تخاريف مناوي..! بقلم: زهير السراج    الانضمام لاتفاقيتي مناهضة التعذيب والحماية من الاختفاء القسري، خطوة فى الاتجاه الصحيح !! .. بقلم: فيصل الباقر    المؤتمر الصحفي للدبلوماسيين المفصولين .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    تعويم الجنيه ..هل ينظف مواعين الاقتصاد .. بقلم: عواطف عبداللطيف    جبريل الميل يبدأ بخطوة .. بقلم: صباح محمد الحسن    إن الجنيه لا يعوم Swimming .. إنه يطفو Floating على السطح !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    إن (حدس ما حدس) .. بقلم: الفاتح جبرا    تتجدد ينابيع الدمه بعدك: ترنيمة إلى الراحل د أحمد عبد الله أبوبكر (الفلاح) .. بقلم: د عبدالرحيم عبدالحليم محمد    هل الطموح الاِقليمي الأوروبي لإنقاذ النفس محكوم بالفشل، بينما يكون بقية العالم مضطرباً؟ لا مخرج من الوباء بدون تضامن .. تقديم وترجمة حامد فضل الله/برلين    الموت يغيب الرحالة والقاص السوداني "عثمان أحمد حسن"    تباريح مهاجر (2) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    تعادل محبط للهلال السوداني أمام مازيمبي    للمرة الثالثة .. يا معالي رئيس الوزراء .. بقلم: د. طيفور البيلي    فيتا كلوب يقهر المريخ برباعية في عقر داره .. سيمبا يهزم الأهلي المصري بهدف    كبر: اتهامي بغسل الأموال استند على ضخامة حسابين    ضبط شبكة أجنبية تُدخِل أبناء المغتربين بالجامعات في عالم الإدمان    مشرحة ود مدني .. موتي بلا قبور ! .. بقلم: نجيب ابوأحمد    تعقيب على د. محمد محمود (1-2) .. بقلم: خالد الحاج عبد المحمود    ضرورة تفعيل ضوابط السوق كمسلمة للفكر الاقتصادي المقارن .. بقلم: د.صبري محمد خليل    قطف من رذاذ "جو" عطلة نهاية الأسبوع .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي /المملكة المتحدة    كورونا .. تجارة الحياة والموت .. بقلم: د. أحمد الخميسي    رؤساء أمريكا العسكريون وحقائق اخرى .. بقلم: لواء ركن (م) بابكر ابراهيم نصار    الحوثيون يعلنون قتل وجرح عشرات السعوديين والسودانيين خلال عملياتهم في يناير    إثيوبيا تعلن اعتقال 15 شخصًا بتهمة التآمر للهجوم على سفارتي الإمارات في أديس أبابا والخرطوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مفهوم الدولة العلمانية (2-3) .. بقلم: د. أمين حامد زين العابدين

وضعت حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في أوروبا في القرن السادس عشر نهاية لوحدة العالم المسيحي تحت لواء المذهب الكاثوليكي. فاعتنقت العديد من الولايات الألمانية المذهب البروتستانتي الجديد بمقتضى صلح اوغسبرج (1555م) الذى نص على أنّ تتبع الدولة الدين الذي يعتنقه حاكمها Cuius Regio, cuius Religio . وترتب على ذلك تأسيس الدولة للكنائس القومية التي تعرف بالكنائس المؤسسة الرسميّة Established Church وذلك مثل الكنيسة البروتستانتية الإنجليكانية في بريطانيا والغالية Gallic في فرنسا. ونتج عن تأسيس الكنائس القومية تعرض الأقليات الدينية التي لم تعتنق الدين الرسمي للاضطهاد من قِبل الدولة وحرمانهم من أداء شعائرهم الدينية مما أدى إلى نشوب الحروب الدينية في فرنسا بين الكاثوليك والهيوجونوت البروتستانت (1562-1598م) واندلاع الحرب الأهلية في إنجلترا بين الملك الذي يرأس الكنيسة الإنجليكانية والبيوريتان (1643-1649م)
