الشهادة السودانية ! .. بقلم: زهير السراج    النائب العام يصدر قرارا بتشكيل لجنة للتحقيق في احداث الجنينة    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    تطورات جديدة في قضية محاكمة (علي عثمان)    اتساع رقعة العنف القبلي بالجنينة وارتفاع الضحايا الى 327 .. لجنة الأطباء تطالب باعلان الجنينة منطقة منكوبة    الهلال يسحق توتي الخرطوم.. ومروي يهزم هلال الفاشر .. هدفان أمام المريخ في مواجهة الاُبَيِّض    حتى لا يرتد الوهج سميكا .. بقلم: عبدالماجد عيسى    في ذكري الكروان مصطفي سيد احمد .. بقلم: صلاح الباشا    في ذكرى الاستقلال ذكرى عبد الواحد .. بقلم: جعفر خضر    8 بنوك و3 شركات طيران تجار عملة .. بقلم: د. كمال الشريف    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مواجهة الماضى وتأسيس المستقبل: مقاربات حول محكمة الجنايات الدولية والعدالة الإنتقالية فى ظل جدلية السيادة الوطنية .. بقلم: عبدالرحمن حسين دوسة
نشر في سودانيل يوم 03 - 05 - 2019

تلقيت من زميل ناشط وسط تجمع المهنيين بالداخل تسجيلاً صوتياً لوقائع ندوة عقدت بأمدرمان ليلة الثلاثاء 30/4/2019 بعنوان مقاربات المحكمة الجنائية الدولية والعدالة الإنتقالية كخيار للتعامل مع الإزمة السودانية، وقد تحدث فيها الأستاذة سارة نقدالله الأمينة العام لحزب الأمة القومى، والأستاذ محمد عبدالله الدومة نائب رئيس حزب الأمة القومى ورئيس هيئة محامى دارفور، والأستاذ حافظ إسماعيل القانونى والناشط الحقوقى بينما إعتذر الدكتور محمد يوسف مصطفى رئيس تجمع المهنيين لظرف طارئ.
بالنظر لأهمية وحيوية هذين الموضوعين (محكمة الجنايات الدولية + العدالة الإنتقالية) فضلا عن شح المساهمات الحقوقية، وددت أن أقدم مساهمة متواضعة فى ثلاث مقالات متتالية تتناول:
(1) محكمة الجنايات الدولية وجدلية السيادة الوطنية.
(2) مواجهة الماضى وتأسيس المستقبل عبر آلية العدالة الإنتقالية.
(3) أفكار حول مفوضية العدالة الإنتقالية الواردة فى مشروع الإعلان الدستورى.
وإذ أناشد الناشطين والمهتمين خاصة زملائى القانونيين من تفعيل ثرائهم الفقهى والمعرفى خلال هذه المرحلة الحية من تاريخ السودان، أبدأ بالمقال الأول والذى هو عبارة عن مقال لى نشر فى ديسمبر من عام 2007 (مع بعض التصرف) لذا آمل من القارئ مراعاة السياق الزمنى الذى كتب فيه هذا المقال.
(1) محكمة الجنايات الدولية وجدلية السيادة الوطنية
الكفاح العالمى ضد ظاهرة إفلات مرتكبى جرائم الحرب من العقاب قديم قدم الإنسان نفسه، تاريخياً يعتبر الملك ريتشارد الثانى King Richard II ملك إنجلترا هو أول من حاول سن قانون يتناول جرائم الحرب وكان ذلك فى عام 1386م حينما أراد السيطرة على تجاوزات جنوده خلال الحرب فأصدر فرماناً حرم فيه أعمال حرق المنازل ونهب وتهجير الكنائس والعنف ضد القساوسة والأطفال والنساء ثم سار على خطاه بعض الممالك الأوربية مثل الملك فردناند Ferdinand ملك هنغاريا (1526) والأمبراطور الرومانى المقدس ماكسميلان الثانى Maximilian II (1570) والملك جوستاف الثانى King Gustavus ملك السويد (1621).
