مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عضو القيادة القومية؛ أمين سر قطر السودان بحزب البعث العربي الاشتراكي علي الريح السنهوري ل(الأهرام اليوم) (1)

جوانب شخصيّة وأخرى تنظيمية مثّلت أبرز محطّات هذا الحوار. عن مستقبل البعث في ظل التحولات التي أفرزتها ثورات الربيع العربي كانت لنا وقفات. رؤيته لصعود التيارات الإسلامية للسلطة في المنطقة العربية، وموقف حزبه من القضايا السودانية القومية والثورات في المنطقة كانت حاضرة في حوارنا معه، كما سألناه عن علاقة البعث بالجيش السوداني، والانقلابات وفشله في دخول البرلمان، اتّهام البعث بالضلوع في انفصال الجنوب وتطابق مواقفه مع مواقف النظام وغيرها من الأسئلة كانت حاضرة في حوارنا معه. الرجل معروف بشخصيته القومية وأشواقه لوحدة الأمّة العربية، وكذا رفضه للتدخلات الأجنبية والوصاية الدولية. عضو القيادة القومية وأمين سر قطر السودان بحزب البعث العربي الاشتراكي؛ علي الريح السنهوري استمع لجميع أسئلة (الأهرام اليوم) ورَد عليها بكل وضوح وشفافية وكانت حصيلة ردوده هذا الحوار.
* من هو علي الريح السنهوري ومتى انضمّ لحزب البعث العربي الاشتراكي ومن الذي جنده للحزب؟
علي الريح بعثي بدأ يؤمن بشكل ضبابي بالفكر القومي منذ أن كان في العاشرة من عمره إبان حرب السويس على مصر، وكان يتفاعل مع تجربة عبد الناصر وفي مطلع الستينيات وتحديداً في عام 1962م بدأنا نشكل مجموعات قومية عربية من طلاب مدرسة (خور طقت) الثانوية وانتقلنا إلى المحيط الخارجي وقمنا بتشكيل وحدات شعبية ثم التقيت بعدها بالمرحوم بدر الدين مدثر، وكان حينها مطروحاً تنظيم الاشتراكيين العرب كتنظيم يضم كل التيارات القومية في الساحة السودانية من “ناصريين وبعثيين وقوميين وغير منتمين”، واعتمد هذا التنظيم على نظرية الخط التقدمي العربي العام أي التفاعل الإيجابي مع كل الحركات القومية في الوطن العربي، واتفقنا على عقد مؤتمر للاشتراكيين العرب في الأبيض وتم عقد هذا المؤتمر، ومن خلال التفاعل داخل تنظيم الاشتراكيين العرب بدأ التطور نحو حزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره حركة شعبية ثورية، ونضج هذا الأمر إثر العدوان الصهيوني في عام 1967م على “مصر والأردن وسوريا” وفي المؤتمر الثاني للاشتراكيين العرب في يونيو 1968م طرح هذا الأمر في المؤتمر وخرج ذلك المؤتمر بما يسمى بالتقرير العقائدي الذي جعل الاشتراكيين العرب أقرب إلى حزب البعث لاعتبار أن الاتفاق نص على عدم الاستقطاب داخل الاشتراكيين العرب لتنظيم حزب البعث، وفي عام 1970م تم تشكيل قيادة فرع حزب البعث في إطار الاشتراكيين العرب وكنت أحد أعضاء فرع حزب البعث في القطر، وتولى قيادة هذا الفرع قيادة تنظيم الاشتراكيين العرب، وإذا أردت الحديث عن علي الريح السنهوري أو أي من الشخصيات البعثية من الصعب أن تفصل بين العضو والحزب فدور الفرد لا ينفصل عن دور المؤسسة الحزبية.