ساهمت الثورات الإنجليزية (1688م) والأمريكية (1776م) والفرنسية (1789) في ترسيخ أهمّ المباديء التي تميز الدولة العلمانية الحديثة وهي حرية الأديان، المواطنة، فصل الدين عن الدولة واستخدام المنهج العقلي في سن التشريعات بالإضافة إلى التقاليد القانونيّة التي ورثها المجتمع. ويشير مبدأ حرية الأديان إلى حق الأفراد والمؤسسات الدينية بحرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية دون أي قيود من قِبل الدولة. ويقصد بمفهوم المواطنة ما نصت عليه المادة السادسة من إعلان حقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية في 1789م بقولها: "...يتمتع كل المواطنين بالمساواة في نظر القانون الأمر الذي يؤهلهم لتولي كل المناصب السامية وكل الوظائف والمهن العامة بدون أي تمييز عدا ما يتعلق بفضائلهم ومواهبهم."22 ويعني مبدأ فصل الدين عن الدولة إلغاء الكنيسة الرسميّة التي تؤسسها الدولة بمقتضى القانون. وينعكس هذا المعنى في تعليق توماس بين على نقد أدموند بيرك لتخلي الجمعية الوطنية الفرنسية عن التقليد المتبع في الدول الأوروبية الذي يدمج الكنيسة والدولة وذلك عندما قال: "ينتج عن دمج الكنيسة مع الدولة ولادة بغل يفلح فقط في التدمير وليس الإنجاب ويسمى "الكنيسة المؤسسة طبقاً للقانون the church established by law... وليس الاضطهاد من الصفات الأصلية لأي دين ولكنه السمة الأساسية لكل أديان القانون أو الأديان التي تؤسس بواسطة القانون."23
لذلك يمكن تعريف الدولة العلمانية كما اقترح بروفسور دونالد سميث بوصفها أنها "الدولة التي تضمن حرية الدين للفرد والهيئات وتعامل الفرد كمواطن بغض النظر عن دينه ولا ترتبط دستورياً بأي دين معين ولا تسعى إلى ترقية الدين أو التدخل في شؤونه."24
ويكون من الأفضل لكي نكمل تعريف الدولة العلمانيّة أن نضيف عنصر توظيف الدولة للمنهج العقلاني في سن التشريعات وتطبيق هذا المنهج على التقاليد القانونية الموروثة لكي تتماشى مع روح العصر. وتبرز أهمية هذا العنصر في المجتمعات التي لها تراث قانوني ديني يمارسه سكانها منذ فترة طويلة وذلك مثل الأقطار التي يكون أغلبية سكانها من المسلمين وتعتمد أحكام أحوالهم الشخصية والاجتماعية على مصدر ديني.
وتعتبر الدولة الدينية Theocratic state النقيض المقابل للدولة العلمانية وذلك لاستنادها على النصوص المقدسة كالمصدر الوحيد للتشريع ومنحها رجال الدين صلاحيات رفض أي قانون يجيزه المجلس التشريعي بحجة عدم انسجامه مع النص المقدس حسب تفسيرهم. ولا تقر الدولة الدينية مبدأ المواطنة لاعتمادها الهوية الدينية بدلاً عن الهوية الوطنية كأساس لمعاملة أفراد المجتمع ولا تمنح حرية العبادة للأديان التي لا يعترف بها كتابها المقدس. وتعتبر جمهورية إيران الإسلاميّة أبرز مثال للدولة الدينية فى العصر الراهن حيث يستند دستورها على نظرية ولاية الفقيه واعتباره أعلى سلطة دستورية في البلاد. ويعاون الفقيه كما نصت المادة 96 من الدستور الإيراني مجلس الولاة الذي يشرف على انتخابات الرئيس ومجلس الشورى ويفسر الدستور ويملك حق النقض ضد أي قانون يجيزه البرلمان ولا يتفق في نظرهم مع الإسلام.25
ويمكن تقسيم الدولة العلمانية إلى نوعين: دولة علمانيّة ديمقراطية ودولة علمانيّة استبدايّة. ويوجد في النوع الأول نموذجين: النموذج البريطاني الذى يؤسس كنيسة رسمية بمقتضى القانون ومستبعداً بذلك مبدأ فصل الدين عن الدولة مع المحافظة على مباديء المواطنة وحرية الأديان واستخدام المنهج العقلاني في التشريع والنموذج الأمريكي الذي يحافظ على كل عناصر الدولة العلمانية. ويوجد أيضاً في الدولة العلمانية الإستبدادية نموذج ينفذ مباديء فصل الدين عن الدولة والمواطنة وتقييد مبدأ حرية الدين، ونموذج آخر يقوم بدمج الدين والدولة و/أو تحديد دين رسمي للدولة والالتزام بمبدأ المواطنة وإتاحة قدر معقول من حرية العبادة للأقليات الدينية.
