الطيارة فاتتني .. بقلم: أبكر محمد أبوالبشر/ المملكة المتحدة    الحكومة تتسلم رسميا حسابات منظمة الدعوة ومجموعة دانفوديو    اعتز بعضويتي في سودانايل مؤيل النور والاشراق وقد وصلت للمقال رقم (60) .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    طائرة (قدح الدم) تثير الغبار بهبوطها ونفيه .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    شعبة المخابز تنفي صدور بيان باسمها يهدد بالاضراب عن العمل    أمريكا ولعنة السود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    10 بلاغات جنائية في مواجهة المحرضين على قتل القراي    محمد سعيد يوسف: تراقب في المجرة زوال .. بقلم: محمد صالح عبد الله يس    اين نقابة المحامين ؟!! .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    التجمع الإتحادي: فيروس (كورونا) خطر يفوق قدرة نظامنا الصحي    ضبط شبكة تهرب الدقيق المدعوم بمحلية ام درمان    مبادرات غسان التشكيلية .. بقلم: نورالدين مدني    المبدأ لا يتجزأ يا مجلسي السيادي والوزراء؛ الاتساق اولاً وأخيراً .. بقلم: ابوهريرة عبدالرحمن    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين .. أسبابها ومآلاتها .. بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى/المحامى/ السودان    الشيخ محمد حسن ملح الأرض .. بقلم: عواطف عبداللطيف    عندما ينام الصمت في أحضان الثرثرة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودانوية .. العمق الافريقي والتبعية العربية .. بقلم: د. سمير محمد علي حمد
نشر في سودانيل يوم 21 - 03 - 2020

ظل سؤال الهوية مطروحا في السودان منذ بدايات الحكم الوطني دون اجابة متفق عليها. الحوار الابرز تركز حول الانتماء فاصبح كأنه جدالا بين من يدافع عن افريقانية السودان في مقابل من يجزم بغلبة العروبة فيه انطلاقا من رغبة الانتماء ليس الا. والرغبة لا تغني عن الحقيقة أياً كانت، ففي نهاية الامر لا فضل لأفريقي علي عربي او العكس بمعيار العرق. فبعيدا عن حديث الرغبة والاماني فيما يتعلق بمسألة الهوية والانتماء، فان الحقيقة الثابتة ان السودانيين كمجموعة سكانية وجودوا في هذا الجزء من افريقيا، وتاريخهم المثبت ]1[ يقول ان وجودهم في هذه المنطقة موغل في القدم. من جهة اخري نجد ان من يقولون بعروبة السودان يبذلون جهدا مضنيا لأثبات هذه العروبة بحثا في شجرة الانساب وتتبع الهجرات العربية الي السودان، بينما من يقول بأفريقانيته ليس في حاجة الي هذا الجهد. فمن الصعب أثبات عروبة شعب يقيم خارج الفضاء العربي وله حضارة سابقة للحضارة العربية. هذه المسلمات تقود الي فرضية اساسية يحاول هذا المقال بحث موضوعيتها، وهي: ان السودانوية هي الهوية السودانية "الخلاسية" ذات الجذور الضاربة في العمق الافريقي والتي امتزجت بالثقافة العربية في اوقات متأخرة في رحلة تشكلها، ولكنها ليست بعربية. فاختلاط الشعوب السودانية بمجموعات عربية وافدة في فترات مختلفة لا يرقي ان يجعل منهم عرباً و لم يستطع هذا الاثر العربي المتأخر ان يزيل عنهم ارثهم الحضاري السابق للعرب.
