تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    المقرن الاخطر .. عودة إلى الخرطوم لكن آلاف الألغام ما زالت في الانتظار    تحرك أميركي مفاجئ نحو إريتريا يعيد رسم موازين النفوذ وسط اشتعال حرب السودان    هدنة لمدة 90 يومًا على طاولة المفاوضات.. القاهرة تقود مسار التهدئة في السودان    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    ترامب يمدد إعفاء نقل البضائع بين الموانئ الأميركية 90 يومًا    وداعًا للمجتمعات.. "إكس" تعيد رسم خريطة التواصل    ميتا تفتح نافذة جديدة للآباء: مراقبة محادثات أبنائهم مع الذكاء الاصطناعى    إصابة صلاح مع ليفربول تثير قلق مصر قبل كأس العالم    محمد الشناوى يطالب نجوم الأهلى بالتمسك بالفرصة الأخيرة فى التتويج بدوري نايل    شاهد بالفيديو.. "أكل القروش".. الفنانة إنصاف مدني تتهم مدير أعمال المطربة إيمان الشريف باستلام "عربون" عدد كبير حفلاتها والتصرف فيها    شاهد بالصورة والفيديو.. قُدرت بملايين الجنيهات.. "جلابي" يرمي أموال طائلة على الفنانة فهيمة عبد الله في إحدى الحفلات والأخيرة تتفاعل معه بالضحكات    شريف منير يكشف عن أهم شخصية درامية قدمها فى مسيرته الفنية    لا يوم نصفتينى ولا يوم عرفتينى.. شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند بالحضن شوك    ياسر جلال ينفى شائعة مرض ميرفت أمين: نزلة برد خفيفة ومتواجدة بمنزلها    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    هكذا يؤثر مرض السكر على عينيك.. 5 نصائح لحماية بصرك    شاهد بالصورة والفيديو.. القائد الميداني بالدعم السريع "السافنا" يكشف في بث مباشر حقيقة انشقاقه وإنضمامه للجيش    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    كيف سيتم التعامل مع القادمين من جحيم آل دقلو؟    السودان يعلن رؤيته الاستراتيجية لمكافحة الملاريا بمناسبة اليوم العالمي للملاريا    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    نشرة إعلامية متكاملة تواكب انطلاق البطولة العربية لألعاب القوى للشباب بتونس    الي اين نسيير    الاتحاد مدني يحسم موقعة الوفاء... و«حمدا» يفتتح للزمالك في ليلة احتفاء بصنّاع المجد    ترامب: إيران ستقدم عرضا    سلفاكير إلى أديس أبابا..ورئاسة الجمهورية تكشف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    تُرى من يقف وراء هذا الخلاف العجيب؟!    الزمالك يتفوق على بيراميدز في المواجهات وفارق الأهداف قبل صدام الليلة    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    ليست حموضة عادية.. دراسة تكشف علامات مبكرة لسرطان المرىء    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    شاهد بالفيديو.. الجاكومي: (قابلت حمدوك في برلين وبادر بالسلام وقال لي نحنا مختلفين سياسياً لكن حب المريخ يجمعنا)    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    ترامب: استخراج اليورانيوم المخصّب من المنشآت النووية الإيرانية ستكون عملية صعبة    ارتفاع في وارد محصول الذرة وانخفاض في الأسعار بالقضارف    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة    عاجل..إيران: فتح كامل لمضيق هرمز    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهوية العربية والإيديولوجية في السودان: سياسة اللغة والهوية والعرق .. ترجمة وتلخيص: بدرالدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 23 - 08 - 2014

Arab Identity and Ideology in Sudan: The Politics of Language, Ethnicity and Race
هيزر شاركيHeather J. Sharkey
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
************* ********** ***************
تقديم:هذا تلخيص موجز لبعض ما جاء في مقال للدكتورة الأمريكية هيزر شاركي الأستاذة المتخصصة في تاريخ ولغات وحضارات الشرق الأوسط والأدنى في جامعة بنسلفانيا نشر في العدد رقم 107/ 426 من مجلة "شئون إفريقيةAfrican Affairs"في عام 2008م. والمؤلفة حاصلة على درجة البكالوريوس في الأنثروبولوجيا من جامعة ييل الأميركية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعتي درام البريطانية وبريستون الأميركية، على التوالي.وللكاتبة عدة مقالات وكتب عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر" و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر" و"تاريخ الصحافة العربية في السودان". وكنت قد عرضت لعدد من كتابات الدكتورة شاركي في مقالات مترجمة سابقة.