على أن أول محاكمة شبه جادة لجريمة حرب كانت ضد مجرم يدعى بيتر فون هاجينباخ Hagenbach, Peter Von والتى جرت عام 1474م. إرتبط أسم هذا المجرم بالدوق شارلس أو شارلس الرهيب كما كان يحلولأستاذنا الجليل إبراهيم حمدنالله أستاذ تاريخ أوربا بالفاشر الثانوية فى سبعينات القرن الماضى. الدوق شارلس وبصفته دوقاً لمقاطعة بورغندي (1433-1474) قام بتعيين بيتر فون لإدارة مدينة بريساج الحصين Breisach بأقليم الراين الأعلى فطفق بيتر في إنتهاج سياسات مرعبة ووحشية لفرض "هيبة الدوقية" وإخضاع السكان "لحكم القانون" حيث مارس القتل والأغتصاب والتعذيب والمصادرة بشكل منهجى ومنتظم الى أن تمكن التحالف العريض المشكل من النمسا وفرنسا من هزيمة الدوق فى معركة نانسى Nancy عام 1474م وعندئذ ثار سكان بريساج فأسروا بيتر فون الذى مثل أمام محكمة خاصة مشكلة من (28) قاضياً ينتمون لدول التحالف، حتى الإمبراطورية الرومانية المقدسة أوفدت ممثلاً خاصاً لها مما يمكننا القول أنها أول محكمة جنائية دولية فى التاريخ.
عند المحاكمة برع الدفاع فى المرافعة محاولاً تأكيد عدم إختصاص المحكمة jus de non evocando بحجة أن المتهم كان حاكماً يتمتع بالحصانة وأنه عند قيامه بأفعاله كان يمتثل لأوامر عليا Superior Orders صادرة من الدوق الذى هو ممثل الرب ورئيس الدولة الأعلى المؤتمن على سيادة الأمة ودينها وبالتالى لايمكن مسآلة أو مخالفة أوامره، بيد أن المحكمة خلصت الى إدانة المتهم ذاكرة فى حيثياتها أنه داس بقدميه قانون الرب والإنسانية معاً "trampled under his foot the laws of God and man" ومن ثم لا يستحق الرحمة ولا الرأفة فأعدم تحت المقصلة فى حضور ضحاياه.
فى العصر الحديث يأتى الرئيس الأمريكى أبراهام لنكولن في طليعة من ساهموا فى تطوير هذا الفرع من القانون إذ أنه وخلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) أصدر مرسوماً عرف بقانون ليبهر Lieber Code في إشارة للفقيه Francis Lieber أستاذ القانون الدولي بجامعة كولمبيا بنيويورك أنذاك، هذا القانون الذى أتسم بدقة الصياغة يمثل أول تقنين أو تأطير مهني لجرائم الحرب حيث مازال يعتبر مرجعاً أساسياً لمعظم القوانين العسكرية المعاصرة فضلاً عن كونه من الوثائق الأساسية التى إعتمدتها المفوضية التى كلفت من قبل الأمم المتحدة لدراسة مسألة إنشاء محكمة الجنايات الدولية. هذا وقد تزامن مع صدور قانون ليبهر وقتذاك دعوة المستر غوستاف مونييه – أحد مؤسسى اللجنة الدولية للصليب الأحمر – في عام 1872 لإنشاء محكمة دولية تعني بمثل هذه الجرائم.
الى ذلك تواصلت المساعي حتى بلغت ذروتها الحرب الكونية الثانية، إذ تبين للمجتمع الدولة - على خلفية الأعمال الوحشية التى راح ضحيتها أكثر من (20) مليون فرداً - أن قدرة الأنسان على فعل الشر لا حدود لها فتزايد الحس الدولى بضرورة التحرك لوضع حداً لتصرفات أولئك الذين يهددون السلم والأمن الدوليين ويؤذون الضمير البشرى من دون مسآلة. رغم ذلك ولأسباب سياسية أكثر منها قانونية لم يتحمس التحالف المنتصر على دول المحور لمتابعة هذه المسألة عند التوقيع علي معاهدة فرساي فى 28/6/1919 إذ أشارت المعاهدة الى هذه المسألة فى مادتين فقط ( 228،229 ) حيث نصتا بشكل عام على حق التحالف فى محاكمة وعقاب الأفراد المسئولين عن إنتهاكات قوانين الحرب وأن الحكومة الألمانية تقر وتعترف بواجبها فى تسليم هؤلاء المجرمين وكان القصد الأساسى هو محاكمة الأمبراطور الألمانى غليوم الثانى بيد أنه حصل على اللجوء السياسى بهولندا التى رفضت تسليمه حتى وفاته فى عام 1941م.