فالمتتبع لتاريخ السودان منذ بداياته المعروفة لا يكاد يجد للعرب تأثيرا سياسيا فاعلاً فيه الا في وقت متأخر منه، وذلك بعد ظهور الممالك الاسلامية السودانية في بدايات القرن السادس عشر. النشاط السكاني المنظم في السودان يعود الي تاريخ سحيق، فقد عرف السودانيون اختراع الفخار في اواسط السودان (اقليم الخرطوم) منذ العصر الحجري الوسيط حوالي 7500 ق.م.، كما توصل العلماء من خلال الكشوف الاثارية الي ان أول دولة سودانية بالمعني السياسي والمؤسسي للدولة نشأت قبل 4000 سنة (2500 – 1500 ق.م) وعُرفت بدولة كوش الاولي (مملكة كرمة). ثم تبع ذلك في وقت لاحق دولة كوش الثانية (مملكة مروي 920 ق.م – 325 م) وتعد صورة مصغرة لسودان اليوم فقد ضمت الاقليم الشمالي للسودان وشرقا منطقة البطانة وغربا شمال كردفان حتى وادي هور وجنوبا الي النيل الابيض (الكوة) ووصلت حدود الدولة الي جنوب النيل الازرق. ثم تبع ذلك الممالك المسيحية (نوباتيا والمغرة وعلوة) في الفترة 543 – 1504 م ]1[.
الملاحظ انه طيلة هذه الفترة أي منذ دولة كوش الاولي (2500 ق.م) الي نهاية الممالك المسيحية (1504 م) او قبيل ذلك، ليس هنالك ما يشير ان للعرب تأثير فاعل في الحياة السياسية السودانية ولا النمط الاجتماعي لحياة السودانيين ما يشير ضمنا الي انهم كانوا غير موجودين او ان وجودهم محدود ولا يمّكنهم من المشاركة الفاعلة في تلك الفترات ويمكن الاستدلال من ذلك ان الغالبية العظمي لسكان السودان خلال هذه الفترة سودانيين افارقة ولهم ثقافتهم ولغاتهم السودانية القديمة. يقول د. احمد الياس حسين ]2[ "ان دخول العرب في السودان قبل الاسلام امر غير ثابت الا اذا ظهر خلاف ذلك". مفندا كل ما جاء في كتابات ماكمايكل وبول بهذا الصدد. وان بدأ تأثيرهم يظهر تدريجياً في الفترات الاخيرة للممالك المسيحية خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر حتي تمكنوا من بسط نفوذهم وسلطتهم الفعلية في بدايات القرن السادس عشر.
ويجدر ذكره ان اتفاقية البقط (وهي مفردة سودانية خالصة) والتي عُقدت بين المسلمين والسودانيين في العام 652 م والتي استمرت لمدة 700 سنة قد مهدت لانتشار الاسلام تدريجيا في اجزاء واسعة من شمال السودان ومعه اللغة العربية وان لم يبرز التأثير السياسي الواضح للإسلام في السودان الا في القرن السادس عشر عند بداية نشأة الممالك الاسلامية مثل مملكة الفونج (1504م – 1821م)، دولة المسبعات في كردفان (1559م – 1821م) ودولة تقلي في جنوب غرب السودان (1570م – 1827م) ودولة الفور في اقصي الغرب السوداني (1640م – 1874م - 1898م -1916م) ]1[. ومن الملاحظ هنا ان دخول الاسلام الي مناطق غرب افريقيا وشرقها قد سبق دخوله السودان بعدة قرون، ففي حين بدأ انتشار الاسلام في بعض ممالك غرب افريقيا وحول بحيرة تشاد (مثل مملكة غانا ومالي وكانم) منذ القرن الثامن الميلادي وفي بعض ممالك شرق افريقيا منذ القران السابع الميلادي [3]، فان ذلك لم يظهر بوضوح في السودان الا في القرن السادس عشر. مما يعزز القول بان دخول الاسلام للسودان لم يكن من الشمال فقط وانما من جهة الغرب والشمال الغربي والشرق والجنوب الشرقي للسودان. وبالتالي لم يكن انتشار الاسلام في السودان حكراً علي العرب وانما كان للمسلمين الافارقة انفسهم اسهام واضح في ذلك.