المترجم
********** ************** *****
جرت في ما هو الآن "السودان"، وعبر القرون، عملية تعريب انطوت على انتشار متدرج للهوية العربية وكذلك للغة العربية. وأصابت تلك العملية الثقافية نجاحا كبيرا، خاصة تحت ستارها اللغوي. وتواصل اللغة العربية، حتى اليوم، في التمدد والانتشار كلغة مشتركة (للتخاطب والكتابة الأدبية كذلك) لكثير من العرقيات المختلفة في أجزاء كثيرة من السودان. وعلى النقيض من ذلك فشل التعريب كسياسة لتحقيق الاندماج الوطني بعد نيل الاستقلال فشلا ذريعا. ولاقت سياسة التعريب تلك، والمفروضة مِنْ عَلِ، أشد المقاومة والمعاداة، بل وهددت وقوضت الوحدة الوطنية التي كان هي هدف الداعين لها في سنوات الخمسينيات قبيل الاستقلال، ومؤخرا منذ عام 2003م في دارفور.
وبدأ التعريب تاريخيا في بداية العهد الإسلامي مع تدفق العرب الرحل المسلمين. وتسارعت وتيرة التعريب بعد سقوط الممالك النوبية في بدايات القرن الرابع عشر حتى قيام سلطنة الفونج في وسط السودان الشمالي في القرن السادس عشر حيث رسخ التعريب وقوي عوده مع انتشار الثقافة الاسلامية. وازدادت معرفة السودانيين باللغة العربية مع انتشار الاسلام في البلاد، وذلك لسعيهم لقراءة وتدارس القرآن بلسان عربي (مبين)، ولأن اللغة العربية وفرت لهم، كما جرت عبارة جاك قوودي، "تكنلوجيا محو الأمية" لتسجيل صكوك الأراضي والأحداث المهمة والصفقات التجارية والمالية والسير الذاتية للشخصيات البارزة في المجتمع.
وأدى اعتماد المسئولين في الخرطوم للتعريب سياسة رسمية بعد منتصف القرن العشرين إلى اكتساب هوية عربية بعد أن بدأت العائلات في بناء أنساب عن طريق ما أسماه البعض "اختراع التراث" لتأكيد (وفرض) نسب منحدر من سلالة ذكور عرب خُلَّص من ذوي أصول كريمة. وانتشر التعريب في السودان بطريقين آخرين مميزين أولهما هم الرقيق المجلوب من أثيوبيا وجنوب السودان والمناطق الغربية حتى بحيرة تشاد، ومن أتى من أصلابهم، والذين اندمجوا ببطء في المجتمع كعائلات ومجتمعات حرة تتحدث العربية كلغة أم. وكان ثانيهما هم المجتمعات غير العربية مثل الفور والفولاني في دارفور، والذين جمعوا (وعلى مدي سنوات طويلة) أعدادا كبيرة من الماشية وأقاموا تحالفات مع الرعاة العرب مثل البقارة، وبدلوا - وعلى مدى سنوات طويلة- تقاربهم (أو إلفتهم) المجتمعية communal affinityعبر انماط استيطانية، وتصاهر، واستيعاب لغوي.
ويشمل تعبير "تعريب" طيفا واسعا من المعاني اللغوية والعرقية، وهي في حالة السودان معان يصعب التفريق بينها، أو تحديد مدى تداخلها،أو تاريخ حدوث تلاقيها واختلافها.
