تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معاوية نور: هل غار منه الطيب صالح أم خشي على مواقفه منه؟! .. بقلم: د. النور حمد
نشر في سودانيل يوم 14 - 12 - 2009


[email protected]
لربما استغرب البعض عنوان هذه الحلقة، إذ كيف يغار الطيب صالح، وهو الذي أطبقت شعرته الآفاق، من معاوية محمد نور، الذي لم يلتفت إليه السودانيون، إلا بعد وقتٍ طويلٍ جداً من وفاته؟! وحتى بعد أن تم الالتفات إليه، ظل الاحتفاء به محدودا وسط فئة المثقفين السودانيين، إضافة إلى قلةٍ قليلةٍ جدا من كبار المثقفين المصريين. غير أن الذي دعاني إلى الإشارة إلى احتمال وجود "غيرة" لدى الطيب صالح من معاوية، هو ما ألمح به الأستاذ السني بانقا، وهو يعلق على ما سمعه من الطيب صالح مباشرة، وهو يقول له إن معاوية كان يتعالى على كبار الكتاب المصريين. إضافة إلى ما أشرت إليه في مقالة الأسبوع المنصرم، من أن الطيب صالح كرر، بشكل ملفت للنظر، القول بأن معاوية "فشل" و"انهزم"!. ويرى السني بانقا أن بعضاً من آراء الطيب صالح في معاوية آراء لم يحالفها الصواب. وعزى السني، وهو يلخص ما جرى بينه وبين الطيب صالح في ذلك الصدد، إلى أن الغيرة الأدبية ربما دفعت بالكاتب إلى إطلاق أحكامٍ مجافية للصواب أحياناً. قال السني: ((ولكنني أردت ألا أستبعد أن يكون الطيب صالح قد شعر ب "الغيرة الأدبية" عندما قرأ كتابات معاوية، وإطراء العقاد له في رثائه)). (السني بانقا، معاوية نور، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2006، ص 114). وقد أشار السني، علي سبيل المثال، إلى الغيرة التي كانت ناشبة بين العقاد وطه حسين، وأشار إلى أن العقاد انتقد عبد الله الطيب بعد إصدار كتابه "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها"، لأن الدكتور طه حسين احتفى بالكتاب احتفاءً كبيراً، وقال في المقدمة التي كتبها له قائلاً: ((هذا الكتاب ممتع إلى أبعد غاية الإمتاع، لا أعرف أن مثله أتيح لنا في هذا العصر الحديث)). فعبارة طه حسين القائلة بأن كتاب "المرشد" كتاب لا شبيه له، ربما تكون هي التي أثارت غيرة العقاد، ودعته إلى أن يقول: إن مؤلفه ذو ذكاء وفطنة ولكن تعوزه "الحاسة الفنية". وعموما فالغيرة والتنافس الحاد بين العقاد وطه حسين أمر معروف. ويرى السني، أيضاً، أن انتقاد عبد الله الطيب لابن الرومي ربما يكون هو الذي أثار حفيظة العقاد الذي له رأي حسن في ابن الرومي، ضمنه في كتابه "حياة ابن الرومي". (المصدر السابق، ص 113).
من جانبي، أميل أكثر إلى القول بأن الطيب صالح لم تأخذه الغيرة من معاوية، فالطيب صالح قد نال من المجد والشهرة، والقبول بين الناس، ما لا مطمح وراءه لطامح، ولكني أرجح أن الطيب صالح ظل مهموماً ومُهَجَّسَاً بنموذج معاوية. فمواقف معاوية وخياراته النارية قد مثلت في جملتها النقيض لمواقف الطيب صالح وخياراته. فقد اتسمت مواقف معاوية بالمبدئية، والقدرة على المواجهة، والاستعداد لخسارة كل شيء في سبيل الموقف والخيار الحر، في حين ظل الطيب صالح وسطياً، قليل التعليق على ما يدور حوله من شؤون السياسة، حتى في بلده السودان، حريصا على أن تظل حبال وُدِّهِ ممدودة للجميع، دون استثناء. وحياة معاوية كانت كلها صداماً مع المحيط. وقد شمل ذلك الصدام أسرته ومحاولتها الاختيار له بالنيابة عنه، وشمل صدامه المستعمر والقالب الذي أراد أن يصب فيه ناشئة المتعلمين السودانيين، محددا سقفاً لتطلعاتهم، ما كان يود لهم أن يتجاوزوه. كما شمل صدام معاوية رموز وقته، من كبار الكتاب في مصر. وهكذا ظل معاوية معتدا بنفسه، مستقلاً في آرائه، مواجهاً، يحارب على جميع الجبهات، حتى أدركه الموت في تلك السن المبكرة. هذا النهج الملحمي، وهذا الأسلوب الحياتي، هو ما لا يميل إليه الطيب صالح، فيما أرى. ولست هنا بصدد إطلاق حكم تفضيلي، أرجح به كفة معاوية على كفة الطيب صالح، لمجرد أن معاوية اختار نهج الصدام على نهج المهادنة. فإشكالية الصدام والمهادنة إشكالية معقدة ولا يمكن اختزالها في مجرد إطلاق الأحكام. وعموما الطيب صالح رجل ذكي، واسع الإدراك، ومن يقارب آراءه لابد له من الروِيّّة، ومن اصطحاب حقيقة قامته السامقة، وذكائه، وسعة أفقه المعرفي.