فاذا لم يسجل التاريخ المدون أي تأثير سياسي واضح للعرب في مستويات الحكم في السودان منذ تاريخ بداية الدولة السودانية القديمة وحتي نهاية الممالك المسيحية في نهاية القرن الخامس عشر فلا يستقيم منطقا الحكم بوجود كتل سكانية من اصول عربية تجعل منها اغلبية في السودان حتي ذلك التاريخ علي الاقل، والا كان ظهر تأثيرها السياسي في تلك الحقبة، خاصة وان للعرب نزعة الي الحكم والسلطة. ويعزز ذلك ان الثقافات والممارسات السودانية القديمة ظلت سائدة حتي بعد ظهور الممالك الاسلامية العربية في السودان. فنظام توريث الحكم الامومي السوداني، وهو يخالف النظام الابوي السائد في الثقافة العربية الاسلامية، كان سائدا حتي بعد قيام مملكة الفونج الاسلامية والتي تضم مملكة العبدلاب العربية (الدكتور عبد الله علي ابراهيم له راي في هذا الموضوع جدير الاطلاع [7])، ولم يتغير ذلك الي النظام الابوي الا لاحقا في عهد بادي الرابع. مما يؤكد ان التأثير العربي لم يكن موجودا او ضعيفا حتي وقت متأخر من تاريخ الدولة السودانية. ايضا اوضحت البحوث العلمية المبنية علي تحليل الحمض النووي (DNA) التي قام بها العالمان السودانيان بروفيسور منتصر الطيب ود. هشام يوسف، (ذلك نقلاً عن مقالات للدكتور احمد الياس حسين ([5,4]، أن نسبة السلالات الافريقية في جينات السودانيين بلغت نحو 88.9%.
ويظهر تميز الهوية السودانية عن العربية جليا في العادات والتقاليد والطقوس الممارسة في كل المناسبات والانشطة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي في السودان. فلنتأمل مثلا الطقوس المرتبطة بحياة الانسان السوداني منذ ميلاده ثم ختانه وزواجه الي مماته، فكلها طقوس وممارسات ليس لها ارتباط بالعرب او حتى الاسلام. ثم انظر لعادة "الشلوخ"، وهي عادة سودانية قديمة (يرجعها البعض الي العهد المروي)، نجدها تنتشر بين كثير من القبائل السودانية بما فيها تلك التي تصنف علي انها عربية، رغم انها عادة افريقية وغير معروفة عند العرب. والسؤال هو كيف اكتسبت هذه القبائل والتي تصنف كعربية هذه العادات غير العربية والتي لا تخلو من الم جسدي عند ممارستها والاقرب الي الوثنية من الاسلام؟
فالهوية الثقافية السودانية متمايزة عن العربية والتعبير عنها باللغة العربية لا يجعل منها ثقافة عربية. فالعربية ليست الا وسيط تواصل بين المكونات السودانية المتعددة. فما انتجه الاديب الطيب صالح سيظل ادبا سودانيا خالصاً، والتعبير عن هذا الادب بأكثر من 30 لغة عالمية لم ولن يغير من سودانويته، وذلك ينسحب علي الانتاج الثقافي لكثير من الأدباء والشعراء السودانيين، فقصيدة العودة الي سنار مثلاً لمحمد عبد الحي ستظل ادبا معبرا عن الهوية السودانية رغم رسمها بالحرف العربي. اضافة للأدب السوداني المنتج باللغة العربية هنالك الكثير من الانتاج الادبي والثقافي باللغات السودانية المحلية. فلغة المنتوج الثقافي لا تحدد هويته الثقافية، فما انتجه ادباء السودان سيظل ادبا سودانيا افريقيا خالصا أيا كانت لغته.
