علي أدوات وآليات قمع وضبط اجتماعي سابقة في تبلورها ومختلفة عن تلك التي تستخدمها الدولة ومؤثرة وفاعلة في داخل نطاقها العرقي والثقافي والقوي التقليدية لا تستند علي الدولة بشكل رئيس في انتاج خطابها ولذلك لا تعتمد علي ادواتها فقط، بينما نشأت القوي الحديثة كنتيجة مباشرة لتشكّل هذه الدولة ومرتبطة بها عضويا لذلك فأنها عند وصولها للسلطة بالانقلاب العسكري تجيّر ادوات وآليات الجهاز البيروقراطي لمصلحتها المباشرة بما يحدد التيار الرئيسي المنتصر داخلها بحسب علاقته بهذا الجهاز مع ارتباط ذلك بالاتجاه الغالب لمسار الصراع الاجتماعي .
الاختلاف في طريقة استخدام هذه الأدوات ففي حين استخدمت النخبة الممثلة للقوي التقليدية عند سيطرتها علي الدولة ادوات ناعمة مثل التعليم ووسائل الاعلام وانتاج الثقافة والترفيه لفرض قيمها واخلاقيتها علي الافراد داخل نطاق الثقافة العربسلامية وخارجها من الشعوب السودانية المتنوعة والمختلفة في ثقافاتها وقيمها، تنزع القوي الحديثة العربسلامية للاستخدام العنيف للقانون والاجهزة القمعية للدولة (جيش – شرطة- امن) لفرض القيم والاخلاق ويتضح ذلك جليا عند اول وصول لممثلي الطبقة الوسطي العربسلامية للسلطة في التحالف الذي تم بين الاخوان المسلمين وسلطة مايو وما نتج عنه من سن لقوانين سبتمبر 1983.*
اثر المرجعية الدينية والذي يظهر في ما يستتبع النظرة العنصرية للافراد والمجموعات الخارجيين عن نطاق العرق والثقافة ففي حين تحيل ثقافة المجتمعات التقليدية هذا الامر لاسباب قدرية تتعلق بكونهم اشخاص غير كاملين واقل شأنا من أن يلزموا باخلاق (السادة ) من مستعربي الشمال النيلي والاواسط، لذلك فأنها تتسامح نسبيا مع الوجود المجاور والخفي للقيم المغايرة لهؤلاء الافراد والمجموعات فيما يوصف (باخلاق العبيد) طالما ظلّ وجودهم هامشيا، فإن نسخة القوي الحديثة ذات المرجعية الاكثر محافظة وسلفية تري ان رسالتها الدينية ومهمتها المقدسة لا تتمحور في ادخال الشعوب والاقوام السودانية من غير مستعربي الشمال النيلي والاواسط في الاسلام وحسب، بل ومع قسرالمسلمين منهم واعادة صياغة قيمهم وثقافتهم لتتطابق مع نسختها للثقافة العربسلامية .
نخلص من ذلك الي انه ليس هنالك خلاف في تحديد ماهية المحظورات في قيم الثقافة العربسلامية الرئيسية ولكن الخلاف في الموقف والتصرف حيالها كمثال لذلك فإن النظرة للمرأة والتنميط المحدد لدورها وصورتها في قيم المجتمع أو فكرة الزي الفاضح الذي ترتديه الفتيات واستهجانه غير مختلف عليه داخل نطاق الثقافة العربسلامية الذكورية بشقيها لكن الفارق يظهر في رفض استخدام قوانين وادوات الدولة القمعية لأنه في الاساس فإن آليات القمع تعمل داخل النطاق الثقافي والعرقي بواسطة المجتمع التقليدي نفسه وبمعزل عن سلطة الدولة وعلي ذلك قس بقية المحظورات في ثقافة مستعربي الشمال النيلي واواسط السودان .
