خيمة المولد بأم درمان تقدم برامج مسابقات حفظ القرآن الكريم    السوباط: التشكيك في (هلاليتنا) يُحطم مقاديف قدرتنا على الاحتمال    رابطة جمعيات الصداقة العربية تودع سفير السودان المرشح للصين    منير نبيل ل(السوداني): لست مُحبطاً.. أنا ابن النادي وأخدمه من أي موقع بتجرد    رئيس المريخ يزور الإتحاد العام ويلتقي النواب والأمين العام    وزير الداخلية المكلف يترأس اجتماع هيئة إدارة الشرطة    التربية بالخرطوم تعلن شروط جديدة لإستخراج شهادة الأساس    اعتقالات جديدة في السودان    ساعة الجد ..!!    محمد جميل أحمد يكتب: ما وراء عودة آخر رئيس وزراء للبشير من القاهرة إلى السودان    اتحاد الكرة السوداني يعلّق على تصنيف"صقور الجديان"    المريخ يتلقى خبرًا سارًا قبل موقعة"شيكان"    مولد النور وسماحة الصوفية    تحذير عالمي من أدوية للسعال    مطار الخرطوم تردي الحمامات وروائح تزكم الأنوف    المالية توجه بتقليل الإعفاءات والتوسع في الضرائب بالموازنة المقبلة    اشتباك وتبادل إطلاق النار في اشتباك داخل مزرعة    شاهد بالصورة والفيديو.. في السودان.. رجلان يتبادلان "الشبال" والأحضان مع راقصة استعراضية وأحدهم يضع لها المال داخل صدرها    سعر الريال السعودي في البنوك ليوم الخميس 6-10-2022 أمام الجنيه السوداني    إرتفاع طفيف في قيم التجارة الخارجية في النصف الثاني المالي    الخرطوم.. السلطات تضع يدها على 82200 دولار مزيّفة    سحب ملف محاكمة البشير ورفاقه بتهمة قتل المتظاهرين    القبض علي (51) متسللا أجنبيا في طريقهم إلى الخرطوم سيرا على الاقدام    إحباط محاولة تهريب (60) رأسا من إناث الإبل للخارج    غندور للحكام: المعتقلون يريدون العدالة وإن لم تفعلوا فأبشروا بمكانهم    التوقيع على الميثاق الثوري لسلطة الشعب و(قحت) ترفض المشاركة    بوتين يتعهد بالحفاظ على استقرار المناطق التي ضمها من اكورانيا    فنانو الدويم يقيمون ليلة باتحاد الفنانين بأمدرمان    تفاصيل جديدة في محاكمة متهم بحيازة سلاح يتبع لإحدى الحركات المسلحة    أسامة بيكلو يجري عملية قلب    قادة اتحاد تنس الطاولة يشرفون اليوم افتتاح البطولة القومية للاندية    39 وفاة حصيلة تفشي مرض الكوليرا في سوريا    المنظمة العربية للتنمية الزراعية تقيم ورشة عمل تطبيقات الإحصاء الزراعي    شبكة يتزعمها نظامي تقوم باختطاف الفتيات    بابكر فيصل يكتب: حول الميثولوجيا الإخوانية    (الطرق) وغرفة الشاحنات تتبادلان الاتهامات    دراسة: ولاية نهر النيل ستصبح غير صالحة للحياة الآدمية بعد (40) عاماً    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الخميس" 6 أكتوبر 2022    الانتباهة: ضباط بحركة مسلّحة ينهبون مخزنًا للزيوت    اتحاد الكرة يوضح الحقائق حول حادثة منتخب الناشئين عبر مؤتمر صحفي    عودة مبادرة "مفروش" للقراءة والبيع واستبدال الكتب الورقية    في الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم    مديرعام وزارة الصحة يخاطب ورشة التدريب لحملة الكوفيد جولة اكتوبر    وتر المنافي جديد الفنان خالد موردة    أوكرانيا "تحقق تقدما" في الجنوب في مواجهة القوات الروسية    "البرهان" يقطع وعدًا بشأن"الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون"    وفاة العالم الجليل عبد العزيز محمد الحسن الدبّاغ    القائد العسكري في بوركينا فاسو يوافق على ترك الحكم    أمريكا ترسل شحنة جديدة من لقاح "فايزر" للسودان    موظف يروي خبايا وأسرار إصابته بالسرطان    خطط أبل لطرح أجهزة جديدة خلال الشهر الجاري    جنوب دارفور: تسجيل (8) إصابات بحمى "الشكونغونيا" و"الضنك"    السوشيل ميديا.. هل تصنع واقعًا سياسيًا جديدًا؟    يحلم باستكشاف الإبداع..عامر دعبوب: التطور التقني يعزز مسيرة التميز السينمائي الإماراتي    انقلاب عسكري جديد في بوركينا فاسو    بالصور.. أول عملة بريطانية بوجه الملك تشارلز الثالث    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رزنامة الأسبوع: لِلذِّكْرَى والتَّارِيخْ!