واوضح مظهر للثقافة هو فن الغناء (كلاما ولحنا وموسيقي) فهو الجين الذي ينتقل من جيل الي جيل محتفظا بمكون اصيل من الهوية الثقافية لمجموعة ما عبر الاجيال ويوضح مدي تفردها بثقافتها عن الثقافات الأخرى، كما البصمة تماما. واعتقد ان مسالة الغناء والموسيقي السودانية واختلافهما البيّن عن الغناء والموسيقي العربية (رغم اشتراكهما في لغة الكلام)، توضحان بجلاء الي اين تميل الهوية الثقافية السودانية. كما تجلت الهوية السودانية وتفردها عن العربية في فنون الرسم والنحت والنقش منذ اول نشاط سكاني معروف بالسودان في العصر الحجري الوسيط وحتي الان. وتفرد الفن التشكيلي السوداني المرتبط بالثقافة السودانية جعل استاذ الفنون الجامايكي دينيس وليامز المحاضر بكلية الفنون البريطانية يطلق علي الاعمال التشكيلية السودانية "مدرسة الخرطوم التشكيلية" لسماتها التي تميزها عن الفنون في مناطق اخري.
اما المسالة الأخرى التي توضح عمق البعد الافريقي للهوية السودانية هي ان سحنة معظم السودانيين تشترك في كثير من سماتها مع سكان الاقليم السوداني الكبير (الذي يمتد جنوب الصحراء الكبرى من سواحل افريقيا الشرقية الي المحيط الاطلنطي في غرب افريقيا) بينما تختلف اختلافا بيّنا عن سحنات معظم سكان الجزيرة العربية وشمال افريقيا ومناطق الشام. ووجود قلة من السودانيين يشبهون بعض من سكان الجزيرة العربية وقلة من سكان الجزيرة العربية يشبهون الافارقة، فذلك استثناء لا يمكن القياس عليه. فلون السوداني الاسود وجد معه منذ بدايات تاريخ السودان المعروف فقد اطلق الفراعنة علي سكان السودان الشمالي "النحسيو Nehasyu" وتعني "السمر" كما استخدم الاغريق مصطلح "اثيوبيا" لوصف كل المناطق الممتدة الي الجنوب من مصر وتعني "الاقوام ذوو الوجوه المحروقة" واطلق المؤرخون العرب في القرون الوسطي كلمة "السودان" علي كافة الاقاليم الممتدة جنوب الصحراء الكبرى من البحر الاحمر والمحيط الهندي الي المحيط الاطلنطي [1]، وبعد ذلك جاءت السلطنة الزرقاء و"الازرق" في الكلام السوداني يعني "الاسود". ذلك يعني ان السودانيين مميزون بلونهم هذا وشكلهم الذي يختلف عن سكان شمال افريقيا وعن العرب منذ القدم وحتي الان.
بالرغم من هذا العمق الافريقي للهوية السودانية الا ان هنالك تنكر غير خاف من النخب السياسية السودانية لأفريقيا وثقافتها لصالح الثقافة العربية، فظلت الحكومات الوطنية المتعاقبة في السودان تهمل الثقافات السودانية الافريقية في مقابل الاهتمام بالثقافة العربية ونشرها، في شكل من التبعية والعلاقة غير المتزنة المنحازة للفضاء العربي علي حساب حضنها الافريقي. في رأي ان هذه التبعية والتوق الي الانتماء العربي قد يرجع الي مؤثرات منها ما هو تاريخي وما هو سياسي او اجتماعي:
(1) جذور تبعية السودان للعرب ربما بدأت قبيل ظهور اول مملكة اسلامية في السودان بتحالف الفونج مع العبدلاب في بداية القرن السادس عشر، وانتساب ملوك الفونج الي البيت الاموي وملوك العبدلاب الي قريش، ثم هيمنة هذا التحالف ذي الصبغة الاسلامية العربية علي السلطة في السودان لثلاثة قرون. فبغض النظر عن ان رواية النسب العروبي لملوك هذه السلطة الاسلامية في السودان كانت صحيحة ام انها كانت مدعاة لأغراض سياسية الا ان ذلك عزز توجه الدولة السودانية نحو الانتماء العربي، "فالناس علي دين ملوكهم"، وبات هذا الانتماء فخرا لقطاع واسع من السودانيين، ويزداد الشرف لمن ينتهي نسبه الي أي من صحابة الرسول (ص)، فنشطت ظاهرة تدوين النسب الشريف للتدليل علي هذا الانتماء العربي والذي يمثل مصدر فخر للبعض حتي يومنا هذا. وعمق هذا الانتماء ارتباط الدين الاسلامي بالعربية وبالتالي اهتمام التعليم ذو الصبغة الدينية في ذلك الوقت بنشر اللغة والثقافة العربية مع تعاليم الاسلام.