وعند استقلال السودان في الأول من يناير من عام 1956م كانت اللغة العربية هي لغة التخاطب الأوسع انتشارا في سائر ارجاء البلاد، غير أنها ظلت (وتظل) لغة من ضمن اللغات الأخرى التي يتحدث بها الناس في هذه الدولة الحديثة.
وأتت نتائج إحصاء عام 1956م (والذي جمعت فيه، ولأول مرة، بيانات عن أعراق ولغات سكان السودان) لتبين أن 3989533 من أصل 10262536 (أي نحو 38.8%) من السودانيين هم من العرب، ولكن أوضح ذلك الإحصاء أيضا أن نسبة الذين يتحدثون العربية كلغة رئيسة بلغت 51.4% (ولعل هذا يعد مؤشرا لاستمرار عمليات التعريب). واستغلت جماعات مختلفة المشارب والأهداف أرقام ذلك الإحصاء، كل بحسب هواه. ولم تجر كثير من الأبحاث عن الأوضاع اللغوية بالبلاد منذ الاستقلال، إذ أن التكوين اللغوي لابد أنه قد تغير، وربما كثيرا، منذ منتصف الخمسينيات (أشارت الكاتبة لكتابين في هذا الموضوع: كتاب للأمين أبو منقة صدر في ألمانيا في 1986م، وآخر لآن موسلي ليش بعنوان "السودان: هويات وطنية متنازع عليها".وجاء في مقال لسناء حمد في أحد المواقع الإسفيرية السودانية أن 19 مليونا الآن من أصل 30 مليونا في السودان يتحدثون العربية كلغة أولى، وأن البقية تتحدث العربية كلغة ثانية بعد اللهجات المحلية. ويجدر بالذكر هنا أن لعبد الله علي إبراهيم كتابا بعنوان "الماركسية ومسألة اللغة في السودان" صدر في الخرطوم عام 2001.المترجم).
ويكاد بحَّاث العلوم اللغوية والاجتماعية في العقدين الأخيرين للقرن العشرين يجمعون على أن الخارطة اللغوية للسودان قد تغيرت في أوجه ثلاث أولها هو أن كثيرا من لغات السودانيين (مثل لغة البونقو في بحر الغزال) لا يتحدث بها الآن أكثر من 2000 فردا، وهي متجهة للانقراض الكامل. وثانيها هو أن لغة المستعمر البريطاني (الإنجليزية) لم تعد هي اللغة الرئيسة للتعليم ما فوق المرحلة الابتدائية، وأن العربية حلت محلها في كل المراحل بقرارات متتابعة من عدة حكومات سودانية مختلفة. وثالثهما هو أن اللغة العربية في انتشار مستمر ومتزايد كلغة تخاطب في سائر أنحاء السودان (ويشمل ذلك الأطراف البعيدة مثل دارفور ومدن جنوب السودان كجوبا وواو، وعند اللاجئين الجنوبيين في الخرطوم، والمهاجرين من شمال نيجيريا من الفولاني والهوسا). وصاحب تزايد تمدد وانتشار اللغة العربية سياسة للتعريب وضعتها ونفذتها الحكومات الوطنية، ولاقت مقاومة تفاوتت مقدرا ونوعا في مختلف مناطق السودان. فرفض مثقفو الجنوب، على سبيل المثال، وخاصة بعد 1983م استخدام اللغة العربية كاللغة الرسمية الوحيدة بالبلاد. وصاحب تلك الدعوة تزايد في اعداد الجنوبيين الذين تنصروا، كتعبير عن رفضهم للتعريب، والذي عدوه محاولة لإدخالهم للإسلام عنوة. وفي أطراف السودان المسلم في الشرق والغرب تزايدت شكوى المثقفين والقادة المحليين من احتكار الوسط النيلي للسلطة والثروة والموارد، وسوء معاملة رموزه لأبناء الأطراف (أوردت الكاتبة هنا في أحد مراجعها ما ذكره شريف حرير في كتاب له صدر في 1994م بعنوان "إعادة تدوير التاريخ في السودان Recycling the past in the Sudan " عن أن أحد مدراء جامعة الخرطوم – من السودان النيلي- ذكر لأحمد إبراهيم دريج أنهم يحبون "الغرابة البسطاء"، ولكنهم لا يحبون مثقفيهم). وترجمت نقمة هؤلاء إلى حركات سياسية إقليمية معارضة (مثل مؤتمر البجا الذي تكون في 1957م). وأكد كل ما ذكر أن تمدد وانتشار اللغة العربية لم يصاحبه بصورة حتمية قبول بالهوية العربية. وأفضل مثال لهذا هو اتخاذ الكثيرين في الجنوب ل "عربي جوبا" كلغة مخاطبة مع الرفض التام لوصفهم بالعرب.