4- نفي الافكار والاجساد
قلنا ان السلطة الشمولية كممثلة للقوي الحديثة نازعة بطبيعتها للاستخدام العنيف لاجهزة الدولة القمعية في سبيل فرض قيم واخلاق الثقافة العربسلامية علي الافراد والشعوب السودانية داخل نطاق العرق والثقافة نفسه اوخارجه لا فرق، ولصالح تصوراتها المتخيلة في ايدولوجيتها لمواطنين ومواطنات لهم نفس لون البشرة والسحنة ويلبسون بطريقة متماثلة ويتكلمون باستخدام تعابير محددة في اللغة ويتحاشون غيرها ويسلكون في منازلهم وفي الشوارع والمرافق العامة مسالكا مرسومة ويغنون ويصلّون بلسان واحد ويستهلكون الاصناف ذاتها من السلع ولا يقرأون إلا ماتم التصريح به من كتب ومجلات وصحف …. الخ فإن السلطة الشمولية تتجه لقمع التنوع في المجتمع ومحو الاختلاف والتفرّد، وتتحرك في فضاء واسع لتأمين سوق بضاعتها الرمزية والمادية، ولكنها تواجه بواقع مغاير يتناقض ويصادم هذا التصوّر، هذا الواقع يتمثل في حقيقة تنوع وتعدد الاقوام والشعوب السودانية وبالتالي تعدد القيم والرموز التي تحكم نطاق كل ثقافة علي حدة كون الغالبية من الشعوب السودانية ظلّت بعيدة عن واقع الاستعراب ولم يكتمل ادراجها في الدولة القومية الحديثة ولذلك فهي بشكل نسبي تختلف عن قيم واخلاق الاقوام السودانية المستعربة وهذا بالقطع لا يعني ان ثقافة الشعوب المهمشة لا تتشارك الي حد ما في الثيم الرئيسة للثقافة المركزية كالعنصرية والذكورية واضهاد المرأة ولكن الملاحظ أن مكانة المرأة ودورها في المجتمع اكبر وبالتالي فإن المحظورات اقل بالمقارنة مع الثقافة المركزية العربسلامية وذلك ناتج عن غياب الدولة كمشارك في جدل الثقافة لهذه الشعوب لذلك فهو اكثر تصالحا وتواءما مع بيئته ولأن تدخلها عندما يحدث لا يتم بوصفها طرفا اصيلا في الثقافة وانما طرفا خارجيا عليها لا سيّما وان النّخب العربسلامية التقليدية وريثة الاستعمارفي الدولة واصلت ذات سياساته في اقصاء الشعوب المهمشة باستبعادها خارج مدارج التطور المدني المنجز جزئيا للشعوب المستعربة وفي التفاوض معها وابرام التحالفات مع الزعامات التقليدية المعبرة عن الخطاب الاكثر تخلفا ورجعية من داخلها.
إذن فإن السلطة الشمولية تتواجه في داخل نطاق الثقافة المركزية العربسلامية بالتناقض بين نسختها من القيم والاخلاق وجدل الواقع الاجتماعي في ذات المركز الثقافي أما عند مواجهتها مع الوان وسحنات ولغات وأفكار وأجساد نساء ورجال وجماعات الشعوب المهمشة فان التناقض هنا يصير جوهريا مرة بخارجية الثقافة المركزية العربسلامية للدولة عن ثقافة وقيم هذه الشعوب والثانية بسبب طبيعتها كمجتمعات تقليدية اكثر بعدا عن القيم والثقافة المحافظة والسلفية للطبقة الوسطي العربسلامية و نفصّل هذه التناقضات في ازمة قيم واخلاق الثقافة المركزية العربسلامية كالتالي:
السيطرة علي الاجساد:
قلنا ان الطبقة الوسطي العربسلامية تستثمر ذات القيم والرموز الاخلاقية للمجتمعات التقليدية داخل نطاق العرق والثقافة، ولكنها تتبني نسخة أكثر محافظة وسلفية وتستخدم ادوات قمع وضبط اجتماعي تختلف عن تلك التي استخدمتها نخبة القوي التقليدية التي حكمت البلاد في السابق، ولشرعنة قمعها سنّت السلطة قانون النظام العام ووضعت سياسات (المشروع الحضاري) لاعادة صياغة الانسان السوداني عموما لكن اعتبارات تابو المحظورات في ثقافاتها وقيمها تجعلها تستهدف النساء بشكل اخص،لذلك نجد ان غالبية ضحايا تطبيق القانون من النساء، وتتعدد المحظورات من شكل الزيّ الي طريقة السلوك الي حد لانهائي من المحظورات التي تمنح االدولة واجهزتها القمعية الحق للتدخل في الحريات الشخصية للافراد حد اقتحام المنازل من غير اذن قضائي واصطحاب ساكنيها الي حراسات الشرطة، والتطبيق العلني للعقوبات الجسدية المهينة (الجلد) والتشهير والصاق الوصمة الاجتماعية بالضحايا، واطلاق يد الاجهزة القمعية المكلفة بالضبط الاجتماعي وتطبيق القانون (شرطة النظام العام – الشرطة المجتمعية ) دون رقابة أو محاسبة في اختيار وانتقاء الضحايا واستخدام العنف المفرط الذي يصل حد القتل احيانا كما في حادثة (عوضية)*
لكن السلطة في كونها تتبني قيم واخلاق المجتمعات التقليدية وتابو المحظورات المرتبط بها مثل تحريم الجنس خارج اطار العلاقات الشرعية والزام النساء علي وجه الخصوص بالعفّة والنظرة السلبية لخروج المرأة للدراسة والعمل وزيّها الخارج عن العرف والتقاليد والوصمة الاجتماعية التي تلحق بالمتعدية لهذه المحظورات، كل هذه القيم تنتمي لواقع ما قبل الحداثة و شروط اجتماعية ونمط انتاج ما قبل راسمالي (زراعي رعوي) والذي عمل المستعمر و الدولة السودانية الحديثة علي تغييره لتحل مكانه نمط وعلاقات انتاج حديثة ، وتبنت السلطة الشمولية للطبقة الوسطي العربسلامية سياسات التحرير الاقتصادي والسوق الحر التي قوّضت اساس نمط الانتاج التقليدي في انحاء واسعة من البلاد ودفعت القوي المنتجة التقليدية للهجرة من الارياف الي المدن، وخلقت علاقات انتاج طفيلية دمرّت البنية التقليدية للاقتصاد الرأسمالي السوداني، وصفّت المؤسسات الخدمية العامة والمشاريع المنتجة المملوكة للدولة وخلخلت التركيبة الديموغرافية مع اذدياد النزوح بسبب الحرب الدائرة في اطراف البلاد، واجبرت اعداد هائلة من النساء بطول البلاد للخروج الي العمل مما اكسبهن الاستقلال الاقتصادي وبالتالي انعكس ذلك علي استقلال الشخصية وارتفاع المكانة والتقدير داخل الاسرة التقليدية وفي المجتمع عموما، ومع كل هذه التغيرات في انماط الانتاج والهجرة والنزوح والانتقال الي المدن ومع ربط ذلك بواقع السوق المعولم وثورة الاتصالات والمعلومات التي خلقت واقع معرفي جديد، يصبح من الموضوعي ان يحدث تغّير كبير في نسق القيم والاخلاق وان يحدث تحلل لقيم المجتمعات التقليدية وتدمير لطوطم المحظورات القديم وتبرز انساق قيمية جديدة ومعقدة ومتجاورة منها التي تتسم بالمرونة والحرية الاخلاقية النسبية للافراد والمجموعات ومنها المغتربة عن الواقع الاجتماعي سواء بتطرّفها المحافظ والمتزمّت أو بتحللها التام من قيم المجتمع لكنها جميعا منخرطة في ميدان صراع اجتماعي لا زال يتخلق،لكنه يجعل من الاستحالة علي السلطة التمكن من السيطرة علي اجساد النساء ويدرجهن كطرف اساسي في هذا الصراع، ويظهر تناقض السلطة جليّا في قسرها للمجتمع علي نسختها من القيم وقيامها في نفس الوقت بدور الفاعل الرئيسي في الانخلاع من هذه القيم التقليدية بسياساتها وتخطيطها الاقتصادي والاجتماعي كجزء من التناقض الكبير للطبقة الوسطي العربسلامية المتشكلة في واقع الحداثة والحارسة والمدافعة عن القيم التقليدية الدارسة.