فقط بعد الحرب العالمية الثانية تداخلت وتقاطعت الكثير من فواصل التجربة فبدأ المجتمع الدولى يشعر بشكل أعمق حاجة البشرية للتعامل مع مجرمى الحرب بمسئولية أكبر فأجتمع على عجل الزعماء روزفلت، تشرشل وستالين ليقرروا تشكيل محكمتى نورمبرج Nuremberg وطوكيو Tokyo ومن أبلغ ما قيل فى هذا الصدد تصريح مدعى عام محكمة نورمبرج القاضى جاكسون Robert H. Jackson
"That four great nations, flushed with victory and stung with injury stay the hand of vengeance and voluntarily submit their captive enemies to the judgment of law is one of the most significant tributes that power has ever paid to reason"
هيرمان غورينغ؛ قائد سلاح الطيران الألمانى وصاحب ما عرف بخطة "الحل الأخير" المتضمنة ترحيل المدنيين قسراً للمعسكرات ومن ثم إبادتهم هو أشهر من حكم عليه بالأعدام إلا أنه وفى تحدى واضح للمحكمة إقدم على الإنتحار بتجرع السم قبل يوم واحد فقط من إعدامه بإعتبار أن ذلك أشرف له وللجندية الألمانية من أن يحاكم أمام أجنبى.
محكمة طوكيو التى أشرف عليها الجنرال الأميركى الشهير ماك آرثر إستثنت الأمبراطور هيرهيتو وجميع أفراد العائلة المالكة لإعتبارات تتعلق بقدسية العائلة وكبرياء الأمة اليابانية بيد أنها حكمت على أكثر من (984) يابانى بالإعدام بينهم وزير الخارجية، وزير الدفاع، وزير الداخلية وزير الدعاية الخ.
لا يقاس حجم المعطى القانونى لهاتين المحكمتين بالإعدامات التى صدرت ولكن القيمة الحقيقية تكمن فى أنهما قدمتا سوابقاً قضائية هامة وفقهاً قانونياً ثراً وظفت فيما بعد لغايات تعريف وتقنين المسئولية الجنائية عن الجرائم الإنسانية والتغلب على بعض الإشكالات الفقهية المتعلقة بالطبيعة االفنية لهذا الفرع من القانون.
ربما لا يسعنا الوقت لتتبع المحاولات التى جرت بعدئذ حتى تكللت بتأسيس محكمة الجنايات الدولية ICC فى عام 2002 وهى محاولات عديدة من قبل هيئات دولية ومنظمات غير حكومية ودولاً وأفراداً إستشعرت خطورة هذه الجرائم وضرورة العمل على تدارك المفاعيل بدلاً من مقارعة النتائج الكارثية ولعل مجزرة سربنيتشا 1995اليوغسلافية ومجازر رواندا 1994وهى تقع تحت سمع وبصر الأسرة الدولية إدانة لضمير ووجدان البشرية.
الآن غدت المحكمة الجنائية الدولية واقعاً معاشاً كما أن ظروف وملابسات نشأتها، تكوينها، هيكلها، لوائحهها، إجراءاتها، صلاحياتها باتت معروفة لدى الجميع أو هكذا يفترض.
للمفارقة والأسف، فإن أول قضية تحال إليها كانت قضية دارفور ومن هذه البوابة ولج السودان تاريخ العدالة الجنائية الدولية وهو ولوج لا يشرف اى سودانى جلاداً كان أم ضحية، بريئاً أم مجرماً.
