عبدالحي: قيادات "قحت" سببوا الحصار الاقتصادي والآن يطالبون برفعه    البعث الاشتراكي: ميثاق نبذ العنف الطلابي أخلاقي    منظمة دولية: 200 ألف طفل يعانون بسبب الفيضانات في جنوب السودان    ليس بالعمل وحده يحيا الإنسان .. بقلم: نورالدين مدني    السودان جمال لم تره من قبل (الخرطوم) .. بقلم: د. طبيب عبد المنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة    تغيير أربعة سفراء وإعفاء ملحقيين    لجنة المعلمين تتهم فلول النظام المخلوع بالاعتداء على المعلمين في الخرطوم وتهديدهم بالأسلحة النارية    السودان يستعيد توازنه برباعية في ساو تومي    كَيْفَ يَكُونُ للعُنكولِيْبِ مَذاقُ الغِيَابِ المُرِّ، يا حَوْرَاءُ؟ (في رثاء الإنسان محمد يوسف عثمان) .. بقلم: د. حسن محمد دوكه، طوكيو – اليابان    مباحثات سودانية أميركية حول كيفية إزالة السودان من قائمة الإرهاب    32.8مليون دولار منحة للسودان من البنك الافريقي لمشروعات مياه    "العمال": التطهير بالخدمة المدنية محاولة يائسة تفتقر للعدالة    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    والي الجزيرة يدعو لمراقبة السلع المدعومة    ذَاتُ البُرُوجِ (مَالِيزِيَا) .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    خبير: الاقتصاد السوداني تُديره شبكات إجرامية تكونت في العهد البائد    الحكومة تُعلن برنامج الإصلاح المصرفي للفترة الانتقالية "السبت"    زيادات مقدرة في مرتبات العاملين في الموازنة الجديدة    البراق:حمدوك يمارس مهامه ولا صحةلما يترددعن استقالته    الكشف عن تفاصيل قرض وهمي بملايين الدولارات    كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الفساد الأب الشرعى للمقاومة .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أخلاق النجوم: غرفة الجودية وخيمة الطفل عند السادة السمانية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





منهجية تفسير القرآن بالقرآن
نشر في الراكوبة يوم 10 - 01 - 2017

حاولت فى كثير من مقالاتى إلقاء الضوء على بعض القضايا الاسلامية مستعينا بتأويل القرآن الكريم متخذا منهج تفسير القرآن بالقرآن الذى قال عنه إبن كثير بأنه أفضل التفاسير لارتفاع درجة اليقينية فيه , ترددت كثيرا فبل كتابة هذا المقال لأن الموضوع كبير و متشعب و حصره فى مقال قد يخل بالفائدة المرجوة لذا قد يضطر القارئ الكريم للإستعانة بالمراجع المعتمدة إن شاء التوسع أو الإستيثاق.
المنهج الذى إتبعته وجه إلى سهام النقد بالتهافت و التخريجات و الابتداع و السبب فى ذلك أن الناتج عنه كان غريبا عما تآلف عليه الناس فى القديم ممن آمنوا و ممن شكوا, المنهج له عدة محاور :-
شخص النبى الكريم صلى الله عليه و سلم:-
لنثق فى القرآن فعلينا ان نثق فى شخص وسيط الوحى الأكرم من حيث الخلق و معلوم ما عرف عنه من حسن الخلق و من حيث البينات الدالة على بعثه, أسم محمد لم يسم به احد قبل الرسول و لكن قد ورد إسم النبى صراحة و كناية فى كل رسالات الانبياء السابقين قبل بعثه , تردُ هذه الكلمة (מַחֲמַדִּים) في ترجمة عبرية للفقرة (16) في الإصحاح (5) من سفر نشيد الأناشيد من العهد القديم, وهذه ترجمة عربية لها: حلقُه حلاوة، وكله مشتهيات، هذا حبيبي، وهذا خليلي يا بنات اورشليم. لكن وعند الاستماع ل (تلاوة) عبرية لهذه الفقرة، فإن المرء يسمع بوضوح كلمة (مَحمديم).