ويزعم كثير من البحَّاث والخبراء في الشأن السوداني (من أمثال أوفاهي وشريف حرير واليكس دي فال وأمير إدريس وغيرهم) أنه، ومنذ منتصف الثمانينات، فإن العروبة Arabism قد غدت أكثر حدة كأيديولوجية عنصرية في دارفور، وأورد الكس دي فال لذلك مثلا بما صدر من بيان منسوب لما سمي ب "التجمع العربي" (وهو تنظيم مسنود من ليبيا) في 1981م جاء فيه أن "الزرقة قد حكموا دارفور بما فيه الكافية، وأنه قد آن الأوان للعرب أن يحكموا أيضا ولو بقوة السلاح...". ويرجع كثير من المؤرخين جذور المشكلة والصراع على الثروة والسلطة بين المركز ومناطق السودان الطرفية إلى تاريخ طويل من العبودية (أوردت الكاتبة هنا ما يقال عادة في مثل هذه المواضع من استخدام الكلمة المرذولة "عبد"، وما وصفه المثقف الشمالي منصور خالد ب "سلسلة من الكلمات المسيئة الأخرى، والتي يتحرج المرء من كتابتها على الورق").
إن ارتباط السودنة أشد الارتباط بالنخبة العربية في السودان واحدة من غرائب التاريخ. فعقب إزاحة الغزو البريطاني – المصري للحكم المهدوي في 1898م لم يكن هنالك ذكر لما يسمى "العرب السودانيين" في أوْساط المسلمين في السودان النيلي. ففي ذلك الوقت كان كون المرء عربيا كان يعني أنه مسلم، وكونه عربيا كان يعني أيضا أنه حر، وكانت صفة "عربي" (خاصة لمن يدعي نسبا رفيعا) تعني أن لحاملها وضعا متميزا جدا في المجتمع (ومن جهة أخرى، لعل بعض المخضرمين من سكان قرى السودان الشمالي يتذكرون أن اطلاق كلمة "عربي" على أي فرد في اللغة الدراجة كانت يرد في معرض التقليل من القيمة والشأن، والاتهام بالجهل أو البداوة أو السذاجة أو قلة الحيلة، فيقال مثلا: "زول عربي ساكت". المترجم). وعلى النقيض من وضع "العرب المسلم" فقد أكسب التاريخ الطويل لتاريخ الرق كلمة "سوداني" (وهي ترد للون الأسود، وترتبط عند الجغرافيين من العرب ب"بلاد السودان" وهي مناطق أثيوبيا وغرب أفريقيا مثل السنغال) بمعان تفيد بأن "السوداني" هو من غير العرب (بكل ما يترتب على ذلك من نتائج وتوصيف!)، وفي هذا تأكيد على تصنيف عرقي في السودان وجده الحكم الاستعماري قائما، وحافظ عليه (لأسباب كثيرة بعضها سياسي وبعضها اجتماعي)، ورغم قيامه بإلغاء تجارة الرق رسميا بعد عام من احتلال السودان إلا أنه لم يشجع أبداعلى المساواة egalitarianism بين أفراد الشعب بجنسيه (في التعليم وغيره)، وساق ودفع ب"السودانيين" (أي السود) و"المنبتين قبليا" للأعمال اليدوية والجندية، وخصص كل فرص التعليم والقيادة لأبناء العرب الذكور من "العائلات المعروفة". ويجب هنا ذكر أن الضباط والجنود(وغالبتهم من هؤلاء "المنبتين قبليا") والذين كانوا ينقلون دوما لمناطق السودان الطرفية البعيدة عن مدن الوسط لعبوا أدوارا مهمة في نشر الثقافة العربية في المناطق التي نقلوا إليها. فهم من أدخلوا العربية في جنوب السودان (مثل "عربي جوبا") لمناطق لم تكن لتدخلها، وأدخلوا كذلك عربية "كي نوبي Ki-Nubi" في أوغندا وكينيا.
