إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس    الكهرباء في السودان تعلن عن قطوعات وتوضّح    الهلال يهزم سانت لوبوبو ويتأهل متصدراً مجموعته    الهلال السوداني إلى الدور ربع النهائي من بطولة دوري أبطال إفريقيا    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة.. فنانة تشكيلية تعرض لوحة للفنان الراحل محمود عبد العزيز للبيع بمبلغ 5 مليار جنيه وساخرون: (إلا يشتريها مأمون لزوجته حنين)    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    أئمة يدعون إلى النار    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اضمحلال الدولة السودانية
نشر في الراكوبة يوم 11 - 07 - 2017

التنازُع الحَاد والمُستَمِر أدَّى إلى إضْمِحلَالِ الدولة السودَانية
ما نشهده يحدثُ الآن فى السودان هو إضْمِحلال الدولة، على كُلِّ المُستويَات، ولن ينجُو منه أحد. الحكومة تنهَارُ بشَكلٍ فاضِح لتعنُّتِها وإصْرَارِها على الإستمرَارِ فى الحُكمِ رُغم فقدَانِها أهليته على الأقل منذُ 12 يوليو 2010م عندما أصدرت محكمة الجنايات الدولية بلاهاى- هولندا أمْرَها الثانى بالقبضِ على رَئيسِ السودان فى الجرَائمِ والإنتهاكاتِ الفظِيعة التِّى إرتكبهَا حُكومتُه فى إقليمِ دارفور. ثُمَّ قاومَ الرئيسُ وحكومته تنفيذ أوآمِر القبض وتحدَّوا الدنيا كلَّها ومن يومها أصبحَ رئيسُ السودان مُطارداً وهَارِباً من العدالة. وترتَّبَ على ذلك آثار سالبة على السودان. والهروب من العدالة سِمَة لا تليقُ بالمواطنِ العادى نَاهِيكَ من رأسِ الدولة.
وكان الأوفقُ أن يتبرَّعَ الرئيس، بحُرِّ إرادَتهِ، بتسليمِ نفسِه للمحكمَةِ فِدَاءً للسودَانِ وشعْبِهِ ومُستقبلِه. ولكِنَّه وحكومته قاومُوا تنفيذ أمر المحكمة، وصَارَ مُستقبل السودان كُلَّهُ مرْهُوناً بذلك الموقِف المُتخَلِّف، والمُخَالفِ للمَجْرَى العَادِى للأمورِ. عِلماً بأنَّ السودان دولة يَحْتَكِمُ النَّاسُ فيها لحُكمِ القانون، وأنَّ رئيسَ السودان هو رَآعِى السُلطات الثلاث، التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائية، والرئيس نفسه يُصَادِقُ على تنفِيذِ أحكامِ القضاء النهائية فى الجرَائمِ الكُبرى مثل الإعدام! فتزْهَقُ بمُصادقتِه النهائية أرَواحُ النَّاس، كما أنَّه يمنحُ العفوَ. فلا يستقيمُ أن يتنَكَّرَ الرئيسُ للعدَالةِ عندما يتعَلَّقُ الأمر بشخْصِهِ ومُعَاوِنِيه.
والتنَازُع الحَادّ والمُستمر حول هذا الأمر أدَّى إلى شَلَلٍ تامٍ فى أدَاءِ رئيس السودان رأس السُلطَةِ التنفيذية ورمزِ سِيادَته وكرَامة إنسانِه. ولمَّا تطَاولت هذه الحالة من التنازُعِ بدَت ظوَآهِر الإضْمِحلَال شَاخِصة للعَيَانِ. وكُلَّ البلاوى التى نرَاها وتشْخَصُ الأبصَارُ لغَرابتِها هى نتاج ذلك، والدليلُ المَاثل هو هُرُوب مُدير مكاتب رئيس الجمهورية بكلِّ أسرَارِ الدولةِ إلى دَوْلِةٍ أخرى، ليس بحثاً عن مَلاذٍ آمِن، ولكن لشغلِ وظيفة قيادِيَّة عليا فى حُكومَةِ تلك الدولة تحفِيزاً له على صنِيعهِ؟! حادثة جديدة وغير مسبُوقَة، ومن العجَائبِ والغرَائبِ التى لا تحدثُ إلَّا فى السودان.