نفي الاجساد:
قلنا ان الثيمة الرئيسة للثقافة المركزية العربسلامية هي نشدان النقاء العرقي بالانتساب الي قبائل مهاجرة من الجزيرة العربية ومطابقة توصيفها للهوية السودانية بالعروبة وقلنا ان مجتمعاتها التقليدية في حالة انكار تامة لافريقية المكون العرقي والثقافي لشعوب الدولة السودانية عليه فإنها تتسامح وتتقبل نسبيا المجاورة القدرية للوجود المادي للاقوام والشعوب السودانية الاخري المصحوب بالنظرة العنصرية لافرادها، لكن السلطة الشمولية للطبقة الوسطي العربسلامية تعي وتفهم هذا التمايز والتنوع والتعدد بل تري ان رسالتها ومهمتها المقدسة هي اعادة صياغة القيم والثقافة لتتطابق مع نسختها العربسلامية ولذلك شرعت في سياسات اعادة التخطيط الاجتماعي ومشروع الدعوة الشاملة لأسلمة الاقوام والشعوب غير المسلمة (الجنوب – النيل الازرق – جبال النوبة) ولعدم واقعية وموضوعية مشروعها فإنها سرعان ما ترمي المصاحف وترفع البندقية، لتشن الحرب علي الجنوبيين حد الابادة الجماعية *، ولطبيعة السلطة الشمولية للطبقة الوسطي العربسلامية المختلفة عن مجتمعاتها التقليدية والنخبة الممثلة لها باختلاف ادوات تفاوضها مع الشعوب والقوميات المهمشة فإنها لا تملك القدرة ولا الخيال علي المساومة والتسامح والقبول باعادة توصيف الهوية وهيكلة الدولة السودانية علي اسس جديدة تضمن الوحدة الطوعية وتقر بتنوع المكون الثقافي والعرقي للبلاد لذلك فإما ان تنفي اجساد الاقوام المتمايزة عرقيا بالقتل او تسعي الي تفكيك الدولة السودانية وهذه هي العقلية التي افضت الي انفصال جنوب السودان، وباعتبار ان نفس السياسات تمارس ضد اقوام السودان وشعوبه المهمشة بالحرب التي تشنها والجرائم ضد الانسانية التي ارتكتبها السلطة ضد المواطنين في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الازرق، والسياسات الاقصائية والمهمشة لشعوب شرق السودان ونوبيي الشمال فإن احتمال تفكك الدولة في حالة استمرار السلطة الشمولية للطبقة الوسطي العربسلامية هو الاحتمال الاقرب.
السيطرة ونفي الافكار:
في الصراع السياسي والثقافي الدائر في الواقع تتمايز ثلاثة انواع من الخطابات :
1- الخطاب الرسمي المعبر عن ايدلوجيا السلطة وثقافتها المركزية العربسلامية والمدافع عن رموزها القيمية واخلاقيتها
2- الخطاب المتماهي مع الثقافة المركزية العربسلامية والمتشارك معها نفس الرموز القيمية والاخلاقية ، ولكنه مصادم ومعارض للسلطة السياسية للطبقة الوسطي العربسلامية، بفرضها لسلطتها الشمولية عن طريق الانقلاب العسكري واستمراريتها في السلطة عن طريق العنف وقمع الحريات والفتك بالمعارضين وشنّها للحرب علي الشعوب السودانية المهمشة واستحوازها علي ثروات البلاد واحتكارها للسوق ومجمل سياساتها الشمولية وهذا الخطاب ينهمك في صراع مباشر لمعارضة السلطة السياسية لكنه يتجنب الطرق علي المرتكزات القيمية الرئيسة للثقافة العربسلامية لانه لا يناهض استمرار الدولة بتركيبتها وشكلها السائد اذا ما تم ازاحة السلطة الحالية والابقاء علي النظام كما هو.