وسنناقش بإسهاب في الجزء التالي الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهور النموذجين البريطاني والأمريكي للدولة العلمانيّة الديمقراطية ونختمه بنبذة موجزة عن الدولة العلمانيّة الاستبدادية.
(أ‌) النموذج البريطاني للدولة العلمانيّة
نشأت الكنيسة القومية الإنجليزيّة بعد قرار الملك هنري الثاني إنهاء صلاحيات الكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا بسبب خلافاته مع البابا كلمنت السابع وإصدار البرلمان في عام 1534م لقانون السيادة الذي أعلن "بأن الحق والعدل يستوجبان أن يكون جلالة الملك الرئيس الأعلى لكنيسة إنجلترا."26 وحافظت كنيسة أنجلترا على التنظيم الكنسي الكاثوليكي الذي يعتمد على نظام رئاسة الأساقفة للكاتدرائيات في المدن الكبرى التي تشرف على كنائس الإبرشيات التي تقع في نطاق صلاحياتها والقساوسة الذين يقومون بخدمتها. وابقت في تعاليمها على بعض المعتقدات الكاثوليكية مثل الاعتقاد بأن أداء القسيس لطقوس القربان المقدس Eucharist يؤدي إلى تحويل الخبز والنبيذ إلى جسد ودم المسيح عليه السلام.27
وبدأت الكنيسة الإنجليزيّة في تطبيق أفكار الإصلاح البروتستانتية الداعية إلى أداء الطقوس والتراتيل الكنسية باللغات القومية بدلاً عن اللغة اللاتينية عندما أصدرت الدولة كتاب الصلاة المشتركة بمقتضى قانون التماثل The Act of Uniformity في 1549م الذي فرض صلوات محددة باللغة الإنجليزية لتؤدي في جميع أنحاء انجلترا. وتمّ التأكيد في عهد الملكة اليزابيث الأولى (1558-1603م) على أن الدمج هو الصيغة المثلى للعلاقة بين الدين والدولة وذلك بإصدار قانون السيادة في 1559م الذي طلب من كل المسئولين المدنيين والدينيين الإعلان على القسم بأن الملكة اليزابيث هي الحاكم الأعلى الوحيد لإنجلترا في الشؤون الدينية والزمنية.28 وفرض قانون التعهد Subscription Act الصادر في 1571م على السكان بما فيهم قساوسة الأقليات الدينية مثل الكاثوليك والبيورتان الإيمان بتسع وثلاثين عقيدة إيمانية Thirty-Nine Articles of Religion التي أصدرها مجلس الكنيسة الرسمية للدولة. 29
ظهرت في عهد الملكة اليزابيث بعض الطوائف البروتستانتية المتشددة التي عارضت تبني الدولة للتنظيم الكنسي الكاثوليكي وتسرب بعض الأفكار الكاثوليكية في كتاب الصلاة وبعض الطقوس الدينية وسعوا إلى تطهير حركة الإصلاح في انجلترا من كل الشوائب الكاثوليكية مما أدى إلى تسميتهم بالمتطهرين Puritans. واستهدى البيورتان بأفكار المصلح الديني كالفن الذي تمنع تعاليمه تولي رجال الدين لوظائف في الحكومة المدنية وذلك لأن المسيح عليه السلام لم يعتقد فقط أن وظيفة القسيس تختلف عن وظيفة الأمير وإنما هناك اختلاف هائل بين المنصبين الأمر الذي يجعل من غير المستطاع الجمع بينهما في شخص واحد. 30 وتبنوا آراء كالفن عن التنظيم الكنسي الذي يقوم على إدارة الشيوخ Presbyters لشؤون الكنيسة بمعاونة بعض القساوسة الذين ينتخبهم الجمهور ويتساوون مع الشيوخ بحكم أنها أقرب إلى الإصلاح البروتستانتي من التنظيم الأسقفي للكنيسة الإنجليكانية. وعندما ذكر توماس كارترايت في محاضرة ألقاها في جامعة كامبردج في 1570م بأن نظام حكم الشيوخ للكنيسة هو ما أمر به الله في الإنجيل، تمّ طرده من منصبه الجامعي واضطر إلى الهروب إلى جنيف خوفاً من بطش الحكومة. وأصدر بعد عامين من منفاه كتاباً بعنوان "نصح وتحذير للبرلمان" طالب فيه بإلغاء النظام الأسقفي لكنيسة إنجلترا واستبداله بنظام حكم الشيوخ المنصوص عليه في الإنجيل.31 وأصدر زعماء البيورتان في 1578م "الكتاب الثاني لضبط السلوك" طالبوا فيه باستبدال الأساقفة بمجالس تتكون من الشيوخ والقساوسة على المستوى المحلي، الإقليمي، القومي والدولي.32