يعد هارولد ماكمايكل (1882 – 1969م) من أكبر دعاة السياسة العروبية في نظام الحكم الثنائي البريطاني – المصري، ومؤلف أهم الكتب في ما نحن بصدده وهو كتاب: "تاريخ العرب في السودان، مع رصد لمن سبقهم وللقبائل التي تقطن في دارفور" والذي صدر في عام 1922م، وهو كتاب يبحث في صحة (أو بطلان صحة) أنساب السودانيين العربية، وأثار كثيرا من شهقات الإعجاب عند البعض، وصيحات الاستنكار عند البعض الآخر. ووصم المؤرخ جيي سبويلندق السير ماكمايكل بأنه "... عنصري يؤمن بأن سلوك من يعهد إليهم بوظائف في إدارته (الراشدة؟) يعتمد في الأساس على أصلهم ونسبهم ..." (تعرض عبد الله علي إبراهيم بالذم لماكمايكل هذا في أحد مقالاته المنشورة في موقع سودانايل فكتب يقول:" فأنظر بالله عليك هذا الحداثي الغربي ماكمايكل حامل نيشان مهمة الرجل الأبيض الداعية إلى سواسية الناس يخوض في هذه الجاهلية النتنة كمحتكر علم الأنساب الصواب. بخ بخ. ومثل حيرتنا في الرجل النمَّام هذا ما أحسن التعبير عنه المتنبئ حين قال:ونبطي من أهل السواد يدون (؟) أنساب اهل الفلاة.... وقدم عبد الله جلاب تفسيرا مبتكرا لنهج ماكمايكل، ولأسباب ونتائج تبني "العروبة" عند البعض وذلك في كتابه "مجتمع مدني مؤجل: قبضة العنف الثلاثية في السودان".المترجم). وكانت لسياسات مثل التي تلك التي دعا لها ماكمايكل أثارا سياسية مهمة وخطيرة في أمر التعيين في الوظائف الحكومية، إذ بموجبها كانت الأولوية في التعيين تعطى لذوي الأنساب العربية على حساب غيرهم (حتى المجيدين للعربية منهم إن كانوا من أصول مسترقة، وغير العرب وغير المسلمين كالدينكا مثلا) مما كان له أخطر النتائج على مجمل السياسات الوطنية بالبلاد.
وكان النوبيون الذين يقطنون في القرى الواقعة شمال الخرطوم وحتى حدود مصر هم المجموعة غير العربية الوحيدة التي أفلحت في الروغان من السياسة البريطانية التي كانت تؤثر تعيين ذوي الأنساب العربية على غيرهم من السودانيين. فرجالهم كانوا يتحدثون في بيوتهم بلغتهم الأصلية، إلا أنهم كانوا مجيدين أيضا للعربية. ووصفت الباحثة سوندرا هيل هؤلاء النوبة في رسالتها للدكتوراه بعنوان "هوية النوبيين المتغيرة في الخرطوم" بأنهم "... صفوة عجيبة stranger elite في المدن السودانية، فهم أمهر من غيرهم من غير العرب في الاندماج الاجتماعي واللغوي في أوساط العامة والمثقفين العرب السودانيين في المدن المختلفة...".