ينصب غرضي من هذا المقال في محاولة المقاربة النقدية التي تهدف إلى إضاءة إشكالية خياريْ الصدام والمهادنة، وإلى فحص أوجه الخيارين. كما تهدف أيضا، إلى إضاءة حدود المسؤولية الأخلاقية للكاتب الكبير، ذي المكانة المُجمع عليها. وبطبيعة الحال فإن الصدام والمواجهة ليسا مطلوبين دائما، غير أن هناك من المنعرجات والأحوال التي يصبح فيها الصدام والمواجهة خياراً لا محيص عنه. والذي دعاني للتعرض لخيار الطيب صالح للمهادنة، إنما هو إطلاقه حكماً على معاوية، وعلى خلاصة تجربته الحياتية، واصفاً إياها ب "الفشل" وب "الهزيمة". وقد ناقشت ذلك بما يفي بالغرض في الحلقة السابقة، وقلت أن الطيب صالح أطلق حكما تفضيلياً على معاوية، أعلى فيه من شأن انصياع المحجوب لخيار الإنجليز بدراسة الهندسة، ومن خضوع التجاني يوسف بشير لأبيه، الذي أعاده من محطة السكة الحديد في الخرطوم، كسير الخاطر، إلى أمدرمان، بعد أن عقد العزم على الذهاب إلى مصر.
نعى الطيب صالح على معاوية اعتداده بنفسه وإصراره على خياراته، ولا مبالاته بالعواقب التي تترتب على خياراته. وعموماً فإن ما جرى به قلم الطيب صالح في حق معاوية نور، يوحي باعتقاده بأن معاوية كان متطرفاً، وجانحاً. ولو وقف الطيب صالح موقفاً محايداً من الخيارين خيار المهادنة وخيار الصدام وقال إن من الناس من يميل بطبيعته إلى الصدام، وإن منهم من يميل بطبيعته إلى المهادنة، لكان موقفه أفضل في نظري. فالطيب قارئ واسع القراءة، وهو عارف بأنماط الشخصيات الاستثنائية، خاصة المصلحين، والأدباء، والفنانين، وغيرهم من الأفراد الطليعيين الذين يستعصون على الانصباب في القالب، والذين لا يملك الفرد منهم، بحكم الطبيعة المودعة فيه، خياراً غير خيار مناهضة السائد، وقلب الطاولة عليه. ولقد ألفتت انتباهي إشارة الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي لكل من معاوية نور، والشيخ بابكر بدري بوصفهم علمين من أعلام التنوير لدينا. (صحيفة الأحداث، 9 ديسمبر 2009). غير أن الطيب صالح تجاهل معرفته بالشخصيات الاستثنائية، وذهب ليقدم تلخيصاً لحياة معاوية واضعاً كل خلاصتها النفيسة في جرة "الفشل" و"الهزيمة"، وهذا أمر بالغ الغرابة!! فذلك التلخيص لا يشبه عقل الطيب صالح، وقدراته العالية، وقراءاته الواسعة، ومعرفته بتاريخ الأعلام من البشر. ولقد دعاني كل ذلك، إلى التساؤل عن السبب الذي أوقع الرجل في تلك الكبوة. فهل كان انسياقاً وراء القلم بغير روية، أم أن و راء الأمر رأي محسوب يقف وراء صراع داخلي من نوع ما؟
كتب حسن موسى، في مقالته الشيقة، ((دليل الفالح في استخدامات الطيب صالح)) ما يلي: ((دفعني لكتابة هذه الكلمة كم الملاحظات الأخيرة في خصوص موقف الطيب صالح من القائمين على أمر نظام الجبهة الإسلامية في الخرطوم. وهو موقف أثار حسرات السودانويين من كل المشارب (والمآكل) الذين "قفلوا" في رطانة لاعبي الورق على الطيب صالح وعلقوا أمرهم من عَصَبَتِهِ بغير مسافة نقدية تؤمنهم ضد الانجراف وراءه في رمال السياسة السودانية المتحركة التي يسوح الطيب صالح فيها بلا خارطة)). انتهى. (الموقع الإليكتروني: "سودان فورآل دوت أورج"). فالمسافة النقدية، كما تفضل حسن موسى، ضرورية لكونها تؤمن لنا فرصة التأمل وفرصة تقليب الخيارات وفحصها. كما تجنبنا مغبة الانسياق الأعمى الذي يخلط الأوراق ويتسبب في ضياع البوصلة. فمن ناحيةٍ، يمثل الطيب صالح، في مصنفاته، قوة وجدة الفن الروائي، ورهافة الحس الإنساني، وطلاقة الشاعرية، ودفق طاقة الإلهام العالية، التي تُعدي كل من يقرأ سطوره. ولكنه يمثل من الناحية الثانية الكاتب المهادن، الميال إلى قبول المتشكِّل السائد، لا في صورته التي يمثلها الوعي الجمعي، الشعبي، القاعدي، وحسب، وإنما أيضاً في صورته السلطوية القامعة لخيارات الآخرين، ولتطلعاتهم للحرية وللكرامة الإنسانية.
ظل الطيب صالح مقبولاً قبولاً استثنائياً، حتى لدى أكثر الحكام العرب محافظة، وأشد الأنظمة العربية تنكراً للحقوق الأساسية لبني البشر. وما من شك أن الطيب صالح رمز عربي كبير، وهو كرمز عربي أيقوني ICONIC ، أصبح مصدر فخرٍ لكل أهل الثقافة العربية. غير أن الطيب صالح لم يوظف تلك المزية التوظيف الأمثل، فيما أرى، وإنما وظفها ليضع ذاته فوق أتون الصراع والتناقضات. كان من الممكن أن يجعل الطيب صالح من تلك الوضعية المتميزة، وذلك القبول العام، سلطة أخلاقية مؤثرة في نصرة المظلومين، ولكنه حرص أكثر على استخدامها في وجهة أرى أنها انحصرت في مجرد تحقيق "البريستديج" الشخصي، وفي وجهة ضمان استمرار حالة القبول العام، التي تمتع بها لعقود. كسب الطيب صالح بعبقريته الكبيرة وضعية أخلاقية مؤثرة كان في وسعه استخدامها في وجهة لجم جور الحكام، بالامتثال للأمر القرآني الخالد: ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، وأجعل لنا من لدنك ولياً، وأجعل لنا من لدنك نصيرا)) (النساء 75)، ولكن تلك الوضعية جرى تبديدها، في ما أرى، في جيوب جانبية، ضيقة، مغلقة.
ظل الطيب صالح يدعو ويروج ويعلي بالمسلك وبالقول لخيار المهادنة، والمرة الوحيدة التي جرى فيها قلمه ناقداً نظاماً سياسياً عربياً، إنما حدث في مقالته الشهيرة في نقد رجال حكومة الإنقاذ في السودان، التي اشتهرت ب: (من أين جاء هؤلاء الناس؟). فما أن صدع الطيب صالح بتلك المقالة المؤثرة، في تلكم الأيام حالكة السواد من أيام السودان، حتى سرت وسط السودانيين، وغير السودانيين، سريان النار في الهشيم. وغفر السودانيون للطيب صالح صمته الطويل. غير أن الطيب صالح لم يترك مقالته تلك لتثبت طويلاً في سجله الخالي من مقارعة الحكام! إذ عاد بعد سنوات ليزور السودان، ويلتقي بحكامه، ويتلقى منهم التكريم في لقاء بدا مرتباً، ومُعَدَّاً له. عقب ذلك اللقاء، تحدث الطيب صالح عن حكام السودان، الذين سبق أن هجاهم هجاءً مراً، ليصفهم ب "الطيبة"! وليقول ما يُفهم منه أنه فوجئ، بطيبتهم تلك، حتى أن من يستمع إليه يحس وكأنه يريد أن يقول إن أحداً ما قد ضلله بشأنهم! وبدا في عموم ما قاله، كمن يعتذر عن ما وصفهم به في السابق! وهكذا كسب الحاكم الداهية الجولة النهائية مع الكاتب الكبير، في نهاية المطاف! وخسر الأدب وسلطته الأخلاقية المفترضة، تلك الجولة الأخيرة، خسراناً مبينا!