. والإنهيار الإقتصادى المُرِيع والمُستمِر، وما يسبِّبهُ من نتائج كارِثِيَّة على حيَاةِ المُوَآطِنِ إلى حَدِّ ظُهورِ أمراض وَبَائِيَّة مُتخَلِّفة مثل الكوليرا، بَدءْاً من ولاية النيلِ الأبيض لتنتقِل إلى العاصِمةِ الخرطوم وتهِدِّدُ العام الدرَآسِى الجديد 2017م بالتعطِيلِ. والسودان يتناوشه الجيرانُ فيتآكلُ من أطرافه فى حلايب والفشقة، وموجة شُحنات المُخدِّرَات تدخُل السودان بلا رقيب. وإنهيار مستوى التعليم وإنخفاض جوْدَته رغم إنتشاره الأفقِى الوآسِع. إنتهاءً بفشلِ القائمين على إدارةِ كرَةِ القدَم فى السودان فى إدارةِ المنشط وفشلِ الدولة فى الرعايةِ والتقويمِ ما أدَّى لتجميدِه بوآسطة الإتحاد الدولى (فيفا)، وكُرَة القدم هى الرِئة التى يتنفسُ بها الشعبُ السودانى، وتأتى هذه الحادثة أيضاً نتيجة للتنازُعِ الحَادِّ والمُستمِر.
وجرثُومة التنَازُع الحَاد والمُستمِر لا تستأثِر بها الحكومة وحْدَها، بل تتعدَّاها إلى غيرِها من كَافَّةِ مُكوِّنَاتِ الدولَةِ السودانية، فأنظُر:
. كانت المعارضة السودانية المُسلحة قد نظَّمت نفسها فى تَحالُفِ الجبهة الثورية السودانية فى بداية العام 2012م ولكن سُرعانَ ما انتكسَت وإضْمَحلَّت فى 2015م بسببِ التنَازُعِ الحَادِّ والمُستمِرِ على كُرسىِّ رئاسة التحالف عطَّلَ الإنتقالِ السَلسِ للسُلطَةِ دَآخِلِها بالمُخَالفَةِ الصريحة لأحكامِ دستُورِها الوآضِحة النَصوصِ والدِلالة على كيفِيَّةِ انتِقَالِ الرئاسة. فإضمَحَلَّت وزَوَت الجبهة الثورية السودانية، التى وضعَ فيها شُعوبُ السودان آمالاً عرِيضة ورَاهنُوا عليها حِصَاناً أسْودَاً يفوزُ بالسِباق ويُخَلِّص البِلاد والعِباد من الظُلمِ الإضْمِحلالِ، لكنَّ فرَسَ الرِهان مَاتَ قبل بدءِ السِبَاق. فالخُيول الجِيِّدة التى يُرَآهِنُ عليها شعوب السودان عادَة ما تمُوتُ قبل بدء السِباق بقلِيل. وكذلك مات من قبل دكتور جون قرنق الذى رآهنَ عليه السودانيون، وكان قد ناضَلَ نيفٍ وعِشرينَ عامَاً، أسَّسَ خِلالها مشرُوعاً لدولةِ سُودَانية جديدة عادلة وقابلة للحَياةِ، ولما جاء يُنفِّذ أملَه وحِلمُ الشعب السودانى مَاتَ أو قُتِل فى اليومِ الوَآحِدِ والعشرين من تولِّيه الحُكمَ نائباً للرئيس الحالى!. هَذِى بِلادٌ تُموتُ فيها خُيول الرِهَان.