3- الخطاب المغاير والمضاد للثيمة الرئيسة المتخلفة في الثقافة المركزية العربسلامية، والمناهض للعنصرية وللعقلية الذكورية واضطهاد المرأة، وللتأويل السلفي للاسلام والمنحاز للاستنارة والديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان ويخوض هذا الخطاب صراعا مباشرا مع السلطة الشمولية ومع الموروث المتخلف للثقافة العربسلامية
وفي تصادم السلطة مع المثقفين والمبدعين والفاعلين الاجتماعيين كونهم المنتجين للمعرفة والثقافة والفنون التي بدورها تؤثر علي المجتمع وتعيد تشكيل وعيه لصالح الخطاب المغاير والمناهض لايدولوجيتها، لأن المعرفة والابداع بطبيعتهم علي العكس من اعادة تكرار واجترار السائد والمألوف نازع نحو التفرّد والخروج علي المسلمات الوثوقية بوضعها في محل التساؤل، فلا يكون اما السلطة الا خيارين اما تدجينهم وتوظيفهم كمثقفين رسميين في الجهاز البيروقراطي الذي يشتغل في حراسة القيم والاخلاق واما تنصيبهم كاعداء رسميين باعتبارهم الخطر الاكبر الذي لا يهدد السلطة السياسية فحسب ولكنه علي المستوي البعيد يقوّض الايدولجيا السائدة ويخلع عن رموزها القداسة ولذلك فأن عسف السلطة تجاه منتجي الخطاب المغاير للثقافة المركزية العربسلامية اعنف كما في حادثة اعدام الاستاذ محمود محمد طه .
5/ لماذا تحظر الكتب؟
اذا طاب لنا وصف اعمال الكاتب الراحل الطيب صالح بانها تصّور الصراع الذي دار بين قيم واخلاق المجتمعات التقليدية في اصطدامها لاول وهلة مع القيم الحديثة الوافدة مع المستعمر الاجنبي التي غيرّت العالم بالنسبة لشخوص رواياته كما عرفوه وألفوه للابد فإن اعمال الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن تصوّر وتتفاعل جدليا في الصراع الاجتماعي والثقافي الذي يدور في اللحظة الراهنة وشخوص رواياته وقصصه تعكس اوضاع هذا الصراع والظرف الذي يدور فيه بطريقة صادمة ومدهشة، تصطف فيها ارتال المنبوذين و المُضطهَدين ، والناس الهامشيين علي حافة الحياة اليومية وفي قلبها كذلك، كما تصور المضطهِدين وخلفياتهم الاجتماعية ونسق القيم التي شكلت شخوصهم وتنوع المجتمعات والشعوب السودانية وما ترسمه من تنوع في الثقافة وانساق القيم وتتحرك شخوصه فيما بينها لتحكي عن المسكوت عنه في الثقافة والقيم الرسمية كما تتمثل في الثقافة المركزية العربسلامية ، لذلك فانها تقوض الاساس الاخلاقي لهذه الثقافة العنصرية والذكورية وتدخلها في الحرج بشخوص مثل ود امونة في رواية الجنقو مسامير الارض وغيره، هذه الاعمال تهدد الامن الثقافي للسلطة الشمولية الحاكمة وتخل بقيمها وآدابها العامة لكنها الخيال الروائي لواقع شاخص وحيّ ومعاش بشكل يومي لقراءه يدير حوارا خلاقا مع وعيهم ومعرفتهم وخبراتهم في الحياة.
هوامش:
*الفصل الثالث المصنفات المحظورة .
15 لا يجوز استيراد أو إدخال أو نشر أو طبع أو تداول أى مصنفات أو التعامل فيها فى أى من الحالات الآتية :
)أ ) الإخلال بالقيم الدينية أو الآداب العامة
)ب) الإساءة إلى المعتقدات أو الأعراف أو الأديان ،
)ج) الإساءة إلى اللون أو الجنس أو تمجيد أو تفضيل جنس على آخر ،
(د ) التعارض مع سياسة الدولة وأمنها القومى ،
(ه) الإنتاج المشترك إذا كان مع دولة معادية أو دعاية لدولة معادية ،
)و ) المصنفات التى يصدر قرار من المجلس بمنع دخولها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.