ترامب و البرهان والتطبيع مع اسرائيل !! .. بقلم: عدنان زاهر    استنكار واسع لقرار إقالة مدير مستشفى الخرطوم    ساطع الحاج: التطبيع سيقود إلى انقسامات داخل الحكومة وحاضنتها السياسية    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    التطبيع سرا .. ووهم السراب ووصمة عار .. أجندة انتخابية وغياب المنظور الإستراتيجي .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    نتنياهو: اتفاق السودان تحول هائل .. في 67 تبنت الخرطوم اللاءات الثلاث واليوم تقول نعم للتطبيع    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وفيمَ "الإستغراش" يا جبره: الكوز ليس ابن فراش هذا الوطن .. بقلم: عزالدين صغيرون
نشر في سودانيل يوم 26 - 03 - 2020

إذا كانت بجاحة وعدم استحياء و(قوة عين) العصابة المتأسلمة وفلول سدنتها المستفيدون من فسادها، تثير (استغراش) الأستاذ الفاتح جبره، وهو يراهم يملؤون الأرض صخباً وضجيجاً، بكاء على الإسلام الذي يتهدده الزوال مرة، وعلى الظلم والإقصاء الذي لحق بهم تارة أخرى، وعن غلاء الأسعار وترنح الجنيه في صراعه مع الدولار مرة ثالثة، وعن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان. فتدفعه هذه البجاحة إلى التساؤل بصوت عالٍ قائلاً: " السؤال الذي يفرض نفسو: بياتو وش يحاول هؤلاء القوم طرح أنفسهم من جديد؟ (طيب أعطوا الشعب ده فرصة يتناسى قليلا)".
إلا أن (اشتغراشاً) أعظم يثير غيظي وحنقي وحيرتي أشد من (استغراشه) هو، وكل (المستغرشين) معه. ذلك بأنهم كانوا، وسيظلون، في غفلة من اعوجاج منظورهم المبدئي لهذه العصابة. وتنسحب بالتالي، هذه الغفلة، على تقييمهم لهم، وفي كيفية التعامل معهم.
وما يزيد غيظي (ويفقع مرارتي) أنني وقبل أكثر من عشرين عاماً كتبت (وبالداخل) أنبه إلى أننا نخطئ خطأً استراتيجياً حين نتعامل مع هذا التنظيم الشيطاني بمنظور سياسي، ونتعامل مع أفراده بجدية، وبمنطق سياسي، باعتباره حزباً سياسياً مثله مثل الأحزاب الأخرى، واعتبار قياداته وكوادره فصيل ضمن فصائل القوى السياسية الأخرى.
في حين أن ما نطلق عليه صفة الحزب، ومنذ نشأته، لم يكن سوى تنظيم أو منظمة إجرامية مافوية، لها أجندتها السرية الخاصة بأعضاء العصابة. هدفها الوحيد – غير المعلن – الاستيلاء على السلطة منفردة، لتحقيق مصالح أفراد العصابة بشتى الطرق الملتوية، وأخس الوسائل برجماتيةً، من كذب وغش وخيانة وتآمر وعنف.
وقد فضح التنظيم نفسه، ورفع الغطاء عن طبيعته، منذ الستينات، حين أدخل أعضاءه – وهم في مدارج العلم لم يتخرجوا بعد – السيخ والجنازير والسكاكين والسواطير واعتمدوها ضمن آليات إدارة الحوار السياسي والفكري في جامعة الخرطوم بينهم وبين ساير الوان الطيف الفكري والسياسي والثقافي في القلعة الأكاديمية. وكانت تلك أولى إشارات دخولهم ساحة العمل السياسي والفكري.
ألم يكن هذا المدخل وحده كافياً لإقناع بقية القوى السياسية والفكرية المتحاورة، بطبيعة هذا الفصيل المافوي الإجرامي ونهجه الإرهابي، ومن ثم التعامل مع قيادته وعضويته باعتبارهم مجرد "قطاع طرق". وإقصائهم بالقوة – التي لا يؤمنون بغيرها – عن منابرهم الحرة الليبرالية المتسامحة الذكية؟!.