الشاهد أن المدعى العام وبناء علي إحالة مجلس الأمن فتح تحقيقاً مكثفاً ومطولاً وبعد حوالى عشرون شهراً تمكن من تحديد تهم عدة ضد متهمين بارتكاب جرائم تقع ضمن مجموعتين من المجموعات الأربع التى تختص بها المحكمة (جرائم حرب + جرائم ضد الأنسانية) ولا تهمة تتعلق (بجريمة الإبادة أو العدوان).
هنا يتبادر السؤال منطقياً حيال الطريقة التى ينبغى علينا نحن كسودانيين – حكومة ومعارضة، رسميون أم مواطنون – التعامل والتعاطى مع هذه القضية التاريخية وطلبات المدعى التى تبدو مقدماته واضحة وبادية للعيان.
على المستوى الشعبى كان وما يزال الموقف سلبياً إذ لم تتمكن أحزابنا المعارضة والمتوالية من التطلع ناحية ما تختزنها القضية من مآزق تطال الجميع بشكل أو آخر ولا من صياغة وبلورة موقف واضح من الأزمة يستند على قراءة علمية للحيثيات وتحليل منطقى للمضامين وتنبؤ واقعي للمآلات ثم إقتراح مخارج عملية. أما قبائل القانونيين والصحفيين وعموم أهل القلم والثقافة فظلوا كعادتهم فى جدب فكرى ولم يكلفوا أنفسهم عناء تقديم دراسة أو طرح مقاربة ذات قيمة مهنية تلامس تخوم القانون وسلطته وقد نلتمس لهم العذر علي خلفية الندوب والأعطاب التى حلت بالثقافة والمشتغلين إبان الحقبة الأنقاذية.
قراءة موقف الحكومة تكشف لنا قدراً كبيراً من الإرتكاب وغياب المهنية اللتان بلغتا حد التخبط والسذاجة، مزايدات شعائرية ومنطق ديماغوجي تزعم فيها - أى الحكومة – أنها غيرمعنية بالقضية لا من قريب أو بعيد وعلى المدعى أن "يبلها ويشربها" وهى عبارة أقل ما توصف بأنها غير لائقة وما كان ينبغي أن تصدر من محامى مبتدئ ناهيك عن وزير عدل يخاطب محكمة أممية تحت سمع وبصر المجتمع الدولى.
حتى إشعار آخر، تندرج الممانعة الحكومية على خطى دفاع، قوام الأول أن السودان لم يصادق على قانون روما الأساسى المنشئ للمحكمة ولم يكن طرفًاً فيه وبالتالى فلا إختصاص ولا ولاية على المحكمة لمحاكمة رعاياه أو الجرائم التى قد تقع ضمن حدوده الجغرافية. أما الخط الثانى فهو أن السودان دولة ذات سيادة مطلقة على كامل ترابها الوطنى وإنطلاقاً من مفهوم السيادة بمعناه المتعارف والمستقر دولياً فأن الخضوع لولاية هذه المحكمة يعد إنتقاصاً لسيادته وإنتهاكاً لدستوره وقوانينه التي لا تجيز تسليم مواطن لسلطة أجنبية.
لا نود هنا أن ندخل فى سجال قانونى نتعرض فيه لمواطن قوة وضعف دفوع الحكومة خاصة وأن القارئ العادى لا يحتمل مثل هذا السجال إذ غاية ما نرجوه أن نمارس قدراً من العصف الذهنى عله يساعدنا على بلورة موقف فكرى يدفعنا جميعاً لفتح نقاش مهنى رصين ينير لنا صراطاً مستقيماً نجنب فيه البلاد وأنفسنا تداعيات هذه السابقة التاريخية الخطيرة.