. ولم يقتصر التشَظِّى والإنقسام ثُمَّ الإضْمِحلال بسببِ التنازُعِ الحَادِّ والمُستمِرِّ على الجبهة الثورية السودانية وحدَها، ولكن العدْوَى انتقَلَت كما ينتقِلُ وَبَاء الكوليرا مُتبَختِرَاً بين أقاليم السودان. إنتقلَ عدْوَى التشظِّى إلى مُكوِّناتِ الجبهة الثورية السودانية المُختلفة، فما من حركةٍ مُسَلَّحة من مكوِّنَاتِها إلَّا وتفرَّقَت أيدِى سَبَأ، وإقتتلَت دَآخِليَّاً وإنتهَى بها الأمرُ إلى فناءٍ أكِيد. ومن تلك الحركاتِ من غَامرَت بالدُخولِ فى مَعارِك عسكرية غير مُحسوبَةِ العوآقِب فقضَت فيها عسكرياً. وما تبقَّى من قادَتِها وقُوَّاتِها إنفَضَّ سَامِرِهم.
بينما القضِيَّة الإنسانية التى خلَّفَها الحربُ فى دارفور لعقدٍ ونصف من الزمان باقية كما هى، وضحَايَاها يصرَخُون ويستغِيثُونَ الدُنيا المأوى والغذاء والكِساء والدوَاء. وقادَة الحركات المُسلحة كلَّمَا تدَمَّرت(حركَاتهم) وذَهبَ رِيحُها تمَسَّكُوا أكثرَ بالقِيادَةِ والزَعَامة، يخوِّنُونَ رِفاق الأمس، ويجعْجِعُونَ بلا طحِين، فى إذاعَاتٍ ورَوآدِى ينُوحُونَ فيها صباحَ مَساء، إذاعات تخصَّصت فى الحِفاظِ على أصواتِ هؤلاء من الزَوالِ حتَّى تزُول تلك الروَآدِى، فكُلُّ الأنهارُ قد ضَلَّت طريقَهُا إلى مَصبِّها.
. وحتَّى المُعارضة السِلمية المدنيَّة فى صِرَآعِها الطويل مع النظامِ الحَاكِم قد أعيَاهَا النِضَال، ولمَّا أصرَّت على المُضِىِّ قٌدُماً فى النزاعِ لثلاثَةِ عقُودٍ هى عُمر النظام الحَاكِم، إضْمَحَلَّت هى الأخرى. فالأحزاب الكبيرة التى كانت رَتَقَاً، تفَتَّقَت، وذهب كادِرَها الذى كان يُسيِّيرُ دولاب العمل فيها، وكان كالماء الذى جعلَ اللهُ منه كلَّ شئٍ حَىّ، فذهبَ رِيحُ تلك الأحزاب وسَلكَ كادِرهُ طرَآئِقَ قِدَدَاً. فمنهم من إنشطَرُوا ثُمَّ إلتصَقُوا بالجِدَارِ الخارِجِى لحزبِ الحكومُة خوفاً من الحزبِ الكبير الذى خرجوا منه، وطمَعَاً فى أسبابِ حياةٍ يرْجُونَها من خِزَانَةِ الدولة، والدولةُ تسيِّرُها الحُكومة. ومُعَادَاة الحكومة ليست مُعَادَاةٌ للدوْلةِ إلَّا فى السودان حيثُ تختلِطُ الحكومة والدولة خلْطَاً لا فَكَاكَ منه، وإذا سألنا تلاميذُ المدَآرِس فى الكتَاتِيبِ لقالوا لنا السودان هو الرئيس وحزبه!. هى الأتاتوركِيَّة، أنا تُركِيا وإنْ مِتُّ ماتَ تُركيا.