لقد كشف منذ وقت مبكر، والحركة السياسية تتلمس طريقها في دروب الديمقراطية الصعبة، تنظيم الإخوان المسلمين – وما تناسل منه، وما نشأ على جانبي حوضه المتأسلم – عن طبيعته الفاشية الإجرامية التي لا تمت بصلة لا للسياسية ومنطقها، ولا للأحزاب، كمنظمات مدنية سياسية، تؤمن بمبدأ تداول السلطة بالطرق الديمقراطية، تعمل في الفضاء الرحب المفتوح، وتطرح رؤاها وبرامجها الوطنية على الجماهير.
وما لم يكن للناس ذاكرة السمك، فإنهم يذكرون بأن الإخوان نفذوا انقلاباً عسكرياً على النظام الديمقراطي الذي كانوا يشاركون فيه، كثالث كتلة برلمانية منتخبة، لينفردوا بالحكم طيلة ثلاثة عقود عجاف، تسلطوا فيها وكانت (سحقاً ومحقاً) على الوطن.
ألم يكن ما ارتكبوه طيلة هذه العقود الثلاث كافياً لأن يقنع أغبى سياسي بأن هذا الوافد الجديد لا ينتمي إلى فراش الوطن، وبالتالي فهو لا يعترف بهذا الفراش الذي تسمى به. وأن ولاءه لفراش آخر، من صلبه خرج.
ألم تعي القوى السياسة ذلك منذ الستينات؟.
ألم تنتبه إلى خطورة هذا الوافد الغريب الذي تسلل إلى جسم الحركة الاجتماعية والسياسية، وإلى خطورة ما يفرزه من سم في خلاياها؟!.
وها نحن، وبعد أكثر من نصف قرن، احتل فيها هذا الفيروس خلايا المجتمع وسيطر على مفاصل الدولة، مارس خلال سنوات انفراده بالسلطة لثلاثين عاماً كل أشكال القتل والتعذيب، والقهر والاستبداد، والتجويع والإذلال، والسرقة والفساد والإفساد، والعهر الأخلاقي والانحلال، لنتحدث عن القانون الطبيعي والعدالة وعدم الإقصاء.
وكأنما القانون الطبيعي والعدل يقضيان بإطلاق القاتل ومرتكب كل الجرائم.
وكأنما عدم الإقصاء يقضي بأن تطلق يد المجرم، ويترك الفاسد في موقعه ليستأنف فساده بعد ثورة أطاحت بالنظام الذي بواءه مقعداً غير مستحق؟!.
ما فعلوه خلال الثلاث عقود التي حكموا فيها البلاد منفردين بكل السلطة، أكد لمن كانوا في غفلة أن هؤلاء القوم لا يمتون بصلة لتراب هذا البلد، وليس في شرايينهم قطرة دم من أهلها. وقد حق لابنها ال"الطيب" ال"صالح" أن يتساءل بحيرة و(إستغراش) مثل صاحبنا جبره: "من أين أتى هؤلاء"؟!.
(2)
يا قوم. أن انتماء أعضاء العصابة للتنظيم يعلو على الانتماء للوطن، الذي انسلخوا بإرادتهم منه، أو تم بغير إرادتهم سلخهم عنه.
بل وتم سلخهم، أو انسلاخهم من كل أشكال الانتماءات الطبيعية الفطرية الأخرى. مثل الانتماء للعائلة وللمجتمع ... ومن ثم للوطن الكبير.
فالتنظيم يقدم لمنسوبه أسرة من داخل التنظيم بديلاً لأسرته الطبيعية.
والتنظيم يعطيه مجتمعاً بديلاً للمجتمع الذي نشأ فيه.
ويلقنه أبجدية جديدة، ولغة غير لغة قومه وبيئته،
لغة موحَّدة يتعارفون بها على بعضهم البعض ويتخاطبون بها فيما بينهم. يميزون بها أنفسهم عن محيطهم الاجتماعي.
أوهموهم، أو أوهموا أنفسهم بأن كل العالم حولهم شيء .. وهم وحدهم شيء آخر.