* “السناهير” في واقع الأمر هم ختمية ما هو السبب الذي دفعك للاتجاه نحو البعث؟
السناهير عشيرة من عشائر الجعليين وقد يكون أكثرهم من الختمية لكن فيهم من هم متحررون من الطرق والطوائف، وأكثر “السناهير” كانوا في الحزب الوطني الاتحادي وليس في حزب الشعب الديمقراطي، وعندما انقسم حزب الشعب عن الحزب الوطني الاتحادي ذهب أكثرهم ومنهم “الشاذلي الشيخ الريح” الذي كان نائباً في البرلمان؛ ذهب إلى الحزب الوطني الاتحادي وانضوى تحت قيادة إسماعيل الأزهري وكانوا يميزون بين الدين وبين السياسة، والانتماء إلى طريقة أو طائفة أو غيره لا يعني أن يترتب عليه ارتباط سياسي، وفي عام 1985م أحد شيوخ الأنصار في كوستي انتمى لحزب البعث العربي الاشتراكي وعمل في الدعاية الانتخابية للمرشح الدكتور “عثمان الشيخ”، وطرح عليه سؤال من قبل شيوخ الأنصار “أنت أنصاري كيف تعمل مع حزب البعث العربي الاشتراكي عوضاً عن العمل مع حزب الأمة”؟ وقال لهم: “أنا أنصاري وشيخ من شيوخ الأنصار وانتمائي للأنصار والتزامي بالراتب لا ريب فيه، ولكن انتمائي لحزب البعث هو خيار سياسي وهذا شيء يختلف عن الخيار الديني”.
لم أكن ختمياً في يوم من الأيام وأنا منذ نعومة أظافري وجدت أهلي يلتزمون بخط الحزب الوطني الاتحادي وبإسماعيل الأزهري ويرفضون تدخل السادة في العمل السياسي، لم أكن ختمياً ولم ألتزم بأية طريقة من الطرق وأنا أصلي في أي جامع أجده أمامي بصرف النظر عن النوع أو الصفة العامة لهذا الجامع سواء أكان منتمياً لهذه الطريقة أو تلك، وفي تاريخه الطويل لم يعرف السودان التعصب الديني وكانت السياسة منفصلة تماماً عن الدين، وقيادات “حزب الأمة” و”الوطني الاتحادي” كان بها في مكاتبهم السياسية مسيحيون، وكان لدينا في مدينة “الأبيض” شخص اسمه (الياس فحام) وهو مسيحي من المشرق العربي، وكان يترشح في انتخابات البلدية ويفوز في هذه الانتخابات بأصوات المسلمين السودانيين، وليست هناك عصبيات دينية وعنصرية وجهوية وقطرية، بل كانت هذه من الأشياء المرفوضة في المجتمع السوداني لأننا قبيل دخولنا للمدارس كنا نتعرض لما يشبه المعاينة وتلقينا من أهلنا أنك إذا سئلت ما هو جنسك؟ عليك أن ترد أنك سوداني ولا تذكر قبيلة أو جهة، وفي الحقيقة لم نكن نعرف قبيلة أو جهة وكنا نعرف أننا سودانيون.
* كيف ترقيت تنظيمياً إلى أن أصبحت عضواً بالقيادة القطرية والقومية؟
الصعود في الحزب يتم عن طريق الانتخابات وأنا منذ عام 1970م عضو في قيادة الحزب في القطر وفي عام 1975م تم إعادة انتخابي وكنت معتقلاً في ذلك الحين، وفي المؤتمر الثاني عشر للحزب الذي عقد في “بغداد” تم انتخابي عضواً في القيادة القومية للحزب وكان ذلك في عام 1992م، وكان من المفترض أن ينعقد مؤتمر آخر ولكن جاء الاحتلال وحال دون انعقاد مؤتمر قومي آخر، والتصعيد في حزب البعث يتم عن طريق المؤتمرات والانتخابات ومن يصعدوا للقيادات في الحزب هم من يرى المؤتمر أنهم الأجدر في هذه المرحلة بقيادة الحزب حسب رؤية المؤتمر، وهذا شيء يخضع للنظام الداخلي للحزب.