الثابت أن التهم المعتمدة تتضمن جرائم حرب وأخرى ضد الأنسانية ومن الثابت أيضا أن القواعد التى تنظم وتحكم هذه الجرائم تستند - طبقاً لقواعد القانون الدولى - على عنصريين أساسيين أولهما أنها قواعد آمرة Pre-emptory Norms لا يمكن إلغائها أو التنصل منها سواء بإتفاقية أو معاهدة أو قانون وطنى داخلى والعنصر الثاني أنها جرائم تهم العالم أجمع والبشرية كافة erga omnes أو كما قالت إحدى المحاكم الأمريكية فى قضية أصبحت من أمهات القضايا الخاصة بحقوق الإنسان والتى رفعت فيها أسرة شخص من بارغواى (فيلارتيغا) تعرض للتعذيب فى وطنه ثم إنتقل الى الولايات المتحدة حيث قالت المحكمة:
"The torturer has become - like pirate and slave trader - an enemy of all mankind, it is hostis humanis generis"
إنطلاقاً من هذين العنصرين إنبثق وتطور مصطلح "الأختصاص العالمى" Universal Jurisdiction والذى يتيح لأية دولة فى العالم ممارسة الإختصاص الجنائى على أي متهم بإرتكاب مثل هذه الجرائم بغض النظر عن جنسيته أو مكان إرتكاب الجريمة، وفى هذا المعنى قال الفقيه F. A. Mann
"The Universal Jurisdiction arises from the character of certain offences, this is such as to compel each and every member of the family of nations to punish. It is founded upon the accused's attack upon the international order as the whole".
أخطر ما فى الأمر أنه وطبقاً للمعلومات المتوفرة لدى الأمم المتحدة والعديد من منظمات المجتمع المدنى الدولية والمهتمة بحقوق الأنسان، أن مفهوم الأختصاص العالمى قد شق طريقه بسرعة هائلة فى التشريعات الوطنية لأكثر من أربعين دولة بحيث بادرت جميعها على سن قوانين تسمح بل وتلزم محاكمها الوطنية ممارسة الأختصاص الجنائى على هذه الجرائم حتى ولو لم يكن المتهم متواجداً بأراضيها ومن هذه الدول فرنسا، ألمانيا، أسبانيا، هولندا، السويد، الدنمارك، بلجيكا، سويسرا، كندا، البرازيل الخ وإذا ما سارت الأمور على هذا المنوال فيصعب على الكثير من المجرميين دخول هذه البلدان دون المخاطرة بملاحقة قانونية.
ففى الدنمارك مثلا قضت محكمة جنائية بتاريخ 25/11/1994 بالسجن ثمان سنوات على مجرم حرب بوسنى يدعى رفيق صادق رغم أن الجريمة وقعت خارج أراضيها وكذا الضحايا. وفى النمسا قررت محكمة بأختصاصها فى محاكمة الصربى Dusko Cujetkavic بتهم وجرائم أرتكبت بالبوسنة وفى فرنسا تم إيقاف القس الرواندى Wencesla Munyel بتهمة الإبادة الجماعية حيث رفضت محكمة النقض الفرنسية طعناً بعدم الإختصاص قائلة:
"There is a universal jurisdiction under international law based under the security Council Resolution No 955 which established the ITR".
حتى دولةإسرائيل التى عرفت تاريخيا بإزدرائها للقانون الدولى حاكمت وأدانت متهماً إستناداً على عالمية الإختصاص فى القضية الشهيرة Attorney General v. Adolf Eichmann قائلة:
"The state of Israel's right to punish the accused drives in our view from the cumulative source, a universal source pertaining to the whole mankind which vests the right to prosecute and punish crimes of this order in every state within the family of nations.
واقع الأمر أنه وفى الأحوال الطبيعية وعند التعامل مع الجرائم العادية فان الأختصاص القضائى يعتمد على الصلة بين الدولة التى ترفع فيها الدعوى والجريمة نفسها وهى صلة أقليمية فى العادة إما فى حالة الجرائم المرتكبة ضد الأنسانية فيكفى أن تكون الصلة أننا جميعا من أبناء آدم وننتمى للإنسانية وبالتالى لا ينبغى إتاحة ملجأ آمن للمسئولين عن إيذاء البشرية وعلى الجميع دفع ثمن الأخطاء المرتكبة.
يبدو إذن أن المجتمع الدولى قرر فى النهاية تشكيل مؤسسة دولية لممارسة هذا الأختصاص نيابة عنه فى الجرائم الأشد خطورة وما إختصاصات المحكمة الواردة بالمواد (15-21) إلا تقنيناً لهذا المفهوم حسبما تبلور عبر التاريخ وتبين ملامحه فى تسعينات القرن الماضى.