نشر في الراكوبة يوم 26 - 07 - 2021


الإثنين
في النِّصف الثَّاني من يونيو 1989م وقع انقلابان. الأوَّل محاولة فاشلة صدر بشأنها بيان من القيادة العامَّة لقوَّات الشَّعب المسلحة. أمَّا الآخر فانقلاب الجَّبهة الاسلاميَّة القوميَّة الذي أنشأ، في غفلة من القوى الدِّيموقراطيَّة، نظاماً شموليَّاً ساد ثلاثين عاماً حسوما. في عقابيل المحاولة الأولى الفاشلة، وبتوجيه من وزير الدَّاخليَّة، بعث اللواء شرطة/ صلاح الدِّين النُّور مطر، مدير إدارة الأمن الدَّاخلي، بخطاب إلى السَّادة/ رئيس مجلس الوزراء، ووزير الدِّفاع، ووزير الماليَّة، على النَّحو الآتي:

«الخطاب»:
[26 يونيو 1989م
سرِّي للغاية.
ردود فعل المحاولة الانقلابيَّة.
الموضوع/ تقرير خاص.
كتوجيه السَّيِّد وزير الدَّاخليَّة ارفق لكم طيَّ خطابي هذا تقريراً خاصَّاً حول ردود الفعل للمحاولة الانقلابيَّة، وشكراً].
«التَّقرير الخاص»:
[احدث البيان الذي اصدرته القيادة العامَّة لقوَّات الشَّعب المسلحة ردود فعل متباينة في اوساط الاحزاب والتَّنظيمات النَّقابيَّة، العسكريِّين والمواطنين. الرَّصد التَّالي يوضِّح الرَّأي العام في المحاولة الانقلابيَّة:
«الأوساط العسكريَّة»:
يرى بعض العسكريِّين أن القوَّات المسلحة كان لها رأي واضح في الوضع الرَّاهن بالبلاد، عكسته مذكرة الجَّيش في فبراير 1989م وما أوردته من أسباب موضوعيَّة فيها «على حد تعبيرهم» يجعل التَّحرُّك العسكري لتغيير الحكم شيئا متوقَّعاً، وأنه سيلقي الدَّعم من معظم الوحدات – ويدلل هؤلاء على ذلك بأن معظم المخطِّطين للانقلاب من الرُّتب الكبيرة – عميد – ويعني ذلك ان هنالك تأييداً على مستوي الرُّتب الأدنى.
آخرون يرون ان «هذا التأييد» وضح في التَّذمُّر الواضح والجَّريء الذي ابداه العسكريُّون اثناء عمليات التَّنوير التي قام بها القادة للوحدات العسكريَّة «البعض وصف هؤلاء القادة بالجُّبن والخذلان» كما وصفهم آخرون بأنهم – أي القادة – قبلوا اهمال الحكومة للجَّيش، وتمكينها لجون قرنق من احتلال مناطق كثيرة بالجَّنوب، وانشغالها عن ذلك باللهث وراء المكاسب الحزبيَّة مِمَّا افرز تردِّيا امنيَّاً ومعيشيَّاً في اقاليم السُّودان قاطبة. هذا ويتردَّد ان بعض قيادات الجَّيش صرَّحت بأنها «لن تتمكَّن من السَّيطرة والتَّحكُّم في من هم تحت امرتها، ومنعهم من المغامرة طالما ان الاسباب لقيام الانقلابات قائمة».