فهم "في" المجتمع ... ولكنهم ليسوا "منه".
فجميع من هم حولهم ... مسلمين.
بينما وحدهم هم ... "الإخوان" المسلمون!!.
ويقدم التنظيم لمنسوبه هوية جديدة، وعقيدة بديلة، ويعيِّن له أميراً، يدين له بالولاء المطلق، ويبايعه على الطاعة العمياء في المنشط والمكره.
(أرأيتم كيف أنحنى الرئيس الراحل محمد مرسي يقبل كف مرشده التنظيمي، طاعةً، في حين اختاره كل المصريون رئيساً لهم ؟!).
صار رئيساً لكل مصر والمصريين، ولكنه يدين بالولاء والطاعة لمرشده/ أميره في التنظيم.
الولاء للتنظيم والطاعة للمرشد .. وليس الولاء للوطن، والطاعة للشعب.
الكوز لا حاجة به "للوطن" .... ف"الفكرة" وطن بديل يغني.
وطن "الكوز" – أياً كانت لافتته التنظيمية – هي الأيديولوجيا.
"فالعقل المؤدلج لا يستطيع أن يستوعب فكرة الوطن كوعاء جامع ..
لأن الأيديولوجيا في هذا العقل هي "الوطن الافتراضي/البديل" الذي يسع (أو قل يبتلع) الوطن الواقعي كله، ويغني عنه(1).
وقد صرح بهذا المبدأ بوضوح، وعبَّر بصراحة عنه – وإن يكن بطريقة بذيئة ووقحة – مرشد جماعة الإخوان المسلمين/ الأصل، في مصر، محمد مهدي عاكف في المقطع الذي بثه برنامج البيت بيتك 10 أبريل 2006 بصوته المسجل والمعلن وأعيد نشره في مجلة روزا ليوسف، حين أعلن رفضه لمبدأ المواطنة كقيمة أساسية للانتماء، وأعلن أنه يفضل "أن يحكم ماليزي أو إندونيسي مسلم مصر، على أن يحكمها مصري قبطي غير مسلم" وأطلق قولته المأثورة الخالدة (وطظ في مصر، وأبو مصر، وأبو اللي في مصر)!.
ولماذا نذهب بعيدا إلى مصر؟، فعبد الوهاب الأفندي نفسه يعطينا مثالا محليا ساطعا على الهيمنة التي تمارسها الأيديولوجيا على العقل ومدى سيطرتها على تصوراته، حتى تصير هي البديل الواقعي الموضوعي عن الوطن، وذلك بعد اتفاقية أديس أبابا التي وقعها نميري مع جوزيف قرنق فقد " وصف عبد الوهاب الأفندي تضارب المصالح البنيوي والطريقة التي قوض بها ذلك التضارب ما كان يراه العديد في السودان وفي أنحاء العالم بالانجاز الأعظم لنميري والسودان: " حيث دار نقاش جاد وسط الإسلاميين حول السماح للجنوب بالانفصال إذا ما كان ذلك ضروريا لقيام دولة إسلامية في السودان. المناقشات بدأت في عام 1974م، عندما اقترح الإخوان المسلمين برنامجا لتكوين جبهة إسلامية عريضة تضم كل الأحزاب الرئيسية في السودان(..) و كان الإخوان المسلمين الذين اقترحوا لم شمل المجموعات الحزبية الأساسية (الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي) في جبهة متحدة قائمة على الإسلام، كانوا يعون الاتهام القائل بأن أي تجمع مبني على الإسلام يعني بالضرورة عزل المواطنين غير المسلمين بصورة تلقائية" (2).
(3)
ولا حجة لمن يستدل بما ترفعه العصابة من لافتات دينية مبهمة وغامضة، عن تطبيق شرع الله، ليضفي على التنظيم صفة سياسية.
لأن الهدف من ما يسميه – خداعاً وتزييفاً – مشروعاً إسلامياً، لم يكن سوى برنامج سلطوي تسلطي دنيوي، يهدف إلى أن يسيطر "التنظيم" على "الدولة".