تفرعت من وسط البيورتان فرقة متزمتة عرفت بالانفصاليين Separatists تأثروا بأفكار اليهود بأنهم شعب الله المختار واستهدوا بها لعزل أنفسهم عن بقية المسيحيين. واعتمدوا في تبرير سلوكهم الانفرادي وتعاليهم عن الآخرين بتعاليم كالفن الذي فسرّ نصوص الكتاب المقدس (جيرمايا) بقوله: "أسس الرب حائطاً لفصل شعبه عن الأجانب كمقدمة لعطاياه وهباته وتوجيه الدعوة للأميين Gentiles وأزال السيد المسيح الحائط الذي يفصل بين اليهود والأميين لكى يمنح الأميين حائطاً يفصلهم عن بقية الشعوب." 33 وكان كالفن من المؤمنين بمذهب القدرية الذي يعتقد بأن الله قد اختار منذ الأزل عدداً قليلاً من صفوة المسيحيين وألهمهم شدة الورع والتقوى ليكونوا في مكانة أسمى من بقية إخوانهم المسيحيين كما قدر لهم. وأدان زعماء الكنيسة المشيخية Presbyterians الذين يمثلون التيار الرئيسي للبيورتان تطرف الانفصاليين الذين طبقوا أفكارهم بتأسيس مجتمعات خاصة بهم يعاهدون فيها الله لفرض تعاليمه بصرامة على العامة لكي يلتزموا بأحكامه. وتمّ قمعهم بواسطة الدولة حيث تمّ شنق اثنين من أتباعهم في 1583م لتوزيعهم كتيبات تدعو لمذهبهم، كما أعدم ثلاثة من زعمائهم الدينيين في 1593م مما دفع العديد من أنصارهم للهجرة إلى هولندا.34
بدأ البيورتان، نتيجة للاضطهاد الديني الذي تعرضوا له، المطالبة بالحرية الدينية بحجة أنّ تعاليم الإصلاح البروتستانتي تؤكد أهمية الضمير ودوره في التجربة الداخلية للفرد واعتقاده الديني الذي يجب أن يكون بمنأى عن أي تدخل وتقييد من قبل السلطة الزمنية. وأدركوا أن سبب اضطهادهم الديني هو وحدة الدين والدولة وتأسيس الحكومة لكنيسة رسمية بمقتضى القانون تفرض عليهم الاعتراف بعقائدها الدينية وتمنعهم من حرية العبادة وأداء طقوسهم طبقاً لمذهبهم. لذلك اعتبروا أنّ إلغاء الكنيسة الرسمية Disestablishment ، والذي يقصد به فصل الدين عن الدولة، هو السبيل الوحيد الذي يتيح لهم التمتع بحرية الضمير التي يدعو إليها مذهبهم. ودعموا رأيهم بتفسير بعض الطوائف المسيحية التي تعتقد أن الكنيسة هي عروس المسيح عليه السلام وأن محاولة دمجها مع سلطة الأمير الدنيوية بمثابة خطيئة الزنا التي تحط من قدرها وتؤدي إلى فسادها.35
وأصدر هادريان سارافيا كتاب "حول درجات قساوسة الإنجيل" في 1590م لدحض آراء البيورتان التي تطالب بإلغاء النظام الأسقفي الإنجليكاني الذي يربط بين الدين والدولة ويسمح للحاكم الذي يجمع بين السلطتين المدنية والدينية بتعيين القساوسة في مناصب مدنية لا تليق بوظيفتهم الدينية. وعارض آراءهم باعتبارها طلاقاً خطيراً بين الكاهن والحاكم المدني وخاصة وأنه "لا يوجد ارتباط بين هذه المسألة والرأي الشائع بأن السلطة الدينية تختلف وتتميز عن المؤسسة المدنية...إذ لا يصيران شيئاً واحداً حتى وإن تقلدهما شخص واحد وذلك مثل أن يكون نفس الشخص طبيباً وفقيهاً (قاضياً أو محامياً) في نفس الوقت."36 وأشار إلى أن منع القساوسة من أداء مهامهم المدنية في المجالس العامة (البرلمان) يتناقض مع مبدأ الحقوق المتساوية لكل المواطنين.37