النزاعُ الحَادّ والمُستمِر فى السودان دمَّر الأحزاب المُعارِضة العتِيقة، التقليدية ذات القوَآعِد الطائفِيَّة، وكذلك الحديثة ذات العقَائِد، دينِية كانت أو من صُنعِ البشر، وبذلك ساهَمَت كشريكة أصلِيَّة فى إضْمِحلالِ السودان، وإضمحَلَّت هى ذاتها تبْعَاً لذلك بعد أنْ تعبِت وتفتَّت وشاخَت قِيادَتها وإنفَضَّ كادرُها وجماهيرها من حولِها لمَّا يئِسَت من خيرِها، فأتت تبحَثُ عن لُقمَةِ العيشِ لدى صاحِب الخِزَانة، أو هاجَرَت تارِكَة البلد.
. وهناك حقيقة مَاثِلة هى، أنَّ السودان دون غيره من دولِ العالم، تفتقِرُ إلى آباء مؤسِّسِين حُدَاةِ رَكْب ومِحورَ تمَاسُك عاطِفِى لشُعوبِ السودان. فبينما شعب غانا جمعَ بينهم وشكَّل وجدانهم كُوَآمِى نِكرُوما وصارَ لهم الأسمنت المَتِين الذى يمنعُهم من التشظِّى والإضمحلال، والكينيِّن لهم جومو كنياتا، وتنزانيا أسَّسَها جوليوس نيريرى، وجنوب أفريقيا رمزَهم مانيلا العظيم، والمصريين لهم سعد زغلول ثُمَّ جمال عبد الناصر يجمعُ بينهم، والإمريكان لهم أبراهام لينكولن، والسعوديون لهم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، والإماراتيِيِّن لهم الأبُ المؤسس شيخ زايد آل نهيان، وشعب الكويت لهم آل الصبّاح. لكِنَّ السودان لا أبَ مُؤسس له يجْتمِعُ حولَهُ السودانيونَ ويَجْمِعُونَ عليه!. فإن قُلنا الإمام المهدى هو مِحوَرُ التماسُك العاطفى للسودانيين بحُكم الثورة المهدية التى وَحَّدت السودان، ناهَضَ طائفة من أهلِ الوسط بأنَّ المهدى كان شيخاً درويشاً يعتريه هَوَسٌ دينى، وإهتمَّ بأمورِ الدين أكثر من الدولة، وأنَّ خليفَته قد بطَشَ بالنَّاسِ وإستبدَّ بالحُكمِ. لذلك تآمرَ عليه أهلُ الوسط الذين يحكِمُونَ السودان الآن وجلبُوا المُستعمِرُ الإنجليزى فقضَى على دولة المهدية وفتح سلطنة دارفور الإسلامية التى رفدَت الثورة المهدِيَّة بالرجالِ والمال. ونهبَت بريطانيا ثرواتِ دولة دارفور ودمَّرت سِيادتها وطمست معَالِم تأريخها الناصِع وضمَّتها قسْرَاً للسودان إنتقَامَاً على خُروجها عن طوْعِ بريطانيا وتحَالُفِها مع دُولِ المِحْوَر.
ويُعتبرُ ضَمّ سلطنة دارفور للسودان كُبرَى الجرآئم التى إرتكبتها بريطانيا فى أفريقيا. ودارفور كانت دولة ناجحة بعلاقات دولية وآسِعة وزَآهِرة، فلماذا ضُمَّت للسودان الدولة المأزُومة التى ليس لها لون أو طعم أو رآئحة؟ دولة مَسْخٌ مُشوَّه إلى اليومِ والغدٍ.
وعلى أبناءِ سلطنة دارفور عدم الإستِسلام والخضوع، عليهم الجلوس للتفاكُرِ والتشَاوُرِ حول كيفِيَّةِ رفعِ دعوَى أمام محكمة العدل الدولية ICJضِد بريطانيا العُظمى، مؤسسة على العُدوان على سلطنة دارفور وإفناءها، ومطالبتها بجبر الضرر، وإعادة الحَال إلى ما كان عليه.