أي أن تختزل الدولة كلها، بكل مكوناتها البشرية المتنوعة.
وكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ومختلف قطاعاتها، العامة، والخاصة، والطوعية ... في "التنظيم"!.
وكان لا بد لتنفيذ هذا التصور اللامعقول واللامنطقي أن يتم ضغط الواسع/ الوطن، وتقزيمه، بل وتقليصه لأضيق حد.
وتوسيع الضيق/ التنظيم، لأقصى مدى، ليستوعب الواسع في ماعونه الضيقِّ.
وهذا ما نفذته العصابة حين وضعت الدولة الكبيرة تحت جناح وتصرف التنظيم.
وقد قالها رئيس العصابة عمر البشير صراحةً، وبلغة واضحة لا تحتمل التأويل في الشريط الوثائقي، الذي بثته قناة العربية بعنوان "الأسرار الكبرى" للجلسة الخامسة لمجلس شورى الحركة الإسلامية الافتتاحية.
فعندما أمر الترابي، فور نجاح الانقلاب والاستيلاء على السلطة، بحل الحركة الإسلامية، قال البشير في الشريط المسرب: "كنت أشعر بفراغ كبير بعد حل الحركة الإسلامية. فتكلمت مع الشيخ حسن الترابي (رحمه الله) وقلت له لماذا حليت الحركة؟ . فقال لي حليتها حتى لا تقيد الدولة. وقتها لم يكن لدينا إسم جديد نقوله. فقلت له : الدولة دي حقت منو (أي ملك من)؟. نحن يا شيخ حسن قناعتنا أن الدولة دي ملك للحركة الإسلامية، لأنك جئتنا في اجتماع ونحن ضباط وقلت لنا إخوانكم قرروا أن تستلموا السلطة. لم نسألك أخوانا منو؟ باعتبار أن أجهزة الحركة هي التي قررت. ولما قررت أنحنا قلنا على السمع والطاعة.
وفي دورة الانعقاد الثالثة التي سبقتها (2013) قال البشير: "الإخوان يتواجدون الآن في كل مفاصل الدولة، كل مفاصل الدولة ماسكينها (يمسك بها) الإخوان ...ما نحن فقط القاعدين في القيادة ديل .. تحت أيضاً .. كل المفاصل يسيطر عليها الإخوان .. والناس الذين عابوا علينا إننا جبنا الإخوان .. الآن شاهدوا ما حصل بمصر.. لأن مفاصل الدولة كلها ضد الإخوان أزالوهم في يوم واحد.
وقال: "كل المكتب القيادي 46 عضواً حركة اسلامية .. كل رؤساء القطاعات في المؤتمر الوطني حركة اسلامية..كل أمانات المؤتمر الوطني حركة اسلامية .. كل الوزراء في الحكومة الاتحادية والحكومات الولائية حركة اسلامية .. وزراء الدولة حركة اسلامية ..مديروا المؤسسات حركة اسلامية .. كل مفاصل الدولة عند الحركة الاسلامية ..
وعندما طرحوا في اجتماعاتهم المسربة تلك – لما اشتد الحصار عليهم – تنفيذ إنشاء قوات الاحتياط وهي مليشيا نظامية تم اختيار الطيب محمد خير (سيخة) قائداً لها ، وكما قال في الاجتماع السري لقيادة المؤتمر الوطني أن الضرورة فرضت الآن تنفيذ هذا القانون الذي كان قد سن منذ عام 2013. "لحماية النظام وحماية الدولة" كما قال نصاً.
(4)
وواضح هنا مستوى التماهي بين النظام/ التنظيم، وبين الدولة. ووفق هذا المنظور تكون تراتبية هيكل الدولة كالآتي : التنظيم أولاً والنظام ثانياً والدولة هي الحلقة الأخيرة، رغم أنها – أي الدولة – هي الكيان الأكبر الجامع.
ووفق هذا الترتيب حين تكون الدولة في خطر، فإن حلقات الحماية تأتي من التنظيم أولاً فهو الذي يحمي النظام، ويأتي النظام الحاكم ليحمي الدولة.