كما انتقد ريتشارد هوكر دعوة البيورتان للفصل بين الدين والدولة وإلغاء النظام الأسقفي الإنجليكاني بحجة وجود حائط فاصل بين الكنيسة والحكومة المدنية. إذ لاحظ أنهم يعتقدون "بعدم إمكانية تدخل الأساقفة في شؤون الدولة لأنهم يحكمون مؤسسة أخرى، كما لا يمكن للملوك سن القوانين للكنيسة لأن حكومتهم المدنية لا تنتمي لهذه المؤسسة، وإنما لمؤسسة أخرى مفصولة عنها وهي الدولة ويجب الاحتفاظ إلى الأبد بالجدار الذي يفصل بين هاتين المؤسستين."38 وكان رأي هوكر أنّ السلطتين السياسيّة والروحية في المجتمع المسيحي متحدتان دون أن يتم الخلط بينهما "وليس الفرق بين مهام وشؤون كل من السلطتين الكنسية والعلمانية (Secular) بدليل على أن الدولة (Commonwealth) والكنيسة في حالة انفصال دائم واستقلال كل واحدة عن الأخرى".39
استمرت معاناة الطوائف البروتستانية المنشقة عن الكنيسة الإنجليكانية من قهر الدولة طوال عهد الملك جيمس الأول (1603-1625م). وكان للكنيسة الرسمية سلطان واسع على المواطنين وذلك مثل تعرضهم لعقوبات صارمة في المحاكم الكنسية إذا لم يدفعوا العشر من محصولهم الزراعي أو أرباحهم لقسيس كنيسة الإبرشية. كما يتم عقاب المرء إذا ارتكب خطيئة الزنا أو تعامل بالربا أو لم يحضر الصلاة في الكنيسة في يوم الأحد أو يزاول العمل في يوم الأحد الذي يعتبر عطلة دينية.40 واحتكرت الكنيسة التعليم حيث اقتصرت مهنة التدريس في جامعتي أوكسفورد وكامبردج على رجال الدين ولا يسمح لأي شخص بالتدريس في المدارس أو تقديم دروس خصوصية ما لم ينل رخصة التدريس من أسقف المدينة.41
واتسمّ عهد الملك شارلز الأول (1525-1649م)42 بقسوة بطش الحكومة لكل من ينتقد الكنيسة الرسميّة التي توسع نفوذها في شؤون الدولة عندما تمّ تعيين الأسقف ويليام لود لمنصب كبير أساقفة كانتربري في 1633م.43 فتمّ بتر أعضاء من جسد المحامي ويليام برين والكاهن المبجل هنري بيرتون ودكتور جون باستويك والحكم عليهم بعد ذلك بدفع غرامة مالية باهظة والسجن المؤبد.44 وفرض لود رقابة صارمة على البيوريتان لمنعهم من أداء الشعائر حسب مذهبهم وإجبارهم على الالتزام بكتاب الصلاة وطقوس الكنيسة الإنجليكانية "مما أدى إلى هروب عشرين ألف منهم (البيوريتان) إلى أمريكا الشمالية واجتماعهم سراً في الغابات والحجرات السرية لوعظ أنصارهم وإقامة الصلاة."45
انتهج البيوريتان طريق النشاط السياسي لكي يتخلصوا من ظلم الدولة التي قيدت حريتهم الدينيّة وأجبرتهم على دفع ضريبة العشر لقساوسة الكنيسة الرسميّة رغم عدم إيمانهم بطقوسها وتعاليمها. وتحالف أنصارهم الذين دخلوا البرلمان مع النواب الراديكاليين الذين أرادوا تقييد سلطات الملك الواسعة التي أتاحت له تعطيل وحل البرلمان لأجلٍ غير مسمى بمقتضى الامتياز الملكي الذي كفله له الدستور. وقاد الخلاف العميق بين الملك والبرلمان حول بعض القضايا السياسيّة والدينية إلى اندلاع الحرب الأهليّة الإنجليزية في أكتوبر 1642م. وسيطر البيوريتان على القيادة العسكرية لقوات البرلمان ونجحوا بعد عدة معارك في هزيمة قوات الملك وتقديمه إلى محاكمة حيث تمّ إعدامه بعدها في 30 يناير 1649م. وتمكن الجناح المتشدد للبيوريتان الذي عرف بالاستقلاليين Independents من الهيمنة على شؤون الحكم، وأصبح قائده كرومويل الحاكم العسكري لإنجلترا بعد أن تمّ إلغاء الملكية ومجلس اللوردات.46