(2) ارتباط السودان سياسياً وثقافياً بمصر لأكثر من 120 سنة خلال فترتي الاستعمار التركي المصري (1821م – 1885م)، والانجليزي المصري (1898م – 1956م)، جعل لمصر تأثير ثقافي قوي علي السودان وجذبه الي الفضاء الثقافي العربي، فأصبحت كل من القاهرة وبيروت وجهتا من استطاع اليهما سبيلا من السودانيين لتلقي العلم والمعرفة، اضافة الي التأثير الثقافي من خلال المنشورات المصرية واللبنانية التي كانت متاحة بالمكتبات السودانية. نتيجة لهذا الارتباط السياسي بمصر والانفتاح الثقافي عليها نشأ جيل من صفوة المثقفين السودانيين من ذوي التوجهات العروبية، وكان هؤلاء نواة تكوين الاحزاب السياسية السودانية، ومنهم من نادي بالاتحاد مع مصر في ذروة النشاط السياسي المناوئ للاستعمار مما يعني ضمنيا توقهم الي الاندماج في الفضاء العربي.
(3) انتساب طائفتي الختمية والانصار ذواتا التأثير الاجتماعي والسياسي الطاغي في السودان الي الاصل العربي الشريف، ذلك حسب بعض الروايات [8] و[9]، اضافة الي ارتباط نشأة كثير من الاحزاب السودانية ذات التأثير السياسي بالعواصم العربية جعل من التوجه العروبي للسودان يستند علي قوي مجتمعية وسياسية مؤثرة ساعدت في تعزيزه. فالحزب الشيوعي السوداني كانت نواته من خلية من الطلاب السودانيين الدارسين بجامعة القاهرة بمصر والذين تم تجنيدهم بواسطة احد التنظيمات الشيوعية المصرية فقد كان "جميع الشيوعيين السودانيين الاوائل طلابا في الجامعات المصرية [10]"، وللحزب ارتباط وثيق بالتنظيمات الشيوعية بالأقطار العربية وهو ضمن منظومة تجمع الاحزاب الشيوعية العربية بينما لا نجد له علاقات مماثلة مع نظرائه من افريقيا السوداء. الامر نفسه ينطبق على احزاب الحركة الاسلامية السودانية فهي امتداد لحركة الاخوان المسلمين في مصر وانتقلت الي السودان عن طريق الطلاب السودانيين بالجامعات المصرية ولها ارتباط ايضاً بنظيراتها في الدول العربية. اما احزاب البعث السودانية فهي في الاصل عربية الفكر والمنشأ وتم استيرادها من بلاد منشأها في سوريا والعراق وهدفها الاسمي "امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، والعربي هنا في عرف الحزب هو كل من يتحدث العربية بغض النظر عن عرقه، ولو لا ذلك لأصبح هذا الشعار لا محل له من الاعراب في دولة كالسودان لم يُجمع اهله علي عروبته. وما يقال عن احزاب البعث ينسحب ايضا علي الاحزاب الناصرية والتي تم استيرادها من مصر.
(4) في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فتحت الجامعات العربية في كل من مصر وسوريا والعراق والسعودية ابوابها للطلاب السودانيين. فكان عدد الطلاب السودانيين الذين يدرسون في هذه الجامعات العربية مع جامعة القاهرة فرع الخرطوم اضعاف نظرائهم الذين يدرسون في الجامعات السودانية. فهذا الانفتاح الثقافي العربي الواسع علي الطلاب السودانيين والذي لم يخلو من اهداف سياسية ودعوية دينية كان له اثره في تعزيز التوجه السوداني نحو العرب.