عند نسخ الكلمة (מַחֲמַדִּים) ، ولصقها على مترجم جوجل، فإنه لا يعطي ترجمة لها على المترجم الآلي لجوجل، أما إذا أدخلت الكلمة بدون الحرف الآخير، بهذه الصورة: (מַחֲמַדִּי). فهو يترجمها هكذا:
و قد جربتها بنفسي, الحرف (يم) فى العبرية يأتى للتبجيل و التفخيم. (Mhmdim)، (Mohammadi(
الوحى نطق به الرسول شفاهة و كما دونه كتاب الوحى و أشرف على رسمه شخصيا وترتيب السور و الايات فى المصحف ,يدلل عى ذلك أن كتب علوم القرآن قد أوردت ايضا أن بعض الكلمات قد صيغت بطريقة غير مالوفة بتوجيه من الرسول مثل و (السماء بنيناها بأييد و إنا لموسعون) يلاحظ أن (أييد )جعلت فيها يأئين و فى هذا معنى كبير, معظم الناس شكوا فى أمية الرسول أم لا و الهدف الالهى من أميته قبل الدعوة كان لئلا يقول الناس أن محمدا كتب القرآن, الراى الاصوب إن الله تعالى عندما قال للرسول إقرأ و ربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم –فقد كانت تلك عزيمة من الملاك جبريل بأن يتمكن الرسول من القراءة بدون واسطة تعليم و الدليل على ذلك كلمة (من قبله) فى الآية( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) العنكبوت/48هذه الكلمة لو ازيلت فالآية ستعنى أن الرسول لا يقرأ و لا يكتب مطلقا و لكن إضافتها تشى بان عدم الكتابة كان (من قبل).
تدوين السنة:-
كان لى عدة مقالات لمن شاء المراجعة فى تدوين السنة و أخطر ما فيها إتهام من يحاول إنتقاد ذلك التدوين بإنكار السنة لتحويل الأمر من نقاش علمى إلى مسألة القدح فى شخص الرسول أو الاتهام بإنكار ماهو معلوم من الدين بالضرورة، هذا كلام كبير و فضفاض و ماذا لو كان المعلوم خطأ!!!
أما ما هو أخطر من ذلك فهو قول السلفيين أن القرآن قطعى الثبوت ظنى الدلالة و السنة ظنية الثبوت قطعية الدلالة!!! هذا منطق غير يقينى بل أن القرآن قطعى الثبوت و قطعى الدلالة لكن المشكلة فى مسلماتنا الفكرية و أدواتنا.
منهجى لا يقوم على إنكار تدوين السنة ففيه أحاديث تنسجم مع المنطق الذى نعرفه كبشر و كمؤمنين و يمكن الرجوع للسنة إن وجدت فيها احاديث تنسجم مع القرآن أو مع الواقع أم للحصول على قرائن محتملة, تدوين السنة يجب ألا يناقض القرآن و لا ينسخه (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) الكهف/27 , (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/44 .
القرآن الكريم:-
الثقة فى القرآن الكريم تنبع من انه الكتاب السماوى الوحيد الذى لم تنله يد التحريف و التبديل و مازال بين ايدينا كما أنزل على الرسول, يجب الإنتباه إلى أن حروف العربية لم تكن منقطة و كانت تعرف بالسليقة وعندما كبرت دولة الخلافة نتيجة للفتوحات الإسلامية و خشى اللحن و الاخطاء أضيف للقرآن تنقيط الحروف و تشكيلها ثم علم النحو لاحقا و سنتكلم عن هذا فى حينه.
القرآن الكريم وصفه تعالى بأنه فى لوح محفوظ و أنه كتاب مكنون و لا يمسه إلا المطهرون, فى الحالة الأولى كان القسم بالسماء ذات البروج و الثانية بمواقع النجوم و هما قسمان عظيمان لمن يعلم عن عظمة الكون و أجرامه, اللوح المحفوظ له عدة معانى لكن أسلمها فى هذا السياق أن اصل القرآن موجود عند الله تعالى ليحفظه من التبديل و التحريف أما (كتاب مكنون) فقد أجرى عليه المفسرون نفس معنى اللوح المحفوظ بزيادة أن القرآن لا يجب أن يمسه إلا طاهر وهذا قول صحيح و معنى واحد أما المعنى العميق فكالآتى:-
كتاب مكنون : مكنون المعانى التى تحتاج إلى إظهار.