أصدر البيوريتان في 1653م أداة الحكومة the instrument of Government وهي عبارة عن وثيقة دستورية تمّ بمقتضاها منح كرومويل لقب اللورد الحامي ويعاونه في الحكم مجلس الدولة ومجلس تشريعي واحد (مجلس العموم).47 وتجاهل البيوريتان مبادئهم حول العلاقة بين الدين والدولة بمجرد توليهم مقاليد السلطة إذ فرضوا تعاليم مذهبهم الكالفني الذي اسموه المسيحية الإصلاحية Reformed Christianity ليكون الدين الرسمي للدولة بعد إلغائهم الكنيسة الأسقفية الإنجليكانية وكتاب الصلاة الذي فرضته على السكان. ونفذوا جزئياً مبدأهم حول حرية الضمير والعبادة التي منحوها لأتباع الطوائف البروتستانتية التي ساندتهم أثناء الحرب الأهلية وحجبها عن الذين ينتمون للكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجليكانية وعن أنصار الكنيسة المشيخية بسبب وقوفهم مع الملك شارلز الأول في آخر مراحل الحرب الأهلية.48
ويعكس الاضطهاد الديني الذي مارسه البيوريتان ضد من لا يؤمنون بكنيستهم الرسمية التي أسسوها بحكم القانون بأنّ ذهنية إقصاء الآخر خصلة متأصلة في فكرهم وسلوكهم وذلك بسبب إيمانهم الكالفني بأنهم الصفوة التي اختارها الله منذ الأزل ليفضلهم على الآخرين. ولاحظ بروفسور فيلدمان أن مفهوم حرية الضمير لدى البيوريتان لا يرقى إلى التزام سياسي باحترام الحرية الدينية للآخرين وإنّما "يعكس اعتقاد دينياً بيورتانياً بأولوية الضمير والإيمان."49 لذلك كانت الضرورة السياسية هي العامل الرئيسي الذي دفع البيوريتان لمنح حرية الضمير والعبادة للطوائف الدينية التي ساندتهم في الحرب الأهلية وساعدت في توطيد حكمهم الاستبدادي.50
تعمقت الخلافات وازداد النزاع بين حكومة البيوريتان والبرلمان بعد وفاة مؤسسها كرومويل في سبتمبر 1658م، وبدأت الفوضى تسود في البلاد الأمر الذي ساعد أنصار الملكية والكنيسة الإنجليكانية والكنيسة المشيخية في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات عام 1660م. وقررّ البرلمان في الاجتماع الذي عقده في 25 أبريل 1660م استعادة الملكية وعودة شارلز الثاني من منفاه في فرنسا لكي يتولى حكم البلاد. وترتب على استعادة الملكية إعادة تأسيس الكنيسة الإنجليكانية بمقتضى القانون لتصبح مرة أخرى الكنيسة الرسمية للدولة. وأصدر البرلمان في الفترة ما بين 1661م إلى 1665م سلسلة من القوانين العقابية "قهرت واخرصت إلى الأبد ادعاءات البيوريتان للسيادة السياسية وتمّ اختزال كمية وتصفية نفوذهم الديني...وتقسيم إنجلترا إلى الكنيسة والمنشقين."51
ومن ضمن هذه القوانين التي عرفت بقوانين كلارندون قانون الهيئة (1661م) الذي حصر عضوية المجالس البلدية، التي كانت تسيطر على انتخابات أعضاء البرلمان، على الأشخاص الذين يؤدون القداس حسب طقوس الكنيسة الانجليكانية الرسمية، وقانون التماثل Uniformity Act الذي فرض كتاب الصلاة بعد أداء القسم كشرط لتعيينهم في الكنائس المحلية. وحظر قانون أماكن العبادة Conventiclers Act الذي أصدر في عام 1664م، على المواطنين حضور أي اجتماعات لأداء طقوس دينية تختلف عن طقوس كنيسة إنجلترا وإلا تعرضوا لعقوبات قاسية تصل إلى عقوبة الإعدام. ومنع قانون الخمسة الأميال (1665م) القساوسة والمدرسين من الاقتراب إلى مسافة خمسة أميال من المدن ما لم يتعهد ويصرح بأنه لن يحاول في أي وقت إحداث تغيير في الحكومة أو الكنيسة الرسمية.52 واستهدف هذا القانون كنائس البيوريتان التي تركزت في المدن لحرمان أنصارهم من تلقي أي تعليم أو مواعظ دينية من قساوستهم.