* الصعود التنظيمي السريع لعلي الريح موضع تساؤل.. كيف استطاع علي الريح أن يكون من البعثيين المقربين لصدام حسين بخلاف بقية السودانيين الآخرين؟
السودانيون في القيادة القومية كان أولهم الشهيد “محمد سليمان الخليفة” وكان عضواً فاعلاً في الحزب على المستوى القومي، وحينما حدثت ردة 23/ شباط - فبراير 1966م حيث قام انقلاب ضد الحزب في سوريا وانتحل اسم الحزب كان “محمد سليمان” من المقاومين الأشداء لهذا النظام ولاعتبار أن النظام الانقلابي في 1966م استهدف قيادات الحزب وكوادره المتقدمة مما أدى إلى شلل القيادة القومية، بادر وقتها “محمد سليمان” مع بعض الرفاق إلى تشكيل مكتب الاتصال القومي وإلى عقد مؤتمر قومي وانتخاب قيادة قومية، وانتخب هو أحد أعضائها وظل كذلك إلى عام 1971م حيث استشهد في الأراضي السعودية، ثم من بعد ذلك في المؤتمر الحادي عشر 1977م تم انتخاب المرحوم “بدر الدين مدثر” عضواً في القيادة القومية، وكان موجوداً في “بغداد” وهو الذي كان على صلة حميمة إلى جانب رفاقه الآخرين في القيادة القومية بالرفيق القائد الشهيد صدام حسين وبالقائد المؤسس ميشيل عفلق، واستمر عضواً في القيادة القومية حيث أعيد انتخابه في عام 1992م عضواً بالقيادة القومية، ولم أكن متميزاً عليه في العلاقة مع القائد الشهيد صدام بل هو كان أقرب إليه بحكم مشاركته في العمل القومي منذ عام 1973م حيث خرج من السودان في ذلك العام وظل مشاركاً في العمل القومي وفي بناء كثير من تنظيمات الحزب على امتداد الوطن العربي، وبالنسبة لي ولغيري من الرفاق في القيادة القومية علاقتنا بالرفيق القائد صدام حسين أننا كنا أعضاء قيادة واحدة وهي قيادة من عشرة أعضاء وهو كان أمين عام هذه القيادة، والعلاقات ضمن هذه القيادة علاقات موضوعية وليست علاقات قرب من (فلان) أو بعد عن (علان) أي أن القائد صدام كان يقيم علاقاته مع رفاقه في القيادة بشكل موضوعي جداً؛ ولكن بالتأكيد كان للرفاق الأقدم في القيادة أمثال الدكتور “عبد المجيد الرافعي” والمرحوم “بدر الدين مدثر” والشهيد “طه يس رمضان” والأسير “طارق عزيز”، كانوا أقرب بالتأكيد للقائد ولكلمتهم وزن أكثر عند القائد من الأعضاء الجدد، ولذلك لم أكن مميزاً في القيادة القومية كسوداني أو في علاقتي بالقائد الشهيد، وإذا انتفى العامل الموضوعي هناك من هم أقرب للقائد الشهيد مني.
* من خلال وجودك مع القائد الشهيد صدام حسين في الاجتماعات السياسية ما هي أبرز السمات التي تميز شخصيته مع العلم أن هناك حديثاً عن أن شخصيته دكتاتورية؟
أبرز سمات القائد الشهيد هي التواضع وسعة الصدر والقدرة على الاستماع لآراء الرفاق الآخرين ودائماً كان يدلي برأيه كآخر المتحدثين، وفي أية قضية تطرح لم يكن يبادر بإبداء رأيه حتى لا يؤثر على قرار القيادة، وكان يستمع لكل الآراء ولم يكن يتردد في التراجع عن أي قرار أو رأي أبداه إذا ما وجد أن رأي الآخرين هو الأصوب من رأيه، وكان ملتزماً بالقيادة الجماعية في إطار القيادة القومية، وعلينا أن نميز بين صدام حسين كقائد للحزب وبين صدام حسين كرئيس لدولة العراق، وللرئاسة صلاحياتها ومسؤولياتها وللدولة آلياتها في العمل وللحزب آلياته المختلفة، وصدام حسين إلى جانب أنه شخصية متسامحة كان رجلاً ودوداً جداً في علاقته برفاقه سواءً أكان في القيادة القومية أو في القيادات الأخرى وكان دائماً يشعر بالفرح والسعادة عندما يلتقي بكوادر قيادية أو أعضاء من تنظيمات الحزب في الأقطار العربية الأخرى، ويسود جو من المرح في لقائه بهؤلاء الرفاق بجانب التفاعل الحميمي والحب الخالص الذي يكنه لرفاقه في مختلف الأقطار العربية ويعتز بالمناضلين وبالمضحين، إضافة إلى صفاته الأخرى المعروفة مثل الكرم والشجاعة والانتنماء الصميمي للبعث فكراً وتنظيماً، وطيلة فترة الحصار منذ عام 1991م وحتى عام 2003م كان يجد الوقت ليكتب موضوعاً حول (من نكسب وكيف ننظم) وهو موضوع تنظيمي محض يتعلق بالكسب الحزبي والتنظيم الحزبي، ويتمتع بأفق واسع وكان شخصية عبقرية فذة أنجبتها هذه الأمة الولود القادرة على إنجاب العشرات من أمثاله ليقودوا هذه الأمة من واقع التجزئة والتخلف والتبعية إلى واقع النهضة والوحدة والتقدم.