كل هذا ساهم في انتاج نخب حاكمة تري في السودان امتداد للفضاء العربي وتعاملت انطلاقا من رؤيتها هذه، بنوع من الوصاية علي الشعب السوداني في مسألة الهوية ودائما ما انحازت للثقافة العربية علي حساب الثقافات السودانية المحلية. فالعلاقة السودانية العربية ومحدداتها المصيرية كانت دائما تتخذها النخب الحاكمة بناء علي قناعاتها او مصالحها بعيدا عن الشعب. فمسألة عروبة السودان كانت محسومة بالنسبة لأول حكومة بعد الاستقلال بغض النظر عن راي شعوب السودان في اطرافه الاربعة في ذلك، فسارعت بعد اعلان الاستقلال مباشرة بطلب الانضمام لجامعة الدول العربية، وحصل السودان علي عضويتها في 19 يناير 1956م، أي بعد اقل من ثلاثة اسابيع من نيل السودان لاستقلاله. وفي العام 1971م تمت تغييرات جذرية في السلم التعليمي والمناهج الدراسية وتعريبها ذلك تعزيزا للتوجه العروبي الذي تبنته النخب السودانية، يقول الدكتور محي الدين صابر وزير التربية والتعليم في السودان آنذاك: "ان تغيير السلم التعليمي قصد منه ان يتماشى مع النظم التعليمية العربية [11]". فأصبحت المناهج الدراسية تعمق الثقافة العربية وتهمل الثقافات الافريقية والمحلية، بل ومحاربتها. ففي بعض مناطق السودان التي لا تتحدث العربية كان محرما علي الطلاب التحدث بغير العربية داخل فناء المدارس والا تعرضوا للعقاب ذلك في محاولة لاجتثاث اللغات المحلية لصالح العربية. وفي العام 1990م تم تعريب الجامعات وتغيير في مناهجها الدراسية لتوائم مشروع الأسلمة والتعريب الذي انتظم السودان في ذلك الوقت. كما قام النظام المايوي في العام 1970م بتغيرات شملت رموز سيادية للدولة حيث قامت بتغيير علم الاستقلال وشعار السودان من الخرتيت الي صقر الجديان وذلك انسجاما مع التوجه العروبي للسودان في ذلك الوقت حسب راي بعض مثقفي السودان. يقول الشاعر محمد المكي ابراهيم: " في الاشهر الاولى لحكم جعفر نميري عكفت احدى لجانه على تصميم علم جديد لجمهورية السودان التي صعد الى سدة حكمها بقوة السلاح وتظاهرت اللجنة بتقليب البدائل والبحث عن الرموز في تاريخ السودان وبيئته الطبيعية لتحويلها الى علم وشعار .وحقيقة الامر ان اللجنة كانت تتظاهر محض تظاهر بالجد في تحقيق تلك المهام فواقع الحال انها كانت بصدد تبني علم العروبة بحذافيره (خضر مرابعنا/ بيض صحائفنا /سود وقائعنا /حمر مواضينا) الى جانب النسر العربي الذي اختارته الثورة المصرية شعارا لها وصادف هوى لدى اهل الجزيرة والخليج وهم ارباب البوازي والشواهين" [12].