بيت القصيد يتلخص فى أن مفهوم عالمية الأختصاص هو الحل الذى يقدمه القانون الدولى لما يتصوره الطغاة والجلادون من إمكان الإفلات من العقاب حتى حين يحتمون خلف الحصانات ومراسيم العفو المحلية بشتى أنواعها والأمثلة كثيرة حسين هبري، بونيشييه، جان كلود دوفاليه، منغستو هيلا مريام، ألفريدو سترونسر،
ذلك بعض من أمارات القانون الذى بدأ يتبلور سريعاً وعلى الحكومة أن تفكر كثيرا قبل التعويل المطلق على عدم الأختصاص حيث أن كافة المؤشرات والسوابق ترجح إمكانية محاكمة مواطنيها فى الخارج ليس فقط أمام المحكمة الدولية بل وتلقائياً أمام المحاكم الوطنية العادية بموجب قوانين الكثير من الدول خاصة عند زيارة المتهمين لهذه الدول بصفة رسمية أو شخصية.
فيما يتعلق بالدفع الثاني فمعلوم لدرجة الإبتذال أن مفهوم السيادة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الاستقلال فالدولة المستقلة هي الدولة السيدة القادرة على ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي بحرية دون التدخل من أحد والسيادة مبدأ أقرته معاهدة وستفاليا في عام 1648م Westphalia كما بلوره الفيلسوف الفرنسي جان بودان Jean Bodin 1530-1596م ثم جاءت معاهدة مونتافيدو في عام 1933م لتؤكد هذا المفهوم وأخيراً ذهب ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945م الى تأكيد مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
على الرغم من أن جوهر مفهوم السيادة معترف به وغير متنازع عليه إلا أن مجال ومدى حدود السيادة تعرضت تدريجياً للتآكل والضعف فخضعت بعض الصلاحيات السيادية لثمة قيود وتدخلات أبرز مظاهرها ميثاق الامم المتحدة الذي أنشأ مؤسسات دولية فوق المؤسسات الوطنية ولها حق التدخل فى الشئون الداخلية الى الحد الذي يمكننا القول بأن التطورات الراهنة في النظام الدولي ستخلق فى المستقبل القريب وضعاً صعباً أمام مفهوم السيادة التقليدي وترسم ملامحاً جديدة قد تعصف بفكرة السيادة نفسها.
من أقيم المساهمات القانونية السودانية التى لامست مبكراً هذا الأحتمال مقاربة مولانا دفع الله الرضي الواردة بمجلة الأحكام القضائية السودانية لعام 1969 تحت عنوان Reflections on Some Aspects Relating to United Nations ودراسة مولانا محمد محمد الحسن شقاق (نفس المجلة 1970) بعنوان A study of Positivist Theory of Sovereignty.
في الواقع ربما كان الدفع بالسيادة منتجا لو أن مدعي عام المحكمة الجنائية فتح التحقيق من تلقاء نفسه بناء على المادة 15 من قانون روما ولكن القضية الحالية احيلت إليه من قبل مجلس الأمن وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو فصل ينتقص صراحة وبدون مواربه أومدارة سيادة الدول بل ويجيز استخدام القوة ضد الأعضاء وربما الاحتلال ايضا وغنى عن القول أن السودان صادق على هذا الميثاق ليصبح عضواً بالمنظمة.
ثمة جدل آخر يرتبط بهذا الدفع وهو أن المحكمة الدولية حتى وأن إنعقدت لها الولاية نظرياً إلا أن ولايتها تكميلية Complementary وليست أصيلة بمعنى أن المحاكم الوطنية السودانية لها الاختصاص المبدئي والأصيل بيد أن هذا الدفع غير منتج حسب قرار المحكمة التمهيدية التي خلصت الى أن السودان غير قادر ولا راغب في ممارسة هذه الصلاحية وتتجلى عدم القدرة في الواقع الراهن للقضاء السوداني المفتقر لأدنى معايير المهنية أما عدم الرغبة فتتجسد فى تكليف أحد المهتمين (أحمد هارون) بمراعاة الشئون الإنسانية للضحايا، وهل من بعد تكليف الذئب بحراسة الغنم رغبة فى الحفاظ على حياة القطيع.