«الاحزاب»:
احزاب اليسار اعلنت، عبر وسائل إعلامها، موقفها الرَّافض لأي انقلاب عسكري أو دكتاتوريَّة جديدة، وفي ذات الوقت استنكرت هذه الاحزاب حملات الاعتقال التَّحفُّظي لبعض الصَّحفيِّين، ومحاولة السُّلطة توريط هؤلاء الصَّحفيِّين في المحاولة الانقلابيَّة.
«الجَّبهة الاسلاميَّة القوميَّة»:
التزمت الجَّبهة الاسلاميَّة القوميَّة الصَّمت تجاه المحاولة. وفي ذات الوقت شكَّكت اصداراتها، «الرَّاية» و«الوان» و«صوت الجَّماهير»، في حدوث المحاولة، كما جنحت الى «تغليف» موقفها بما اسمته «آراء الشَّارع في الانقلاب، وعدم تصديق حدوثه».
«الحزب الاتِّحادي الدِّيمقراطي»:
الشَّريك الأكبر في الحكم، من خلال تصريحات بعض اعضائه ونوَّابه «محمد توفيق»، يتَّضح ان الحزب «يشكُّ» في حدوث الانقلاب، خاصَّة وان التَّصريحات الرَّسميَّة تشير بالاتِّهام «لمصر».
«الأحزاب الجَّنوبيَّة»:
أبدت شجبها للانقلاب، بحسبان أنه يعرقل مسيرة السَّلام، ويعيد الأمور إلى «مربَّع واحد»، كما أنه يعطِّل الجُّهود المبذولة لمحاربة المجاعة.
«النقابات»:
المكتب التَّنفيذي للاتِّحاد العام للمهنيِّين والفنيِّين عقد اجتماعاً يوم 20 يونيو 1989م بدار نقابة الأطباء، وقرَّر اصدار بيان يشجب ويدين المحاولة الانقلابيَّة، ويؤكِّد موقف قوي الانتفاضة الرَّافض لأيِّ ديكتاتوريَّة جديدة، كما قرَّر تكليف النقابات المنضوية تحت لوائه بالتَّبليغ عن النَّشاط المايوي في اوساطها.
«آراء المواطنين»:
انقسمت آراء المواطنين حول الانقلاب حيث تري اوساطهم الآتي:
1/ قطاع يري ان الامر ما هو إلا «فبركة» حكوميَّة «لشغل» المواطنين، وصرف انظارهم عن معاناتهم اليوميَّة، وضائقتهم المعيشيَّة.
2/ القطاع الثَّاني يري انه «مسرحيَّة» قصد السَّيِّد الصَّادق المهدي بها تصفية «القيادات العسكريَّة» المشتبه في أنها أعدَّت مذكِّرة الجَّيش، وابدالهم بعناصر «موالية» لحزب الأمَّة، وتستند هذه الاوساط في آرائها إلى الاسباب التَّالية:
أ/ ضعف بيان القيادة العامَّة، وعدم اتباعه بأيِّ اجراءات مشدَّدة، كحالة الاستعداد القصوى، ونشر الجُّنود في الشَّوارع والمرافق الاستراتيجيَّة.
ب/ أن الكوادر المايويَّة داخل الجَّيش ليست في المستوي الذي يؤهِّلها للقيام بانقلاب.
ج/ أن عودة «الرَّئيس المخلوع» غير واردة، خاصَّة أن الشَّعب قال كلمته في نظامه، وانتفض ضدَّه، وأن معظم مَن أيَّدوا مايو كانوا من المنتفعين، لا المؤمنين بفكرها.
3/ قطاع ثالث «تمنَّى» نجاح الانقلاب لانه سئم الفساد الذي استشرى في جميع الاوساط، وازكمت روائحه الانوف، واهتمام الاحزاب الحاكمه بتحقيق مكاسبها، والمكايدات السِّياسيَّة، وتبادل الوزراء للاتِّهامات ضدَّ بعضهم البعض، مِمَّا افقد السُّلطة هيبتها، بجانب فشل الحكومة في تحقيق أي انجاز يخفِّف للشَّعب معاناته. وتشير اوساط هذا القطاع إلى أن المرحلة القادمة تحتاج لشخصيَّة قويَّة «تقطع دابر» الفساد، وانهم لن يبالوا إن كانت هذه الشَّخصيَّة نميري أو غيره.