لذلك ظلَّ السودان يُعانِى إنعدَامِ الرَمز المُلهِم، حَادِى الرَكبِ، والأبِ المُؤسِّس والمُلهِم لكُلِّ شعوبه.
ومن أسوأ مظاهِرِ التنازُعِ الحَادِّ والمُستمِر فى السودان، أنَّ يُحَوَّرَ حتَّى نصُوصِ قسَمِ الوَلَاء للدولةِ والوطن إلى قسمٍ للوَلاءِ للنظَامِ الحَاكِم ومشرُوعِه السياسى الذى إدَّى إلى كُلِّ هذا الدمَار والهوَان والتِيهِ. وإلى تجْيِيشِ الشعب طوْعَاً وكُرْهَاً لخدمة أهدافِهِ التدمِيرِيَّةِ المرِيضَة، وإلى إجبَارِ من رفضَ ذلك إلى مُغادرةِ الوطن ليفقِد الوطنُ جهُود أفضَل بَنِيِّهِ. وتثقِيفِ الشعب المُتبَقِّى بالدَآخِل على حتْمِيَّة الخُضوعِ والطَاعَةِ والإندماج فى مشروعِ النظام الفَاشِل، ومُشارَكتِه فشلِهِ وهدَرهِ لكرَامةِ البلدِ وإنسانِه، وبالتالى الفناء.
ولا بُدَّ لمِثلِ هذا المناخ الوَخِيمِ أن ينتهى إلى إضْمِحلالِ الدولة السودانية وذِهابِ رِيحِها، وهَوانِ إنسانِها الذى صارَ بسببِ هذا الصِراع والتنازُعِ المُستمِر هائِمَاً على وجهِهِ ومَهْمُومَاً بلا هُدَى. وصارَ المُوآطِن السودانى، من الجِنسين، من أكثر شعوبِ العالَم بُؤساً وعُرضَة للعُدوانِ Vulnerable فى أىِّ مكان. بعد أن كانَ حتَّى قبل إستيلاء هذا النظام على الحُكمِ، من أفضَلِ شُعوبِ العَالم كرامةً وحمايةً وإنسانية، والأرفعُ قِيمَاً وأخْلَاقاً وعِزَّة نفس وأفضلهم معْرِفة وخِبرَة عمَلِيَّة وسُمعَة طَيِّبَة.
والآن، كُلَّما تمَّ ترشيح سودانى لتولِّى منصبٍ عام خافَ الناسُ من إنفضاحِ أمرِه بسببِ ظاهرة الشهادات العلمية المزوَّرة! فأصبحَ صورة الإنسان السودانى المِثَالى من المَاضِى السَحِيقِ.
. إذا كانَ هذا هو ما آلَ إليه حَالُ السودان، فما الحَل؟:
لكى نحافِظ على السودان والسودانيِين من الفنَاءِ والزوَال، لا بُدَّ من وَضْعِ حدّ لهذا التنازُعِ الحادِّ المُستَمِر على كلِّ شئ.
والسؤال: هل هُناكَ شيئاً مُحدَّداً يتنازَعُ عليه السودانيون؟
لا يوجدُ شئ لمْ يتنازع عليه السودانيون. وأوَّلها الحُرِّيَّة، خلقَ اللهُ النَاسَ أحرَارَاً، والسودانيون مُسلَّطُونَ بالفِطرَةِ على الحُرِّيَّةِ الشخصية لبعضِهم البعض. ويبدأ ذلك من دَاخلِ بيتِ الأسرَة، ولا ينتهى عند رئاسة الجمهورية بل يتعدَّاها إلى التدخُّلِ فى شؤونِ دُولِ الجُوار، ودول العالم الأخرى بدَواعِى مُختلفَة ليس أهمُّها كونَها دُول كافِرَة، وقد دَنَا عذَابها على أيدِى دولة المشروع الحضارى السودانى!. فحُكومة السودان تورَّطت فى محاولةِ إغتيال رئيس جمهورية مصر شقيقة، على أرض دولة أثيوبيا الشقيقة، أليس هذا جنُون؟ وبدعوى أنَّ الرئيسَ المُراد أغتياله ضِدَّ شرع الله ورَبط أسبَاب السماءِ بالأرضِ. وحكومتنا الحالية فوق ذلك، متوَرِّطَةٌ فى رعَايةِ وإيْوَاءِ الإرهابِ والإرهابيِّين، وفى الإتجَارِ بالبَشرِ، وبذلك وضعت السودان فى القوائم السوداء للدول الكبرى والمنظمات الدولية. وهذه الحكومة لن تتخَلَّى عن رعايةِ الإرهابِ والإرهابيين مهما كان، لأنَّها هى ذاتها إرهابِيَّة، وستُوَرِّثهم السودان من بعدِها.