حاول الملك جيمس الثاني (1688-1685م) الذي تولى الحكم بعد وفاة شقيقه الملك شارلز الثاني في 1685م إعادة الكاثوليكية كالديانة الرسمية لإنجلترا. وبدا التمهيد لذلك باصداره في عام 1687م تصريح الغفران الذي كفل لرعاياه حرية العبادة وألغى بعض القوانين التي تمنع الكاثوليك والمنشقين من تولي المناصب الحكومية وذلك بهدف تعيين الكاثوليك في المناصب الحساسة للدولة. وكشف التصريح الملكي الهدف الحقيقي لهذه الإجراءات عندما ذكر "نتمنى من أعماق قلوبنا أن يكون كل أبناء مملكتنا من أعضاء الكنيسة الكاثوليكية."53 وأثارت الإجراءات التي بدأ الملك في اتخاذها لاستعادة الكاثوليكية سخط أغلبية السكان البروتستانت فتحالفت الكنيسة الانجليكانية الرسمية مع طوائف البروتستانت المنشقين عنها وقرروا توجيه الدعوة لملك هولندا البروتستانتي ويليام أوف أورانج (زوج ماري الابنة البروتستانتية لملك إنجلترا) لغزو إنجلترا ومساعدتهم في خلع الملك جيمس الثاني.
نجحت خطة البروتستانت عندما غزا ويليام أوف أورانج انجلترا في نوفمبر 1688م وهرب الملك جيمس الثاني من البلاد وتحققت بذلك الثورة التي عرفت في التاريخ بالثورة الإنجليزية المجيدة.54 وقرر البرلمان في 13 فبراير 1689م منح السيادة الشرعية لحكم إنجلترا لويليام أوف أورانج وزوجته ماري "بإرادة الأمة وليس بامتياز أعلى من القانون."55 وأصدر البرلمان في 1689م، تحت ضغط الظروف السياسيّة التي أجبرتهم على التحالف مع المنشقين البروتستانت، قانون التسامح الذي منح كل الطوائف البروتستانية التي لا تؤمن بالكنيسة الإنجليكانية الرسمية، عدا الموحدين البروتستانتUnitarians والكاثوليك، حرية العبادة وأداء الشعائر الدينية. وذكر بروفسور تريفليان أن البرلمان قد أصدر "قانون التسامح كضرورة عملية وليس كمبدأ يؤمن به ويتفق عليه أعضاؤه."56 كما لم تكن المساواة وحقوق المواطنة من المباديء التي يؤمن بها قادة ثورة 1688م إذ أصدر البرلمان قانوني الاختبار والهيئة Test and Corporation Act لمنع المنشقين البروتستانت والكاثوليك الذين لا يؤمنون بتعاليم الكنيسة الرسمية للدولة من تولي أي منصب مدني أو عسكري في الدولة.57
وضعت ثورة 1688م أسس الدولة الحديثة في إنجلترا بعد أن تخلى البرلمان عن مفهوم الحق الإلهي لحكم الملوك وتبنيه لفكرة السيادة الشعبية التي عين بمقتضاها الملك ويليام وزوجته ماري حكاماً لإنجلترا مع إخضاع السلطة التنفيذية لحكم القانون الذي يشرف عليه الجهاز القضائي المستقل. ويعكس منح حرية العبادة للأقليات الدينية بعد نجاح الثورة عدم وجود تناقض بين وجود كنيسة رسمية للدولة والحرية الدينية. ويلاحظ أن الدستور الإنجليزي قد تبنى آراء الفيلسوف توماس هوبز حول العلاقة بين الدين والدولة التي وصفها بقوله: "إنّ الكنيسة القادرة على إصدار الأمر والحكم والغفران والإدانة أو القيام بأي عمل آخر هي نفسها الحكومة المدنية التي تتكون من المسيحيين، وتمّ استخدام المصطلحين حكومة زمنية وحكومة روحية لكي يكون للناس ازدواج في النظر ويخطئون في التعرف على حاكمهم الشرعي...