4/ قطاع رابع تري اوساطه حتميَّة وضرورة التَّغيير إلا أنها لا تؤمن بعودة «الرَّئيس المخلوع» لأن نظامه هو الذي أدى بالبلاد إلى الحالة التي هي عليها الآن، وإن جاء هذا التَّغيير فلا بد أن يكون على يد «المواطنين والجَّماهير» وليس على «ظهر دبَّابة»، حتى تتفادي البلاد الدِّيكتاتوريَّة العسكريَّة.
«تعليق»:
من استطلاع آراء المواطنين اتَّضح أن الكثيرين، وبسبب المعاناة في المعيشة والحياة، أبدوا تعاطفهم مع «التَّغيير»، وليس «الانقلاب»، والبعض الآخر يرى، ولتتفادى السُّلطة أيَّ مغامرة جديدة، أن: تعالج مشاكل البلاد الاقتصاديَّة والمعيشيَّة، وتحارب الفساد على أعلى المستويات، وتقدِّم كلَّ من يثبت فساده للمحاكمة، وأن تمضي قدماً في مساعي احلال السَّلام في الجَّنوب والغرب. إدارة الأمن الدَّاخلي 24 يونيو 1989م].

الثُّلاثاء
تأمَّل الكاتب الخليجي محمَّد عبد الله البريكي في مسعى أبي الطَّيِّب المتنبي الدَّءوب للافلات من أسر فكرة «المجد الشِّعري» إلى رحاب فكرة «المجد الوجودي»، فوصفه بأنه لم ينشغل بالتَّخطيط لعبقريَّته الشِّعريَّة، بقدر ما انشغل بالحصول على مجدٍ أقلِّ منها، لولا أن الظروف أبت إلا أن تبوِّئه مكانته التَّاريخيَّة المرموقة، وتعيقَ مساره نحو أيِّ مجال آخر! وقال إن الشَّاعر، عموماً، «لا يبحث عن عالم بغير بشر ليحكمه، إنما يسعى إلى من يقدِّر عطاءه، ويرفع مكانته، ويمنحه من العُلُوِّ الوجودي ما يوازي عُلُوَّ نصه الشِّعري»! على أن هذا التطلُّع، حسب البريكي، هو الذي يضع الشَّاعر تحت الضوء، ويفتح الأعين على «صعوده» الذي كلما علا، كشف عن ذاته للآخرين، مِمَّا قد يجلب إليه الحسد! فكثيرون مِمَّن لا يملكون أجنحة كأجنحته، يرونه طائراً ينبغي رميه من شاهق! وليس أدلُّ من «معاناة» المتنبي مع سيف الدَّولة، ثمَّ مع كافور، على إصراره تسخير طاقاته الشِّعريَّة لأجل تحقيق مجدٍ مادِّي ذاتي، رغم كيد خصومه له! وربَّما كان في ذلك دعم لمنطق من يرون صحَّة في القول بأن «الإبداع» يولد من رحم «المعاناة»!
هكذا يرى البريكي أن المبدع، أيُّ مبدع، يظلُّ يواصل محاولاته الدَّائمة لبلوغ السماء التي تعلو على الغيم، بقدر ما يظلُّ حسَّاده يحاولون، بضراوة، وضع ما استطاعوا من الأثقال على كاهله، لأجل اسقاطه في سابع أرض، فيمضي يقاوم، ساعياً، بكلِّ ما أوتي من شراسة الابداع، «للهروب بحريَّته إلى سماء بعيدة» يعتبرها ملكه، «فيطلُّ منها على الكون ببهاء»! ولعلَّ هذا يحملنا إلى عالم الشَّاعر السُّوداني الرَّاحل عبد الرَّحيم ابو ذكرى، وشدوه الآسر عن تطلعه الدائم ل «سمائه» الخاصَّة صباح مساء: «لِي سَمَاءٌ غَرِيبَةْ/أَتأمَّلُهَا فِي الخَفَاءْ/ وأُحَدِّثُهَا سَاهِمَاً فِي المَسَاءْ»!