. ويتنَازعُ السودانيون منذ البداية على الهُوِيَّةِ الوطنية تنازُعاً يستَحِيلُ معه قيام دولة وآحِدة على الأرضِ الكبيرة التى كانت تُسَّمَى السودان، فأنفصلَ الجنوب لمَّا تأكَّدَ له إستحالة رُؤية وَجْهِه فى صُورَةِ السودان الكُلِّية. لأنَّ السودانى هو الإنسان الوحيد فى هذا الكوكَبِ الذى ينكِرُ على أخيِه السودانى الآخر أن يكونَ (هو). ويُصِرُّ عليه أن يكونَ ما يريدَهُ له (هو) أن يكونَ. و(هو) هذا مصدَرُ (الهُوِيَّة)، والذى ينكِرُ هُوِيَّة أخيه شَكْلاً وعِرقاً ودِيناً وجغرافيا لا يُريدُ له أن يكونَ (كما هو كائِن)، بل يجبُ عليه أن يكونَ كما يريدُ له الآخر الآمِرُ المُتحَكِّمُ فى السودان أن يكونَ. وبالتالى الآخرين بين خياريِّن أمَّا أن يتمَاهُوا فى هُوِيَّةِ الحَاكِم الآمر المُستبِد، أو أن يبِيدَهم ويقتُلَهم إذا أصرّواَ أن يكونوا (هُمْ). وبذلك ندخُلُ مَرَّةً أخرَى فى التنَازُعِ الحَادِّ والمُستَمِر فى حقوقِ النَاِّس الشخصِيَّة، وأوَّلُها الهُوِيَّة، حتمِيَّة أن يكونَ الناسُ(هُمْ) كما شاءَ لهم اللهُ الخَالِقُ الذى أحسَنَ خلْقِهِم، أو ندخُلُ مَرَّةً أخرَى فى حرُوبِ الهُوِيَّةِ ونخصِّصُ لها جُلَّ موَآرِدنا البشرِيَّة والمادِيّة فى نزاعٍ طويل ومُستمِّر. فتِجِفُّ المَصَارفُ الأخرى من خدَماتٍ وتنْمِية، ويموتُ الناسُ بالأوبِئةِ وتمُوتُ الدولة وتضْمَحِلُ. ثُمَّ لمَّا نفِيقُ من غفْوَتِنا على أنِينِ الفَقرِ والعوزِ لا نوقِفُ التنازُعَ الحَادّ والمُستَمِر، ولكن نبيِعُ كرَامَتِنا لأمريكا والدول الكبرى لترفَع عَنَّا العقوبات الإقتصادية وتمْحَى إسم السودان من قوَآئِمِ الدُولِ الرَاعِيةِ للإرْهَابِ. تلك القوَآئِم التِّى دخلناها طوَآعِيَّة وجَهرَاً ثُمَّ نأتى اليوم نبْكِى ونستكِين فى إستجدَاءٍ مُذِل لنُخْرَجَ مِنها. وليس الخُروجُ من تلكِ الأوضَاعِ كالدُخُولِ فيها.