غياب الرؤية والفكر المستنير الذي يخترق المستقبل لدي النخب المتعاقبة علي الحكم في السودان جعلها غير مدركة لأهمية وضع استراتيجية متوازنة منذ وقت مبكر للتعامل مع التركيبة المتباينة اثنيا ودينيا لشعوب السودان تفضي الي استيعابها تحت مظلة هوية وطنية جامعة. فالتوجه العروبي للنخب والحكومات الوطنية على حساب العمق الافريقي لم يرض قطاع واسع من السودانيين وكان احد الاسباب المباشرة لعدم الاستقرار السياسي في السودان. ففشل النخب السودانية في العمل على دمج التباين السوداني في هوية جامعة ادي الى تمايز بين من هو افريقي ومن يصنف كعربي. يقول احد مثقفي جنوب السودان قبل الانفصال ان الاعلام الحكومي في الخرطوم ظل يكرر جملة لا تتغير منذ الاستقلال وهي "الاخوة الجنوبيين والاشقاء العرب" [13]. والعبارة تجعل من الجنوبيين وكأنهم شعب اخر لا ينتمي الي السودان وفوق ذلك توضح بجلاء كيف جعلت النخب السودانية علاقتها بجيرانهم العرب اقرب اليهم من ابناء جلدتهم في الجنوب. هذه السياسات المختلة التي عملت علي فرض الانتماء العروبي ومشروع الاسلمة القسري بالسودان، اضافة الي عدم وجود استراتيجية تضمن تنمية متوازنة لمناطق السودان المختلفة كل ذلك كرس للانقسام في المجتمع السوداني وادى لظهور "الهامش" في مقابل "المركز"، ثم تتطور ذلك الي صراعات مسلحة نتج عنها انقسام السودان الي بلدين وانتهاكات واسعة لحقوق الانسان السوداني ولا زالت هنالك اجزاء منه تهدد بالانفصال.
فعلاقة التبعية السودانية المختلة هذه خلف الثقافة العربية الوافدة والتفريط في مكونات الثقافة المحلية السودانية هي احدي تجليات فشل النخب السودانية في توجيه الوجدان السوداني نحو هوية سودانية جامعة ومستقلة. وظهرت هذه التبعية، في تبني السودان لكثير مما يصدر عن الجامعة العربية منذ انضمامه اليها حتى وان كان ذلك يضر بمصالح شعبه او يمس سيادته. فقد غير السودان نظامه التعليمي ورمز الدولة السيادي (العلم وشعار الدولة) وشارك في عدد من الحروب العربية التي لا شأن لشعوب السودان بها، كما تبنى كثير من المواقف والاجراءات التي قد لا تخدم مصالح شعبه ضد دول وكيانات معادية لبعض الدول العربية وليست بالضرورة كذلك للسودان، كل ذلك كان تماهيا مع التوجهات العربية. وهذا ما جعل المخيلة العربية لا تري في السودان الا تابعا، للدرجة التي جعلت من مجاهرته برأيه المستقل في امر سيادي يخصه بعيدا عن توجهات الجامعة العربية، مسألة تدعو لاستغراب واستنكار العرب، سياسييهم ومثقفيهم، كما حدث مؤخرا في قضية سد النهضة والتي ابدي فيها السودان مجرد تحفظ علي تدخل الجامعة العربية في القضية.
ما يستدعي الدراسة المتأنية في مسار الحضارة السودانية، هو كيف لحضارة ترجع نشأتها لحوالي العام 7500 ق.م وقد بلغت اوج توهجها وتوسعها في عهد مملكة مروي (920 ق.م – 325 م) ان تصبح تابعة لثقافة وافدة اليها في فترة متأخرة من رحلة تشكلها؟ فهذا ما حدث للحضارة السودانية القديمة بالرغم من احتفاظها بكثير من سماتها الثقافية ولغاتها المنطوقة حتي الان، كما حدث ذلك ايضا للحضارة الفرعونية في مصر والتي اختفت تماما ولم يبقى منها الا آثارها. وفي المقابل فان الجارة أثيوبيا والتي كانت اكثر قربا وارتباطا بالعرب والمسلمين تاريخيا وجغرافيا مقارنة بالسودان، نجدها احتفظت بهويتها المميزة والمستقلة. فالعلاقة بين اثيوبيا (الحبشة) والعرب، سابقة لإسلام، فقد حكم الاحباش مناطق جنوب الجزيرة العربية قبل الاسلام في الفترة من 300م – 378م وايضا في الفترة قبيل ظهور الاسلام، كما ان مسمي "الحبشة" نفسه مأخوذ من اسم احدي القبائل العربية المهاجرة الي الحبشة وتسمي "حبشة" او "حبشت"، وهنالك كثير من القبائل العربية التي هاجرت الي الحبشة وان اللغة الحبشية القديمة "الجعزية" نفسها، اكتسبت اسمها من احدي القبائل العربية المهاجرة الي الحبشة وهي قبيلة الاجاعز . [16-14] وكانت الحبشة وجهة اولى الهجرات الاسلامية في بداية الدعوة الاسلامية، وقد بلغ التوسع الاسلامي في الحبشة اوجه فيما بين القرنين العاشر والثاني عشر بظهور عدد من الامارات الاسلامية [14]، ذلك قبل خمسة قرون من ظهور اول مملكة اسلامية بالسودان. وصحب ذلك التعليم الديني الاسلامي وانتشار اللغة العربية في الحبشة. ورغم كل هذا التأثير العربي والاسلامي لقرون طويلة نجد ان اثيوبيا استطاعت الاحتفاظ بلغاتها وثقافاتها المحلية وظلت مستقلة ثقافيا وسياسيا بمنأى عن أي تبعية لجوارها العربي حتي الان.