غياب المهنية من عداد البديهيات لكل من يتابع المستوى الفنى لأحكامنا وهنا أدعو الزملاء إعادة قراءة قضية (حكومة السودان ضد زهراء آدم عمر)، SLJR 1964 و(جوزيف قرنق ضد الجمعية التأسيسية) SLJR 1968 ثم مقارنتها بالمستوى الفنى لأحكامنا الحديثة، ولتذكير من فاتهم، كانت المحكمة الأولى برئاسة مولانا عبدالمجيد أمام وقد دفع القاضي على محمود حسنين كرسيه ثمنا فى القضية التاريخية والثانية برئاسة القاضي صلاح الدين حسن ومن تداعياتها إستقالة مولانا بابكر عوض الله ثم إنقلاب مايو، المقارنة بالطبع غير واردة ولا جائزة والفارق المهني هائل وكبير علماً بأن الكثير من أحكامنا التاريخية تدرس كسوابق فى جامعات عالمية وهنا أستميح القارئ عذراً لأقتبس من حكم مولانا عبدالمجيد الآتى وهو يخاطب على محمود حسنين:
"…….I do not doubt the egoistic integrity of the magistrate concerned. But from acts, activities, demeanor, beliefs and views as can be collected from the abovementioned statement, I cannot rule out the likelihood of bias. Accordingly, I vitiate all the proceedings of the investigation in question, and direct that accused, all of them, be discharged".
يبدو أن النظام في الخرطوم مهتم فقط بالأبعاد السياسية للقضية اكثر من أهتمامها بالإستحقاقات القانونية وبالتالي يراهن على الاحتواء السياسي القائم على المراوغة والمماطلة والاختراق وأضعاف الموقف الدولي على أمل أن يفل إرادته بمرور الزمن غير أن هذه السياسة - في تقديرنا الشخصى – عدمية وغير مجدية على المدى البعيد والدليل المحكمة الهجين Hybrid International Court التي تحاكم حاليا قادة الخمير الحمر بكمبوديا رغم أن جرائمهم ارتكبت منذ ما يقارب الربع قرن (75-1979) هذه الطغمة التي استهرت بحياة شعبها فأبادت نصف سكان كمبوديا وكان زعيمهم بول بوث يقول:
"Keeping you is no benefit, losing you is no loss. Now it is time for you all to hell"
اذن ذاكرة المجتمع الدولي لا توهن وإرادته لا تتراجع أمام جنون الطغاة، فلا جنة في الأرض ولا منطقة آمنة لهم وبالتالى فإن الرهان على عامل الوقت قد يبدو رهاناَ صائباً.
ولكن لماذا نعتقد ذلك؟ هناك أكثر من سبب:
 القضية هي اول قضية في التاريخ تحال الى أول محكمة جنائية دولية في التاريخ فهل يعقل أن يسمح المجتمع الدولي بتحدي هذه المؤسسة الوليدة من قبل دولة صنفت بأنها الأفشل في العالم؟
 قرار الاحالة صدر من مجلس الأمن وتحت البند السابع ولا أعتقد اننا نملك من العلاقات الدولية أو الثقل ما يمكننا من المناورة أو الاحتواء السياسي لمثل هذه القرارات.