يمسه : ورد المس فى القرآن فى عدة مواضع مثل مسنى الضر, يتخبطه الشيطان من المس (الصرع),ذوقوا مس سقر و المعلوم بيولوجيا أن مستشعرات الالم تكون بالجلد , من قبل أن يتماسا (قبل الجماع) و معلوم بيولوجيا أن مركز اللذة يوجد فى المخ, كلها معانى محسوسة بالدماغ الذى هو مسكن العقل.
المطهرون : مثال لها فى القرآن( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس آل البيت و يطهركم تطهيرا) ,الرجس تشمل الكفر و العذاب و اللعنة و الذنوب و الشك و الريب,( وعهدنا إلى إبراهيم و إسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين و العاكفين و الركع السجود) أى تطهيره من الاصنام و الشرك و أى أشياء أخرى قد تزعج الحجيج.
إذن المعنى هو أن المعانى المكنونة فى القرآن لن (يمسها أو يدركها العقل) مالم يكن طاهرا من الشك و الريب و الشرك و الاعمال غير الصالحة,أن يكون الإنسان صالحا لتلقى المعانى عقلا وفكرا و قلبا و عملا تماشيا مع قوله تعالى( و اتقوا الله و يعلمكم الله و الله بكل شئ عليم).
مثانية المعانى فى القرآن ستكون أوضح فى الآيات التالية و التى تعتبر (حجر رشيد القرآن) :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد ) الزمر /23.
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) آل عمران/7
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم ) الحجر/87 .
و لتكون الصورة أوضح للقارئ الكريم أرجو أن أحيله لمحرك البحث عن (الفرق بين لفظ نزل وأنزل في القرآن الكريم).
أهم مافى الآيات أعلاه أن القرآن هو (أحسن َالحديث) نقطة على السطر, أن القرآن متشابه و مثانى, فلنشرح مثانى أولا لان شرح متشابه يطول, ترتيب اسماء الاشياء فى القرآن الكريم يخضع لقاعدة الاسبقية أو الافضلية غالبا و قد يقول قائل و لم ذكراصحاب النار قبل أصحاب الجنة فى الاية (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الحشر/20 فقد ورد فى القرآن أن كل أنسان يولد و مقعده من النار جاهز و عليه ان يبذل جهده ليبعد عن ذلك المقعد,اذن هو ترتيب اسبقية (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران /185
مثانى إختلف فيها المفسرون فى أنها تعنى السور السبع الطوال فى بداية المصحف وسميت كذلك لانها يثنى فيها ذكر الاخبار و العبر و المواعظ و آخرون قالوا وهو القول الارجح أنها فاتحة الكتاب, لان آياتها سبعة بالبسلمة و لانها بالرغم من أنها جزء من القرآن إلا أنها مميزة فلا تصح الصلاة إلا بها لذا فصلت الاية الاخيرة بينها و بين باقى القرآن (سبعا من المثانى و القرآن العظيم), أما مثانى فالمعنى بسيط جدا : ثنائى المعنى!! فلنر إن كانت هناك معانى ثنائية فى الفاتحة وهو منهج تجريبى معروف.
بسم الله الرحمن الرحيم: بالرغم من إشتقاق الكلمتين من مصدر واحد بيد أن الرحمن هو الذى شملت رحمته كل الخلائق و الرحيم هو من له رحمة خاصة للمؤمنين به و المتبعين لهديه.
الحمدلله رب العالمين: العالمون معناها الجمع الكثير من الناس أما هنا فتعنى رب كل العوالم.
الرحمن الرحيم: سبق شرحهما.
مالك يوم الدين : مالك يوم البعث و الجزاء و هو ايضا (الملك) الوحيد يوم الدين حسب إحدى القراءات.
اهدنا السراط المستقيم: السراط لغة هو الطريق أو السبيل أو المسلك و هنا هو الاستقامة فى العبادة و عمل الصالحات.
سراط الذين أنعمت عليهم: ظاهرها كل من أنعمت عليه بشئ و لكنها هنا تعنى كل من اسلم (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الاسلام دينا).