والحلُّ يبدأُ بأن نِقِرَّ الحُرِّيَّةَ للجميعِ لأنَّها هِبَةُ اللهِ للإنسانِ، ثُمَّ المُواطنة المُتسَاوِية لجميعِ السودانيين، وهذه حتْمِيَّة لا بُدَّ منها. وكيف لأبناءِ بلدٍ وآحِدة، وهُمْ كالأشقاء، أن يتمِيَّزُوا على بعضِهم البعض فى المُواطنة؟!. وهل دمَّرَ السودان وأقعَدَهُ وشَلَّ حركة تقدَّمَهُ فى مَسيرَةِ الأمَمِ غير الإصرارِ على المُواطنَةِ المُتدَرِّجَة وما يترَتبُ عليها من ظُلمٍ وأستئثَار أقلِيَّة مُتحَكِّمَة بكُلِّ موارِد البلاد.. وهذه الخِصلة الذمِيمة، أو إدعاء الأفضلِية فى المُواطنة، والإصرار على المُواطنَةِ المُتدَرِّجة هى أسِّ الدَاء، ومصدَرُ العنصُرِيَّة والظُلم الذى دمَّر السودان، ويجِبُ تركُها فورَاً.
الحلُّ، أمَّا سودانيون أحرار كما خلقهم الله ومتسَاوُون فى المُواطنَةِ، أو لا سودان يقُومُ على المُواطنَةِ المُتدَرِّجة. ولكُلِّ إنسان الحقَّ فى أن يعتَدَّ بمكوناتِه من عرِقٍ ودين ولون وإقليم أتى منه، ولكن ذلك لا يكونَ مِعيَاراً لترَاتُبِيَّة مُواطنة تجعَلُ من بعضِ المُواطِنينَ درَجة أولى وآخرين من درَجاتٍ أخرى تالِية.
. وقف الحروب والنزاعات المُسلَّحة فورَاً، وتوجيه ميزَانِيَات الحرب إلى تنميةِ الأقاليمِ التى دمَّرَتها الحرب، وتعويضَ ضحاياها، وإحدَاث السلام والإستقرار الذى يؤسِّسُ لحيَاةٍ تلِيقُ بالإنسَان، ليتفرَّغَ لخِدمَةِ نفسِهِ ووَطَنِه.
. وأختِمُ بالقولِ: أنظُر حولَك إيُّها السودانى أين ما كنت، وستجِدُ أنَّ آثارَ إضمحلال السودان قابَ قوسَين أو أدنى مِنك، فإحتَرِس. وأنَّ جميعَ الآمال التى وضعَها شعوبُ السودان لحصُولِ التغيِّيرِ والتحَوُّلِ إلى حياةٍ تليقُ بِهم كبشر باءَت بالفشلِ. والنتيجة تنازُع حاد ومُستمِر. فيجبُ على الجميع أن يلتزِمُوا بوضعِ حَدٍّ لكُلِّ أسبابِ النزَاع وبذلك نكونُ قد وضعَنا اللَبِنَة الأولَى لوقفِ الدمار المُفضِى إلى الفنَاءِ الحتْمِى للسودان. وبعد وقف الإنحِدارِ الرَهِيب نحو الهَاوِيَّة التى نسيرُ إليها بسُرعَة، نستطيعُ أن نبدأَ فى إجراءاتٍ إحتِرَازيَّة مُهمَّة لوقفِ الإضمحلالِ، ولحمَايةِ شعوبِ السودان من المزيدِ من المُعَانَاةِ.
وليعلم الجميع أن دمارَ السودان الجارى الآن إذا إكتمَل فليس متاحاً إعادة بناءه مرَّة أخرى، لذا فليعمل الجميع للوصولِ إلى نوعٍ من التوَافُقِ الذى يمْنعُ إكتمال وقُوعِ الكارثة.
عبد العزيز عثمان سام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.