* هناك خفايا وأسرار لم تنشر بعد نريد منك أن تحدثنا عنها وتحديداً أدوار السودانيين البعثيين في العراق؟
السودانيون هناك كانوا نوعين، نوع متفرغ للعمل الحزبي القطري في العراق، ونوع آخر كان متفرغاً للعمل الحزبي القومي لاعتبار أن حزب البعث هو حزب قومي وليس حزب قطر من الأقطار، ولأي عضو فيه في المستويات القيادية مسؤوليات لا تتعلق فقط بالقطر وإنما تتعلق بكل ساحة الوطن العربي، وإلى جانب ذلك الحزب ملتزم بأن السياسة ضمن كل قطر هي من صلاحيات القيادة الموجودة داخل القطر وليس من صلاحيات القيادة القومية التي ترسم الإستراتيجية القومية للحزب على امتداد الوطن العربي، ولكن الإستراتيجية الوطنية يرسمها الحزب ومؤتمراته وقياداته المحلية في الأقطار العربية، وتنظيمات الحزب في الأقطار هي التي ترسم سياساتها والقيادة القومية مهمتها تدعم وتوصي وتعزز وتتابع التزام التنظيمات في الأقطار العربية بالإستراتيجية القومية العامة، وأن مهام القيادة القومية مهام إستراتيجية تتعلق بالإستراتيجية القومية التي مهمتها الحفاظ على وحدة الحزب القومي، وأن لا يخرج تنظيم من التنظيمات عن الوحدة القومية للحزب، وكل بقية الصلاحيات السياسية والتنظيمية هي للقيادات الحزبية في كل قطر من أقطار الوطن العربي.
السر الوحيد الذي يمكن أن أفشيه لك على الرغم من أنه لم يعد سراً هو أن القيادة القومية بعد تحرير مدينة (الفاو) في عام 1988م كانت تتوقع عدواناً أمريكياً على العراق، وقبيل دحر إيران بشكل نهائي كان تحرير (الفاو) بوابة لدحر إيران، والجيوش الإيرانية بدأت تنهار والقطاعات الإيرانية بدأت تنهار أمام الجيش العراقي، وفي ذلك الحين انهارت تماماً في 8/8/ 1988م ولكن قبل ذلك بعثت لنا القيادة القومية في حين أنني لم أكن عضواً بالقيادة القومية بل كنت مسؤولاً عن تنظيم الحزب في السودان، بعثت لنا القيادة القومية رسالة مفادها أنه تم تحرير مدينة (الفاو) والقطاعات الإيرانية بدأت تنهار ونتوقع هزيمة كاملة للعدوان الإيراني على العراق وتحرير كافة الأراضي التي احتلتها إيران على الحدود العراقية، ولكن بعد فشل إيران نحن نتوقع عدواناً أمريكياً على العراق بالأصالة وإيران كانت تحارب لمصلحة أمريكا بالوكالة، والآن نتوقع بالأصالة من قبل الغرب الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفعلاً بعد ذلك بدأت تحشد القوات الأمريكية في الخليج والكويت للانقضاض على العراق.