بينما المنطق السياسي يضع التراتبية عكس ذلك:
- فالدولة بمؤسساتها هي التي تحمي النظام الحاكم، لأن النظام بحكم طبيعته عرضة للتغيير حسب ميزان القوة بين الأحزاب المتنافسة على الحكم.
- ثم يأتي النظام ليحمي الأحزاب والمنظمات، بما بين يديه من قوانين ضابطة لايقاع الحراك التنافسي بينها.
بمعنى آخر:
- إن حماية حقوق التنظيمات والأحزاب وكافة المؤسسات المدنية هي تحت مسؤولية النظام الذي يملك القوة التنفيذية لانفاذ القوانين.
- بينما النظام نفسه تحت مسؤولية وحماية الدولة، والتي تتمثل سلطتها في دستورها المهيمن على كل القوانين والتشريعات.
لا تستطيع أن تجزم ما إذا كان قد أتيح لأي واحد من عباقرة هذا المشروع الوهمي قراءة التاريخ يوماً ما.
لأن الدولة التي يتم اختزالها في حزب – دعك من تنظيم يعبِّر عن مصالح أفراد العصابة – محكومة بالفشل والانهيار حتماً.
وما من سابقة تاريخية أكدت عكس ذلك.
ولكم في الإمبراطورية الحمراء وقد تفتت منظومتها عبرة يا أولي الألباب.
فإذا ما سمح تنظيم الاسلامويين – تحت أي لافتة كان – أن يسبح عكس تيار المنطق والتاريخ ليؤبد سلطة التنظيم على الدولة، مع استحالة ذلك، فإنه سيكون قد لف الحبل حول عنقه. وهذا ما فعله، ويصر على معاودة فعله، حتى بعد أن أطاحت به السلطة العقلانية الوحيد، وهي سلطة الأغلبية/ الشعب.
وبالتالي فإن التعامل مع هذه التنظيمات باعتبارها مؤسسات سياسية مدنية، إنما و إمعان في الغفلة والتهاون واللعب بمصير الوطن وشعوبه.
وإذا أصروا على البقاء في واجهة المشهد السياسي والاجتماعي ينافحون عن "دولتهم" التي تعاملوا فيها مع الوطن وشعبه كإرث محتكر لهم لا ينبغي أن ينازعهم على ملكيته أحد، فإن الرد المنطقي والعقلاني والواقعي الوحيد هو أن يتم ضربهم بيد من حديد حتى يفيقوا من سكرتهم هذه. و (بلا سياسة بلا لمَّه).
مصادر وهوامش
(1) من فصل نشر في موقع صحيفة الراكوبة يوم 20 - 12 – 2012. من كتاب "متلازمة العصاب الأيديولوجي القهري: عبد الوهاب الأفندي نموذجاً"، للكاتب.
(2) Abdulwehab El-Affendi, Turabis Revolution: Islam And Power in Sudan.Grey seal, London, (1991), P.148
(3) أثار حوار صحافي نشرته صحيفة «روزاليوسف» اليومية مع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة محمد مهدي عاكف أزمة عنيفة بين الصحيفة وجماعة الإخوان، حيث تضمن نص الحوار عبارات على لسان عاكف قال فيها «طز في مصر.. وأبومصر.. واللي في مصر»، وقابل الإخوان النشر بانتقادات عنيفة وتأكيدات بأن ما نشر «كلام مفبرك». وردت صحيفة "روزاليوسف" بإعلان التحدي ضد الجماعة بأن لديها نص الحوار مسجلا بصوت عاكف، ودعت الجماعة للذهاب إلى القضاء إذا كانوا متأكدين من موقفهم، في وقت قام فيه رئيس تحرير الصحيفة الكاتب الصحافي عبد الله كمال بإذاعة مقاطع من الحوار بصوت عاكف مساء 10/4/2006 في برنامج «البيت بيتك» الذي يبثه التلفزيون المصري على قناته الثانية يومياً على الهواء مباشرة. ولم يتقدم التنظيم برفع بلاغ كما هدد سابقاً.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.