المغضوب عليهم : كل من أغضب الله و لكنها هنا تعنى طائفة دينية معينة من السابقين لا أود ذكرها.
الضالين: ظاهريا تعنى كل من ضل و لكنها هنا تعنى طائفة دينية معينة من السابقين لا أود ذكرها.
إذن فالمثانية تعنى أن الكلمة قد تحمل معنيين أو أن الاية تحمل معنيين, وأحيانا المثانية تنتج عن فصل آية ماعن سياق الايات التى قبلها أو بعدها,و ما حل هذا التشابك؟ فلنر معنى متشابها لنقترب من الحل.
متشابها: قال معظم المفسرين أبهم معناه و مرده إلى الله و لكن قلة منهم و هم الاصوب قالوا يشبه بعضه بعضا و لا يناقض بعضه بعضا, أسلم طريق هو أولا فهم معنى متشابها مثانى و فى هذا قال تعالى ((مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ)) تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ((ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ ))يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ) هذا هو المفتاح!!!
المفتاح الثانى هو معرفة سياق الايات قال تعالى(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)
هذه الاية مفتاح كبير , الذين فى قلوبهم زيغ مثانية حيث أنها تشمل نوعين من الناس :النوع الاول عدو للدين حيث أنه يسعى للفتنة عن طريق الغوص فى المتشابه و قد ذكر هذا النوع أولا لانه أكثر من يلجأ للمتشابه أما المؤمنين فلا يهتمون بالمتشابه كثيرا فهم قد آمنوا و إرتاحوا لايمانهم بأى كيفية كانت.
النوع الثانى من أنصار الدين و قلت هذا لان الآية قالت (إبتغاء تأويله) أى هو مؤمن حسن النية لكن فى قلبه زيغ عن سياق المعنى أو الايات أو نقصان فى معلوماته أو أن الاية لما يأت أوان فهمها, الآية ايضا عن طريق تحريك علامة الوقف قبل و بعد الراسخون فى العلم تعطى حالتين : الحالة الاولى- من لا يدرك مراد الله من الآيات و لكنه راسخ الايمان و بذلك راسخ العلم فيقول مازلت أؤمن بها حتى و لو لم افهمها, الحالة الثانية- يدركون مراد الله لرسوخ قدمهم فى العلم و يزدادوا إيمانا و قد ختمت الاية بأن الفريقين من اولى الالباب, قطعا معنى أن القرآن لا يعلم تأويله الا الله كلام غير منطقى فما معنى أن ينزل الينا كتاب هداية و إرشاد بلغتنا ثم يقول لنا لن تعلموا معناه !!!!!
أنواع التشابه: -
1-التشابه اللفظى و هو أن تعرف مراد الله من الكلمة من باقى آيات الكتاب مثلا خليفة تعنى بشرا يخلفون بشرا لكن لا بد من الانتباه لسياق الكلام حتى لا يحدث (زيغ) ففى قصة سيدنا آدم مثلا واضح أنه لم يكن أول البشر لقول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء- فكان واضحا ان آدم و ذريته اعدوا لخلافة ذلك السلف و ليس لخلافة الله فى الارض كما اشيع.
3-التشابه المعرفى و هو أن ينبطق معانى أية أو آيات على معلومات جديدة تكتشف كل حين و يجب الخذر مع المعرفة البشرية النسبية و المتغيرة فمثلا قال علماء النشوء أولا أن الحياة على كوكب الارض نشأت فى الماء قبل مئات ملايين السنين و لكن أحدث الكشوف العلمية الآن ترجح أنها نشأت فى طين البراكين والينابيع و المستنقعات الساخنة من كائنات وحيدة الخلية.
4- التشابه الظاهرى و هو وجود مترادفات تشبه بعضها بعضا فى اللفظ أو الآلية و لكنها تختلف فى المعنى و هم كثر مثل( أنظر,أنظر كيف ,رأى ,بدا) (ضرب فى ,ضرب ب, ضرب على, ضرب فوق,ضرب بين) (أنزل , نزل لكم و فيكم و عليكم) (إكتسب و كسب) (نبلوكم و نبتليكم).
بصفة عامة فإن من لا يفهم مراد الله فى موضع يقول هذا متشابه و لا يعرف معنى متشابه الا أن المصطلح يفهم منه أنه مبهم و على كل حال فالمحكم أكثر من المتشابه.