يخلص البريكي في مقالته إلى أنه كلَّما أوغل المبدع في مقاومة العراقيل التي تحول دون طموحاته المادِّيَّة، كلَّما نجح في تحقيق سموِّ مكانته الابداعيَّة، «فتكثر عداواته مثلما تكثر صداقاته، وتتسع مساحة صيته، مثلما تضيق عليه مساحة بيته»، ومن هذه الزَّاوية وحدها قد يصبح «الحرمان» بمثابة «الوقود الذي يجعل جذوة الإبداع متّقدة، وناره متوهّجة، وضوءه لا ينطفئ، ونجمه لا يأفل، وغيمته لا تشحُّ، وشمسه لا تغيب»!

الأربعاء
لسنوات طوال والمحبوب عبد السَّلام، أنبغ تلاميذ التُّرابي، يقاوم ميوله «العاطفيَّة» تجاه أطروحات أستاذه، ساعياً لأن يتَّخذ موقفاً «عقلانيَّاً نقديَّاً» منها! ورغم أنه لن يستطيع، وإن أراد، أن يعرض لها جميعاً، إلا أن عدم إيلاء أشهرها القدر اللازم من الاهتمام قد يعتبر منقصة تحسب عليه. فقد تحدَّث التُّرابي، مثلاً، عن دوره في ثورة اكتوبر 1964م، يقول: «كنت حديث عهد بالسُّودان، بعد سنوات البعثة الدِّراسيَّة في باريس، وكنت لا ازال منفعلاً بأجواء الدِّيموقراطيَّة الفرنسيَّة التي عايشتها تلك الفترة، وسنحت لي فرصة الحديث عن مشكلة الجَّنوب في ندوة عامَّة بجامعة الخرطوم، فدعوت إلى ضرورة التَّجاوز الحاسم لنمط الحكم العسكري القائم إلى وضع دستوري ديموقراطي، كمقدمة لازمة لحلِّ أزمة الجَّنوب، وكلِّ أزمات السُّودان».
المحبوب عبدالسلام
كان ذلك توجُّهاً فكريَّاً حسناً دون شك. والندوة التي عناها التُّرابي هي التي انعقدت عشيَّة 21 أكتوبر 1964م، بعد عودته من البعثة، بعنوان «المعالجات الدُّستوريَّة لمسألة الجنَّوب» من على منبر قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم، حيث نفذ، في مداخلته تلك، إلى لبِّ المشكلة، مباشرة، وأطلق، في خواتيم حديثه، قوله الشَّهير الذي لو كان أتبعه بالعمل، لأصبح، منذ زمن بعيد، زعيماً شعبيَّاً تصعب منافسته؛ قال: «إن حلَّ مشكلة الجَّنوب يكمن في حلِّ مشكلة الشَّمال، ويكمن الاثنان معاً في زوال الحكم العسكري الحالي، وقيام حكم دستوري مؤسَّس على الخيار الدِّيموقراطي للشَّعب».
صديقي المحبوب عرض لذلك الطرح دون أن يتوقف عنده ليلحظ، وهو المفكِّر النَّاقد اللمَّاح، كيف تناقض التُّرابي، بعد حين، مع نفسه، إذ ما لبث أن قاد، بعد سنة واحدة من ذلك، الحملة «الدُّستوريَّة»، أو بالأحرى اللادستوريَّة، التي انتهت بحلِّ الحزب الشِّيوعي، وطرد نوَّابه من البرلمان، ثمَّ التَّجرُّؤ على «احتقار» حكم المحكمة الذي ألغى تلك الاجراءات، مِمَّا دفع بابكر عوض الله لمغادرة كرسي رئيس القضاء، والقفز على ظهر إحدى الدَّبَّابات الأماميَّة لانقلاب 25 مايو 1969م!