* ما هي علاقة علي الريح السنهوري بالمقاومة في بغداد وكيف كنت توجد في بغداد وتمارس نشاطك في تلك الظروف العصيبة؟
بشكل عادي ومن الصعب الحديث عن تلك الفترة الآن... ولكن كان الواجب الحزبي يقضي بمتابعة خروج السودانيين من العراق وخصوصاً الأسر السودانية وكان لابد من الإشراف على خروجها من العراق وبوجودي في بغداد بعد الاحتلال كان شيئاً طبيعياً أن أكون جزءاً من النشاط الحزبي القائم لإعادة بناء التنظيم وتنظيم الرد على الاحتلال وغيره، وشأني شأن أي بعثي يؤدي واجبه من موقعه المحدد، وعضو القيادة القومية يؤدي واجبه من موقعه والأعضاء الآخرون يؤدون واجباتهم من مواقعهم.
* أيام الاحتلال يذكر أن القيادة الوحيدة التي بقيت في العراق وتقدمت الصفوف في المقاومة هي القيادة السودانية وكان يقودها علي الريح السنهوري حدثنا عن هذا الأمر وكم بلغ عدد السودانيين البعثيين الذين استشهدوا في العراق؟
من الصعب أن أؤكد أنني كنت أقود أو لا أقود لكن بالنسبة لأعضاء القيادة القومية وأعضاء القيادة القطرية جميعهم كانوا موجودين في المقاومة عدا الذين تم اعتقالهم من اللحظات الأولى، وكل أعضاء القيادة القومية والقطرية كانوا موجودين في مختلف سوح العراق وكان كل منهم أينما وجد ينظم ويؤدي واجبه في المنطقة التي يوجد فيها في مختلف المناطق، وكان لا يوجد فاصل بين مقاومة العدوان من قبل الدولة العراقية ومقاومته شعبياً. يوم 9/ أبريل اليوم الذي دخلت فيه القوات الأمريكية بغداد بدأت المقاومة الشعبية المسلحة للعدوان وللاحتلال وهذا كان أمراً ملفتاً، وهذا يعود إلى أن قيادة الحزب في العراق عملت على تأهيل وتدريب وتسليح الشعب العراقي طوال العقود الماضية، وأنت في سياق سؤالك قلت إن صدام ديكتاتوري لكن الديكتاتور يخشى من شيئين أولهما يخشى أن يتسلح شعبه بالوعي ويخشى أن يتسلح شعبه بالسلاح، وحزب البعث بقيادة “صدام حسين” عمل على تسليح هذا الشعب بالفكر والثقافة والوعي والتأهيل الأكاديمي والتأهيل الفني وخلق قاعدة علمية ضخمة، وهذا يؤكد أن الحزب لم يخش أن يكون شعبه شعباً مسلحاً وهذ هو سر انطلاق المقاومة فوراً يوم 9/ أبريل.
* حسناً: كم عدد البعثيين السودانيين الذين استشهدوا في المقاومة العراقية تقريباً؟
والله أنا لا أدعي أني أمتلك رقماً دقيقاً عنهم لاعتبار أن المقاومة استمرت وظلت موجودة بعد الاحتلال لفترة طويلة، ويمكن إرجاء هذا السؤال لمقابلة أخرى حيث يمكن أن أعطيك عدداً أدق لأنني غير مهيأ الآن للرد حول عددهم، لكن منهم الشهيد “فضل الله متيرب” وكل من موقعه.
* بداية أيام المقاومة ما هو السبب الذي أدى إلى بقاء علي الريح السنهوري وخروج المرحوم بدر الدين مدثر من العراق؟
الأستاذ بدر الدين مدثر كان مريضاً قبل الاحتلال بفترة، كان مريضاً مرضاً شديداً بحيث أنه كان لا يقدر على الحركة وحتى بعد أن عاد إلى السودان ظل مريضاً لفترة طويلة إلى أن توفي إلى رحمة ربه، إضافة إلى أن الأستاذ بدر الدين كان مكشوفاً بشكل واضح في العراق ومعروفاً بشكل واسع جداً لأنه كان في الغالب هو والأستاذ “طه يس رمضان” يضعان أكاليل الزهور في كل المناسبات القومية ويظهر في التلفزيون بينما أنا ورفيق آخر من أعضاء القيادة كنا لا نظهر إعلامياً على الإطلاق، لكن السبب الأساسي لعودته إلى السودان هو أنه كان مريضاً مرضاً شديداً.