5- التشابه الناقص مثلا تبادل الايات فى قصة سيدنا آدم بين خلقه من الطين و خلقه من تراب, المفسرين لم يفرقوا بينهما على أساس أن الطين هو تراب اضيف إليه ماء مع ان المعنى مختلف فى كل حالة كما أشرت فى مقالات سابقة.
الترتيل كما عرفه معظم المفسرين هو التجويد و هم بهذا قد خلطوا بين التلاوة و الترتيل, أما أبو العباس من السلف الصالح فقال (ما أَعلم الترتيل إِلاَّ التحقيق والتبيين والتمكين) و هذا هو الاصوب فدون خوض فى مصطلحات معقدة فقد قال تعالى (و رتل القرآن ترتيلا) (و رتلناه ترتيلا) فالترتيل لغة هو صف الاشياء و ترتيبها و بهذا المعنى يشمل التجويد و صف المعانى مع بعضها و صف الايات المختلفة التى تتحدث عن موضوع واحد و توجد مفرقة عن بعضها و هكذا ,إضافة ترتيلا الى رتل تفيد إستخدام عدة أدوات مثل اللغة و التشابه و المثانية إلخ.
الحكمة من المتشابه و المثانى و الترتيل
1-الله الذى خلقنا يعلم أن اللغة كائن حى يتغير بمرور الزمن و لما كان هذا آخر كتاب سماوى منزل اراد الله أن يكون معناه خالدا بوضع معانى أصطلاحية للكلمات حتى لا تحدث بلبلة فى العقيدة و المعاملات و هذا مبدا معروف حتى فى القوانين الوضعية ,تجد فى بداية القانون معانى إصطلاحية تستخدم لضمان الفهم و التطبيق الصحيح للقانون,فالباحث الحصيف فى القرآن يجد ضالته فى معنى الكلمة الإصطلاحى فى بحثه عن أشباهها.
2- المتشابه المعرفى حكمته فى المعرفة على قدر الحاجة أو فى الوقت المناسب و هذا مبدا معروف لدينا حتى على المستوى الشخصى أو العائلى أو الحكومى و الدولى, وهناك دول مثلا تفرج عن ارشيفها الوطنى كل خمسين سنة .
3- عدم هجر القرآن ,عندما يكتشف المؤمن أن المعانى لا تلين له يضطر للإكثار من قراءة المصحف.
4-الانسان مخلوق ملول بطبعه و يحب التحدى و الإكتشاف و لقد خاطبه سبحانه متحديا (و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) و (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها).
5-المثانية أحيانا فيها مرونة فى التطبيق و هذه حكمة إلهية بالغة فما ينفع قبل الف عام قد لا ينفع الآن.
6-بعض الغموض فى القرآن فيه فتنة لضعفاء الايمان و فيه ايضا تعريف للإنسان بمحدودية علمه مهما بلغ فالغرور مع الخالق ليس من صفات المؤمن.
موجهات عامة:-
1-الاكثار من تلاوة القرآن يجعل العقل الباطن قادرا على ربط المعانى مع بعضها و تحليلها فكل يوم تكتشف شيئا جديدا.
2- سياق الايات احيانا يحكم المعنى الاصلى لها وجب الانتباه عند تحليل آية ما إلى ما قبلها و ما بعدها.
3-يجب الانتباه إلى كيفية إستخدام قواعد اللغة العربية فى القرآن و خصوصا الافعال الثلاثة الامر و الماضى و المضارع و كذلك إستخدام الحروف , و قد يخطئ كثيرمن المفسرين لهذا السبب , فمثلا فى أية (إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) قالوا بأن الفاء فى (فجعلناه) هى فاء السببية و استخرجوا معنى خاطئا بذلك و عند المراجعة إتضح لى بأن فاء السببية لا تدخل على الماضى بل على المضارع فقط , اذن فهى فاء عطف و معنى آخر مختلف تماما!!!!
4- قراءة التأريخ قراءة صحيحة و عدم إخراج الاسلام من سياقه التأريخى .
5-الاطلاع على انواع التفاسير المختلفة قديمها و حديثها.