الخميس
أتى على السَّاحة السِّياسيَّة العربيَّة حين من الدَّهر خبرت فيه ما ظلَّ يُعرف، لسنوات طوال، بمصطلح «الأنظمة التَّقدميَّة» في بعض بلدان المنطقة، وهي الأنظمة التي انبنت، أساساً، بآليَّات «الانقلابات العسكريَّة»، كنظام عبد النَّاصر في مصر، والأسد في سوريا، وصدَّام في العراق، والنِّميري في السُّودان، والقذَّافي في ليبيا، وذلك وفق مفاهيم «البرجوازيَّة الصَّغيرة» التي لا تبعد كثيراً عن مفهوم «المركزيَّة الدِّيموقراطيَّة»، المناقضة، على اختلاف فئات وشرائح هذه الطَّبقة، لمفهوم «الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة» السِّياسي، القائم على مبادئ التَّعدُّد، وقواعد التَّنوُّع، وأسس البدائل السِّلميَّة، وقيم الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة للجّماهير.
قضيَّة هذه «الدِّيموقراطيَّة»، إذن، بدلالة الحريَّات والحقوق السِّياسيَّة، تناقض، بل تستوجب القطيعة التَّامَّة مع النَّزعة الفوقيَّة للبناء والتَّغيِّير، مثلما تقتضي الاستمساك الصَّارم بضرورة تأسيس هذين البناء والتَّغيِّير، في البلدان النَّامية، على قلب حركة جماهيريَّة متمتِّعة بحريَّاتها العامَّة، وحقوقها الأساسيَّة، حيث أكَّدت خبرة العديد من هذه البلدان على أنه، بدون «الدِّيموقراطيَّة» في مستوى «البناء الفوقي»، بدلالة المشاركة الجَّماهيريَّة الفاعلة باتِّجاه التَّقدُّم، فإن عمليَّات مرغوبة في مستوى «البناء التَّحتي»، كإنفاذ برامج موجَّهة لصالح الطبقات المسحوقة، وجماهيرها العريضة، على صعيد الصَّحَّة، والتَّعليم، والمشروعات الصِّناعيَّة، والإصلاح الزِّراعي، وتأميم المصارف والمؤسَّسات الأجنبيَّة، على سبيل المثال، لن تعدو كونها تدابير معزولة يسهل إلغاؤها، والنُّكوص عنها، لدى أوَّل تحرُّك طبقي مضادٍّ، دون أن يكون بين أيدي الجَّماهير ما يمكِّنها من حمايتها!
«الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة»، إذن، في معنى الحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة للجَّماهير، هي الضَّامن الحقيقي لاستقرار وثبات عمليَّات التَّغيير والتَّطوُّر، وبغيرهما لن يكتب لهذه العمليَّات أيُ نجاح في البلدان النَّامية، بالذَّات، مهما نشط التَّبشير الاعلامي «الهتافي» بأيٍّ من هذين «التَّغيير» و«التَّطوُّر»، سواءً تحت شعار «الدُّستور الاسلامي»، أو «الدُّستور الاشتراكي»!
هكذا ينبغي أن يرسخ في وعي القوى الوطنيَّة التَّقدُّميَّة، وفي خطها الدِّعائي، بالتَّبعيَّة، أن استهداف التَّطوُّر الحضاري لا يكون بغير العمل الجَّاد، ابتداءً، من أجل ترسيخ الحريَّات والحقوق «الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة»، مِمَّا يستتبع ضرورة بذل الجَّهد في دفع النَّشاط السِّياسي والاجتماعي الوطني قُدُماً، باتِّجاه بناء أوسع تحالف للاحزاب، والتَّيَّارات السِّياسيَّة، والمنظمات المدنيَّة، والاتِّجاهات الفكريَّة، والشَّخصيَّات الوطنيَّة، في مسيرة قاصدة لتحقيق هذه «الدِّيموقراطيَّة»، على طريق التَّقدُّم الاجتماعي، تحمُّلاً لمشاقه، وقبضاً على جمره، وحشداً للقوى الشَّعبيَّة كافَّة باتِّجاه انتفاضة جماهيريَّة تنازل الشُّموليَّة، وتَحول دون لجوء الأعداء الطَّبقيِّين، وحلفائهم من العسكريَّتاريا، إلى أيِّ اجراءات انقلابيَّة!