 المدعي العام لويس أوكامبو جرى إختياره بعناية وتاريخه المهني يقول أنه تعامل بعناد مع قضايا أعقد وأخطر من قضية دارفور، ثقته وتصميمه واضحان لمن يتابع نشاطه وقد قال بالحرف الواحد في مقابلة اذاعية " ما أود تأكيده أنكم سوف تجدون هؤلاء في لاهاي، لا أدري متى، سنة أو سنتان أو ثلاثة ولكنهم قادمون لا محالة"
 يشير البعض الى أن ميزانية العمليات الميدانية المخصصة لمكتب المدعي العام (حوالي 33 مليون يورو لعام 2008م) يبدو ضئيلاً مقارنة بحجم العمل المرتقب وعدد الموظفين (206) منهم (117) بشعبة التحقيقات، رغم ذلك فأن العمل المنجز حتى الآن خاصة على صعيد جمع وتحليل وتصنيف الأدلة فاق توقعات اكثر المتفائلين ففي مجزرة سربنيتشا علي سبيل المثال قامت اللجنة الدولية باجراء فحوص الحمض النووي على عظام حوالي 40 ألف ضحية خلال عشرة أعوام ولكن في حالة دارفور فإن المعامل الثلاث التى تعاقدت معها المحكمة تجري حاليا فحوصاً لأكثر من مائة ألف عينة وهو ما يجعل من الصعب انكار المجازر كما أن عدد المكالمات التي اعترضتها وما زالت تعترضها الأقمار الصناعية بلغت أكثر من عشرة أضعاف المكالمات التي حللتها اللجنة الدولية المكلفة بقضية رفيق الحريري أضف الى المخزون الهائل من الصور الملتقطة على مدار الساعة، باختصار أرقام الميزانية مضللة مقارنة بالعمل المنجز.
 رغم السرية التامة في عمل شعبة التحقيقات فإن التقديرات تشير الى أن حجم المعلومات والسجلات المخزنة ببرنامج Dar Fur Crime Data Base بلغت أكثر من ثلاث مليون جيغا مقارنة بأقل من مليون جيغا في قضية الحريري.
 جولات المدعي العام المكوكية لبعض الدول والعواصم بما فيها العربية أدت الى تفاهمات واتفاقات للتعاون بعضها علنية واخري سرية وما قرار الوزير أحمد هارون بالعدول عن الحج هذا العام إلا تحسبا لمفاجأت غير سارة.
 برنامج حماية الشهود شارف على الاكتمال فقد جرى اعادة توطين بعض الشهود في دول عدة تحت اسماء وشخصيات مستعارة والبعض الآخر تم نقلهم الى دول مجاورة في انتظار القوات الأوروبية مع توسيع المكاتب الاقليمية في هذه الدول ومكتب مدينة أبشي التشادية يعتبر نموذجا في هذا الصدد ومن المتوقع أن يلعب دورا محوريا في المستقبل لجهة عدد الشهود الذين يتولى رعايتهم وحمايتهم.
 تمكن مكتب المدعي من اختراق النظام الحاكم وتجنيد عملاء له في مواقع ذات حساسية بالغة مما اتاح له تدفق معلومات في غاية الأهمية وعلى نحو متواصل كما أنه استطاع ادخال عناصر الى دارفور والسودان بلغت ثلاث أضعاف العناصر التي كانت متواجدة في عام 2006.
 كشف المدعي العام في بيانه أمام مجلس الامن عن نقله نوعية مرتقبة في استراتيجية التحقيق وذلك بالتركيز مستقبلا على الذين اصدروا الأوامر واتخذوا القرارات ووفروا التمويل بدلا من الجهات التنفيذية كما هو الحال مع على كوشيب أو الوسيطة مثل أحمد هارون ويتعين التعامل مع هذه الأستراتيجية بمنتهى الجدية.
 من المتوقع ايضا أن يشمل الكشف القادم أسماء بعض زعماء التمرد إذ يبدو أن التحقيق في بعض جرائمهم قد اكتمل وهناك أكثر من مؤشر على أن عددهم يزيد عن العدد المذكور في تقرير اللجنة الدولية لتقصي الحقائق.
هذه قضية ذات قواعد إشتباك لا يمكن القفز فوقها بعشوائية ولا أعتقد أن السيد أوكابو يؤشر عليها بالعبارة الشهيرة"Nolle Prosequi" كما فعله النائب العام فى قضية زهراء آدم عمر. الموقف يحتاج لبلورة حالة فكرية وسط الكافة كفيلة بتقديم ما هو أقوم حجة من طلاقات المشير وأكثر حكمة من تصريحات وزير العدل.
عبدالرحمن حسين دوسة
محام ومستشار قانونى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.