ولم يظهر في السودان تعبير "عرب السودان" إلا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي عبر موجات (جديدة) من الأدب العربي، ومع تغير النظرة لكلمة "سوداني"، والتي صارت تقبل كصفة لأهل البلاد المستعمرة المسماة "السودان" تميزهم من بقية القاطنين في دولة الحكم الثنائي. وتبنى المثقفون الوطنيون هذا المسمى كعلامة ل"هوية وطنية" دون أن يزيل ذلك بالضرورة الوصمة (التاريخية) التي كانت تلصق كلمة "سوداني" بالعبودية. وبدأ المثقفون السودانيون العربفي تلك السودان رحلة البحث عن "أصالة محلية" فوجدوها في تمجيد العادات والتقاليد المحلية وحياة الرعي والبداوة وحسن طبيعة (وجمال نساء) البادية، والتأكيد على أن عادات وتقاليد سكان السودان هي عادات تليدة وتقاليد عربية راسخة من قبل ظهور الاسلام، وكأنهم بذلك يقولون للعرب الآخرين أن السودان قد بز العرب الآخرين بحفاظه على الموروثات الثقافية بأكثر مما فعلوا هم، وأن العربية الدارجة في السودان هي الأقرب للغة الفصيحة (وهذا ما ورد في رسالة دكتوراه أستاذنا الفاضل في المرحلة الثانوية يوسف عمر بابكر عن "حركة الفجر ومكانتها في الأدب السوداني المعاصر"من جامعة أدنبرا عام 1979م. المترجم)
ففي عام 1927م أطلق الشاعر (النوبي الأصل) حمزة الملك طمبل دعوة لأن يكون للسودان أدب عربي خاص به يتناول قضايا المجتمع السوداني وعاداته ومشاكله، فأثار بذلك في البدء غضب الكثيرين ممن استنكفوا الصاق الشاعر النوبي كلمة "سوداني" باللغة العربية النبيلة في كتابه "الأدب السوداني وما ينبغي أن يكون عليه". وتناوشه بالنقد المرير بعض النقاد المصريين لكثرة الأخطاء اللغوية في كتاباته (كما ورد في "تاريخ الثقافة العربية في السودان" لعبد المجيد عابدين).
وفي الأربعينيات بدأ المثقفون الوطنيون في التأكيد على تميز السودان ثقافيا، وقدموا نظرية التهجين (الهجين) العرقي ethnic hybridityلعرب السودان. وكان لتوقيت تلك النظرية أهمية كبيرة إذ أن استقلال البلاد كان يلوح في الأفق، وكان الشماليون المتعلمون (كعرب ووطنيين وموظفين في خدمة الحكومة الاستعمارية) كانوا في أمس الحاجة لتبرير ادعائهم بالرغبة والقدرة على تسلم السلطة في مستقبل قريب. وبعبارة أخرى، كانوا يريدون أني ظهروا (للكل) أن لديهم رؤية لكامل تراب المستعمرة، ورسالة لتولي زمام القيادة. ووصف محمد أحمد المحجوب في "نحو الغد " عام 1941م السودان بأنه:"إرث أجيال متعاقبة للموروث والمكتسب والمختلط... وهو نتاج امتزاج الزنوج السود مع المهاجرين العرب، وأيضا الترك والآسيويين والحبوش والمصريين والنوبيون والمغاربة..." . وكان من رأيه أن التفوق الثقافي لتلك "الخلطة" ناتج عن المنطق والذكاء والشجاعة المتأصل في الدم العربي، مما يستوجب الاعتماد على التراث العربي – الإسلامي في مسيرة التطور الوطني. وفي عام1949م صرح عبد الرحمن علي طه (وزير التربية والتعليم فيما بعد) أن السودان قطر واحد وله مجموعة واحدة من المؤسسات الحزبية، وهذا يعني ضرورة أن تكون له لغة يفهمها كل السكان، وليس هنالك من لغة يمكنها أن تفهم في كل أرجاء السودان غير اللغة العربية، فلهذا يجب أن تدرس هذه اللغة في كل مدارس السودان. وعند رحيل المستعمر البريطاني في الخمسينيات، وجد الوطنيون (والذين كانوا ينتظرون وراثة النظام الاستعماري) فرصتهم لإنزال أفكارهم على أرض الواقع.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.