لؤي الشريف
الجُّمعة
لؤي الشَّريف باحث خليجي شاب قدم طرحاً جريئاً لمعاني الحروف المقطعة في «القرآن الكريم»، على خلاف التفسيرات السَّابقة المغايرة. فالشَّريف يزعم أنه توصَّل، من دراسته ل «اللغات السَّاميَّة»، إلى أن هذه الحروف ليست واردة لمجرَّد شدِّ الانتباه، كما في جُلِّ التَّفاسير؛ قائلاً إن «الأبجديَّة العربيَّة مأخوذة من الأبجديَّة السِّريانيَّة»، وإن الحروف التي ليس لها معنى في العربيَّة، مثل «ألم»، «ألر»، « طه»، «كهيعص»، لها معانٍ في السِّريانيَّة، وإنه استعان بقاموس انجليزي عبري ليكتشف أن لفظ «ألم»، كما في سورة «البقرة»، مثلاً، يعني، في السِّريانيَّة، فعل الأمر «إصمت». وهكذا بالنِّسبة للفظ «ألر» الذي يعني في السِّريانيَّة «تبصَّر» أو «تأمَّل بقوَّة»، فحيثما وردت «ألر»، في القرآن الكريم، نجد أن ما بعدها احتوى على شيء «يُتبصَّر أو «يُتأمَّل فيه»، كما في سورة «يونس» مثلاً؛ كذلك فإن «كهيعص» تعني في السِّريانيَّة «هكذا يعظ»؛ و«طه» تعني «يا رجل»، ففي السِّريانيَّة «الهاء» حرف نداء، و«الطاء» تعني «رجل». ويرى الباحث أن الاعتقاد بأن «طه» من أسماء النَّبي محمد صلى الله عليه وسلم، اعتقاد خاطئ لم يقل به عالم أو صحابي. ويؤكِّد الشَّريف أنه، بتطبيق اكتشافاته اللغويَّة هذه على السِّياق القرأني، يستقيم المعنى.
لكن هذه التَّخريجات لم تمرَّ دون معارضة. فقد تصدَّى لها، مثلاً، مشعل الكندي، في بعض المواقع، تحت عنوان: «محرقات الصَّواعق في كشف تدليسات لؤي الشَّريف»، بحكم تخصُّصه، كما قال، في الدِّراسات اليهوديَّة، واللغة العبريَّة، مشيراً إلى مسائل قال إنها تكشف زيف أطروحة الشَّريف، ومنها، على حدِّ تعبيره، إنشائيَّته؛ واحتياجه للغات القديمة في تفسير القرآن؛ وتخليطه بين السِّريانيَّة، والأراميَّة، والعبريَّة؛ ومفارقته للعلم في تقسيم الحروف لتفسيرها؛ وزعمه أن «آمين» في القرآن لا معنى لها في العربيَّة، علماً بأن «آمين» ليست من الكلمات القرآنيَّة!



السَّبت
دائماً ما يحيِّرني، منذ انتصار ثورة ديسمبر، لجوء القوى السِّياسيَّة للاعلان، كما لو كانت تفعل لأوَّل مرَّة، عن سياسات، وخطط، وبرامج مفترضة للتَّغيير على مختلف الجَّبهات، في حين يفترض أنها راكمت ذلك كله، بما يكفي وأكثر، وراجعته، مراراً وتكراراً، على مدى سنوات النِّظام البائد. وكمثال، اضطررت، في نطاق خبرتي الشَّخصيَّة، لتذكير صديقي ياسر عرمان، قبل أيَّام، بالعصف الذِّهني الذي كانت قد نظَّمته لنا «الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال»، وقت كان هو أمينها العام، حول المستقبل السِّياسي الذي كنَّا نأمل، قبل الثَّورة، في تصميمه للسُّودان. ففي أغسطس 2018م، بادرت الحركة لدعوتنا إلى ورشة عمل بالعاصمة التَّنزانيَّة، ك «لجنة استشاريَّة» ضمَّت أكاديميِّين، ومهنيِّين، ومثقَّفين في مختلف تخصُّصات الحكم، والأمن، والدُّستور، وحقوق الانسان، والحقوق المدنيَّة، والسِّياسة الخارجيَّة، والثَّقافة والهُويَّة، والتَّنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فعكفنا على صياغة مشروع فكري سياسي اجتماعي ثقافي، ثمَّ أصدرنا، في نهاية المطاف، وثيقة مرجعيَّة، تحت عنوان «عناصر لخارطة طريق نحو تحوُّل سياسي مستدام في السُّودان»، باعتباره جماع سياسات بديلة لمستقبل سوداني يستجيب للحاجة لنظام جديد يوقف انحدار البلاد في نفق الفوضى والتَّفكُّك، خاصة بعد انفصال الجنوب عام 2011م، واستمرار جرائم الحرب والإبادة في دارفور والمنطقتين.