الامل ان يستفيد السودان من اخطاءه السابقة، ويخرج من استلابه الثقافي الي رحاب ارثه الحضاري مستلهماً منه هوية جامعة تستوعب كل شعوبه بعيدا عن التبعية.
20 مارس 2020م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
[1]. نشوء الدولة السودانية: منظور اركيولوجي – تاريخي، الدكتور عبد الرحيم محمد خبير، مجلة دراسات افريقية, ديسمبر 2002م.
[2]. حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان (1). د. احمد الياس حسين، صحيفة سودانيل الالكترونية، يونيو 2018م.
http://www.sudanile.com/index.php/
[3]. مظاهر الحضارة الإسلامية في الممالك الإفريقية، د. الفاتح الشيخ يوسف.
https://www.qiraatafrican.com/home/new/
[4]. مقدمات لدراسة تاريخ غرب السودان القديم (3): سكان افريقيا: والتصنيف السلالي .. بقلم: د. أحمد الياس حسين.
http://www.sudanile.com/index.php/954-1-5-2-3-8-1-1/106663-
[5]. مقدمات لدراسة تاريخ غرب السودان القديم (4) .. بقلم: د. أحمد الياس حسين.
http://www.sudanile.com/index.php/954-1-5-2-3-8-1-1/106867-
[6]. مقدمات لدراسة تاريخ غرب السودان القديم (5) .. بقلم: د. أحمد الياس حسين.
http://www.sudanile.com/index.php/954-1-5-2-3-8-1-1/107065-
[7]. عبد الله علي ابراهيم، "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة : الفصل الثلاثون، ابن خلدون في خطاب الهوية السودانية".
[8]. http://jazera-aba.alafdal.net/t58-topic
ام سلمة الصادق المهدي، تلخيص كتاب "تبصرة وذكري: سياحة في راتب الامام المهدي" للكاتب الدكتور موسي عبد الله حامد.
[9]. http://www.dorar.net/enc/firq/2694
[10]. د. حسان ريكان خلف ود. عبد الستار جعيجر عبد، "الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه في السودان حتي عام 1971م"، مجلة مداد الاداب، العدد 15، ص 307.
[11]. https://www.alrakoba.net/831972
زين العابدين صالح، "التعليم في السودان ضحية النظم السياسية الايدولوجية".
[12]. http://www.sudanile.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%AF%D8%A9/157-6-4-2-7-7-4-9/28655-
محمد المكي ابراهيم، " بين علم العروبة وعلم الاستقلال".
[13]. http://sudaneseonline.com/ar/article22193.shtml
[14]. https://www.alukah.net/world_muslims/0/68144/
د. عمر عبد الفتاح، "اللغة العربية في اثيوبيا: خلفيات الانتشار وعوامل الانحسار".
[15]. د. محمد علي عمر الخويلدي، " التأثير الحضاري العربي الإسلامي في شرق أفريقيا من القرن الخامس الهجري حتى السابع"، ص 49.
[16]. البرفسور جلال الدين محمد صالح، "الأجعزيان.. الجذور التاريخية والطرح السياسي". https://zenazajel.net/
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.