* في ظل الحرب وبعد دخول الجيش الأمريكي إلى بغداد كيف استطاع علي الريح السنهوري العودة إلى السودان وكيف تمت هذه العملية وكيف نجوت من عمليات الاغتيال؟
الاحتلال في الشهور الأولى لم يكن لديه الأجهزة والتقنية التي تستطيع أن ترصد، والبعثيون العراقيون في الشهور الأولى قالوا هذه شهور سماح إلى أن يتمكن النظام من بناء أجهزته نستطيع أن نتحرك بكل حرية، وكنا نتحرك من “روح الموصل” إلى “الحصيبة” بكل حرية لاعتبار أن الاحتلال وعملاءه ليس لديهم الأجهزة الكافية للرصد والمتابعة ولا توجد مشكلة في الحركة وكل الكوادر العراقية المكشوفة كانت تتحرك، وبالتدريج بدأوا يبنون في أجهزتهم وجاءوا بالعملاء بكميات كبيرة من إيران والكويت ودول أوربا الشرقية ودخلوا العراق وبدأوا يرصدون وبعدها حققوا بعض القدرة على اعتقال بعض الرفاق بينهم القائد الشهيد نفسه ولا يزال إلى الآن الأستاذ “عزت إبراهيم” وعدد من أعضاء القيادة يتحركون داخل العراق مع كل الأجهزة الاستخباراتية ومع الجوائز الضخمة المرصودة لمن يدلي بأي معلومات تقود إلى اعتقالهم أو العثور عليهم، ومع ذلك يتحركون في كل العراق ويؤدون واجباتهم وهم يجوبون كل أرض العراق محميين بشعب العراق، والمقاومة العراقية لم تتوفر لها ظروف طبيعية تمكنها من أن تحتمي بغابات وجبال، والعراق بلد منبسط ولكن المقاومة احتمت من اليوم الأول بالشعب واستمدت حمايتها من الجماهير وليس من الطبيعة، والمنطقة الوحيدة التي بها جبال هي المنطقة الشمالية على الحدود مع إيران وتركيا، وهذه المنطقة كانت تحت نفوذ القوى المرتبطة بإيران وتركيا وتحت نفوذ الأحزاب التي أتت مع المحتل في الشمال، بينما المقاومة أساساً بدأت في بغداد والوسط والشرق والجنوب ولا تزال هي كذلك.
* ما هي الأسباب التي أدت إلى الانقسامات التي حدثت لحزب البعث العربي الاشتراكي في السودان؟
الحزب في السودان ليس فيه انقسامات، وفي السودان يوجد حزب البعث العربي الاشتراكي اضطررنا لتسجيله ونسميه “الأصل” تمييزاً له من بعض الواجهات الأخرى، وهناك عناصر تساقطت من الحزب ولا تشكل انقساماً، وكما تعلم أن أية مجموعة يمكن أن تذهب وتسجل حزباً باسم حزب البعث ولكن ما استغرب له هو السؤال عن الانقسام ونحن نلاحظ أن مختلف الأحزاب السياسية في السودان حدثت فيها بالفعل انقسامات حقيقية وكل من خرج منها خرج بقطاع واسع من الحزب وشكل تنظيماً له تأثيره في المجتمع وموجوداً ومحسوساً أو بعضها على الأقل، ولكن في حزب البعث من خرجوا منه ليس لهم وجود على أرض الواقع سوى وجودهم في الإعلام، ونحن بالنسبة لنا هذه المسألة لا تشكل هاجساً أو مشكلة بل أن علاقاتنا الشخصية بهؤلاء الحزبيين السابقين علاقات طيبة والإصرار على تسمية البعث تدل على تعلقهم بهذا الحزب وهناك من سموا اسماً آخر غير البعث العربي، وهذه المسألة لا تمثل بالنسبة لنا قلقاً وفي كثير من الأحيان نجد أنفسنا معهم وتحديداً في الموقف تجاه القضايا الوطنية والقومية إلا من خرجوا عن فكر البعث وخطه السياسي والذين لديهم بعض المواقف الشائكة ملتزمون بذات موقف حزب البعث العربي الاشتراكي وهذه المشكلة موجودة عند الأحزاب التي صارت أحزاباً في الحقيقة وليس حزباً واحداً والتي تحفل الصحف بصراعاتها وصراعات مراكزها وهكذا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.