الوثيقة/البرنامج تدعو لإدارة الظهر، تماماً، للسِّياسات القديمة، ولطرح مشروع جديد، على مسار مغاير، بما يوقف الانهيار الاقتصادي، ويحسِّن الأوضاع المعيشيَّة، ويضع حدَّاً لانتهاكات حقوق الانسان، ويفرض سيادة حكم القانون والعدالة، ويؤسِّس لنموذج جديد للتَّنمية والحكم، وينهي سياسات التَّمييز، والاقصاء، والفساد، ويعمل كعقد اجتماعي اقتصادي وثقافي جديد، وفق رؤية «السُّودان الجَّديد»، ليلتفَّ حولها كلُّ السُّودانيين، المهمَّشين والفقراء بالذَّات، بما يضع حدَّاً للفشل التَّاريخي في صياغة مشروع للبناء الوطني. وفي السِّياق شخَّصت الوثيقة/البرنامج الأوضاع الرَّاهنة، بدقَّة، وحدَّدت المعالجات اللازمة، والفترات الزَّمنيَّة الضَّروريَّة لإنجازها، والموارد المطلوبة للبدء في تنفيذها منذ اليوم الأول لإحداث التَّغيير، في تزامن مع إقرار الدَّولة، دستوريَّاً، بالحقوق والواجبات، من خلال الحكم الرَّشيد، وإعادة هيكلة المؤسَّسات لخدمة مصالح الأغلبيَّة، وتقديم الخدمات الأساسيَّة، وفي مقدمتها الماء النَّظيف، والعلاج، والتَّعليم، وغيرها.
* وتقرُّ الوثيقة/البرنامج بأن تأسيس نظام اقتصادي اجتماعي ثقافي جديد يغير شروط الحياة، ويكفل حقوق المواطنة، والتنمية المستدامة، والدِّيموقراطيَّة، بتركيز خاص على النِّساء، والشَّباب، والأطفال، هو ما سيشكِّل البداية الحقيقيَّة لإنهاء معاناة شعبنا. كما وتدعو إلى دعم التَّعاون والتَّكامل، اقليميَّاً، وتوطيد السَّلام والاستقرار دوليَّاً، وإعطاء الأولويَّة لعلاقات استراتيجيَّة بين دولتي السَّودان وجنوب السَّودان.
والسُّؤال: أيُّ كيان ثوري يمكن أن تتقاطع رؤيته مع هذه الوثيقة/البرنامج؟! بل أيُّها يجرؤ على أن يعلن عن أنه لا يرغب في تأسيس رؤيته على مثلها؟!
الأحد
العجيب أن كلمة «حلايب» أصبحت تثير، في ما يبدو، حساسيَّة خاصَّة لدى غالب الذِّهن المصري! فبحسب موقع «العين الإخباريَّة» تداول مستخدمو شبكات التَّواصل الاجتماعي التَّعليق على سؤال عن «جمع كلمة حليب» ضمن امتحان اللغة العربيَّة للمرحلة الثَّانويَّة المصريَّة لهذا العام! مثل هذا السُّؤال عادة ما يرد في امتحانات اللغة العربيَّة، ولا يثير اهتماماً خاصَّا، ناهيك عن أن يثير أيَّة حساسيَّة! غير أن إفادات منسوبة إلى بعض أساتذة اللغة العربيَّة، وفلسفتها، قطعت بعدة احتمالات لجمع الكلمة، مثل «أحلبة»، على وزن «أرغفة»، أو «حُلبان» على وزن «قضبان»، لكنها لم تشر، مطلقاً، إلى كلمة «حلايب» على وزن «بدائل» كجمع لكلمة «بديل»، أو على وزن «مصائر» كجمع لكلمة «مصير»، أو على وزن «جمايل» كجمع لكلمة «جميل»، مثل قولك «فلانٌ أسدى إليَّ جميلاً»!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.