كذلك لا توجد حكومة أخرى في هذه الدنيا للدولة أو للدين وإنّما حكومة واحدة فقط هي الحكومة الزمنية ولا يمكن تدريس أي مذهب ديني للرعايا يحظر تدريسه الحاكم المسئول عن الدولة والدين... ويجب أن يكون حاكم الدولة والكنيسة شخصاً واحداً وإلا حدث انشقاق واندلعت الحرب الأهلية في البلاد Commonwealth بين الكنيسة والدولة وبين الروحيين والزمنيين وبين السيف والعدالة."58
ورغم تبني الدستور الإنجليزي أفكار الفيلسوف جون لوك حول التسامح الديني، إلا أنه لم يأخذ بآرائه حول العلاقة بين الدين والدولة والتي عبّر عنها بقوله: "أستطيع أن أأكد ضرورة ألا تمتد سلطات الحاكم لتأسيس أيّ عقيدة دينية أو أي شكل من أشكال العبادة بقوة القانون."59 ولم تكتسب الدولة في إنجلترا أهمّ خصائص الدولة العلمانية الحديثة، أي مبدأ المواطنة، إلا بعد مرور أكثر من مائة عام على نشوب الثورة الإنجليزية المجيدة وذلك عندما ألغى البرلمان قوانين الاختبار والهيئة في عام 1828م لكي ينفذ مبدأ المواطنة المتساوية وضمان القانون لكل المواطنين بتولي مناصب الدولة بدون تمييز وبغض النظر عن دينهم.60 وتمّ تمديد هذا الحق الإنساني للمواطنين الكاثوليك في السنة التالية عندما أصدر البرلمان في عام 1829م قانون التحرير الذي منحهم حق المساواة في تولي المناصب الحكومية ودخول البرلمان وحرية العبادة وأداء الشعائر الدينية.61
وهناك العديد من الدول التي تبنت النموذج البريطاني للدولة العلمانية الذي ينص دستورها على تأسيس كنيسة رسمية بمقتضى القانون (أي عدم فصل الدين عن الدولة) وضمان حرية الأديان ومساواة المواطنين أمام القانون. ومن أمثلة ذلك النرويج التي تنص المادة الثانية من دستورها "سيظل الدين اللوثري التبشيري الدين العام للدولة. ويلتزم السكان الذين يعتنقونه على تنشئة أطفالهم عليه."62 وتنص المادة الخامسة على "أنّ شخص الملك مقدس ولا يمكن توجيه اللوم له أو أي اتهام ضده."63 ونصت المادة (65) من دستور الدنمارك "يجب أن يكون الملك عضواً في الكنيسة اللوثرية التبشيريّة."64
كما تنص المادة (69) منه على مسئولية الدولة في سن القوانين التي تعمل بمقتضاها المؤسسات الدينية المنشقة عن الكنيسة الرسمية.65وتنص المادة (62) من دستور ايسلندا "تعتبر الكنيسة اللوثرية التبشيرية الكنيسة الرسمية للدولة ويجب على الدولة دعمها وحمايتها."66 ويعتبر الإسلام الدين الرسمي لماليزيا التي ضمن دستورها حرية الأديان لكل الطوائف الدينية الأخرى في الاتحاد.67
من كتاب اتفاقية السلام الشامل وخلفية الصراع الفكري
دار جامعة الخرطوم للنشر 2007
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الهوامش
amin zainelabdin [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.