6-متابعة المكتشفات العلمية فى علوم الاحاثة والاحياء و الفلك و الجيلوجيا و غيرها من العلوم.
7-عدم ربط النظريات العلمية بالكفر فمثلا نظرية التطور لاحظت المظاهر الخارجية لعملية التطوير التى قام بها الخالق فظن التطوريون أن الحياة نشأت ذاتيا دون إله و لكن القرآن يقول (الذى خلق فسوى .و الذى قدر فهدى) (الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى),فواضح من القرآن أن الله هو من وضع تلك القوانين الابتدائية التى بدأت بها الحياة ثم قام بهداية التنوع الاحيائى نحو التدرج و رفع الانسان على رأس سلم الكائنات, (قل سيروا فى الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة)بمناسبة النشأة فقد وردت فى ثلاث أماكن فى القرآن : النشأة الاولى و هى الطين, النشأة الاخرة هى عملية التطوير و التكيف و التى مازالت مستمرة فى خلايا كل الكائنات عن طريق الجينات و قد أثبت العلم الحديث و الملاحظات ذلك كما أن الاية وردت بصيغة المضارع (ينشئ), النشأة الاخرى هى نشأة يوم البعث.
علم الفلك مثلا يخبرنا القرآن أن الله هو من وضع الشمس و القمر و النجوم فى مداراتها و لكننا كلنا تعلمنا فى المدرسة أن التوازن بين جاذبية الاجرام الضخمة و القوة الطاردة المركزية للأجرام الاصغر هو من يحفظ تلك الاجرام فى مداراتها و لم يقل لنا أحد بان ذلك كفر.
نظرية التطور لم يفهمها الملحدون و لم يفهمها المتدينون المتعصبون و هم فريقان يختصمون,و نقتصر على أن العلم البشرى قد يخبرنا كيف و لكن الدين يخبرنا لماذا و هو مبدأ الغائية الذى تاه فيه الفلاسفة و المفكرون.
6- يجب الانتباه فى حالة تفسير الآيات التى يسبقها قسم أو التى يسبقها (هل) بمعنى قد للتحقيق مثل هل أتى على الانسان حين من الدهر , فالقسم دائما يكون باشياء عظيمة القدر و بعده يكون المعنى بنفس العظم.
خشية الاطالة,أختم مقالى هذا بأن كلمة (العلم) عند الملحدين تعنى العلم المادى و كلمة (العلم) فى القرآن فسرها السلف بأنها تعنى العلم الشرعى و الدينى لكن هذا غير صحيح و لا يجوز فهى كلمة تشمل كل أنواع العلوم ,القرآن الكريم ليس كتابا علميا بالمعنى الحرفى لكلمة علوم عندنا و لكنه كتاب هداية و إرشاد فيه إشارات لانواع شتى من علومنا فوجب أن من يتصدى لتفسير او تأويل القرآن ان يكون ملما من كل علم بطرف,حجر القرآن على العلم الشرعى يؤدى للتصادم بين العلم و الدين و قد يؤدى إلى نبذ الدين و سجنه فى المسجد كما حدث فى دول الغرب التى سجنت الدين فى الكنيسة.
ما أوردته فى هذا المقال المتواضع هو نتاج رحلة بين الشك و اليقين و تعامل مع كتاب الله لاكثر من ثلاثين عاما وإطلاع على تفاسير مختلفة و مناهج أخرى ووجدت أن افضل يقين هو فى الايمان بما إحتواه و الاكثار من قراءته و تفسيره بما ورد فيه, و قراءة العالم حولى قراءة صحيحة بعقل منفتح فى إطار العقيدة السليمة القائمة على التوحيد و طلاقة القدرة الالهية و أن السنن الكونية المضطردة التى أودعها الخالق هى الاساس و ان المعجزة هى الاستثناء بالرغم من أنها تجوز فى حق الخالق القادر على كل شئ, من كفروا بالاله ظنوا أن القوانين التى أودعها هى التى تسير الكون ذاتيا و غرهم علمهم ببعضها.
من أعجبه هذا المقال فليحاول البحث عن معنى غامض عليه فى القرآن و ليشاركنا النتائج لنتعلم من بعضنا و شكرا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.