يتضح من أقوال الطيب صالح المحسوبة بعناية شديدة، مما ظل ينثره هنا وهناك في فترات متباعدة، ومن تجنبه الخوض في أمور السياسة، إلا نادراً، أنه شخص يفضل التعامل مع ما هو متاح، بلا جنوح لاتخاذ المواقف التي ربما استلزمت تنكب مخاطر التضحية، التي تهدف إلى توسيع ماعون ذلك المتاح. فإن اتسع الماعون المتاح بالتطور الطبيعي، من تلقاء نفسه، أو اتسع بجهود وتضحيات الغير، فبها ونِعِمَّ، وإن لم يتسع، يُترك لمزيد من الزمن. ولقد سمعت الطيب صالح في نهاية الثمانينات في النادي الثقافي في مدينة مسقط بسلطنة عمان، وهو يرد على أحد السائلين، في محاضرة دُعي لإلقائها هناك، قائلاً: يريدون لي دور الكاتب الشهيد!! أما أنا فأريد أن أعيش أطول عمرٍ ممكن!! قال ذلك فما يشبه الانفعال وقلَّ أن ينفعل الطيب صالح ثم أتبع ذلك بقهقهةٍ، مجلجلةٍ، ساخرة.
ليس من السهل أن يختلف المرء مع الطيب صالح، فالطيب صالح عقل كبير، وقلب كبير، وروح كبير، أيضاً. وليس غرضي هنا محاكمته، وإنما ينحصر غرضي في الانتصاف لمعاوية محمد نور العبقري الاستثنائي، الذي لأمرٍ ما حاول الطيب صالح أن يضع حصيلة تجربته الحياتية الملحمية الثرية المنتجة في جرة "الفشل" و"الهزيمة". فما ضرَّ الطيب صالح، مثلاً، لو أنه قال إن معاوية قد خُلق أصلاً ليعيش تلك الحياة الملحمية القصيرة المنتجة، وأن ذلك النمط من العيش كان قدره الذي لم يكن يملك منه فكاكاً، وإنه لم يكن يملك، بحكم المزاج المودع في بنيته النفسية، خياراً آخر سواه؟! الشاهد أن الكتاب الذين نذروا أنفسهم للتضحيات، من شاكلة معاوية محمد نور، والأستاذ محمود محمد طه، وغيرهم من حملة الصلبان والأكفان، قد ظلوا يزعجون الطيب صالح، ويؤرقون مضجعه. فهو، فيما ظللت ألمس، لم يكن راضياً تمام الرضا عن خياراته الوسطية التوفيقية، وعن كونه ظل صديقاً حميماً جداً لكثير من الرؤساء والملوك العرب، بل وللمتأدبين والمتشاعرين من الأثرياء العرب أيضاً. وفي ما أرى، أن تلك الأمور جعلت الطيب صالح يؤثر الصمت، في أحايين كثيرة، كان يتوجب عليه فيها الصدع بقولة الحق. أخبرني الدكتور الباقر العفيف أنه سأل الطيب صالح، الذي كان قد زارهم بدعوة من السودانيين بمدينة مانشستر في انجلترا، قبل عدة سنوات، عن سبب صمته عقب اغتيال الأستاذ محمود محمد طه. وكان رده، حسب ما حفظته من رواية الدكتور الباقر العفيف: ((هذا هو الأمر الذي لن أغفر فيه لنفسي أبداً!!)). وتلك قولة نبيلة، لا شك، إلا أنها تبقى قولة محصورة في مجلس ضم بضعة أشخاص فقط في غرفة في دار.
نقوم الآن شخصي، وصديقي الأستاذ عبد الله الفكي البشير بإعداد كتابٍ عن الطيب صالح نناقش فيه قضية استخدام سلطة الأدب الأخلاقية المفترضة، من أجل دفع عجلة الوعي بالحقوق ودفع حراك التغيير. ويتوفر الكتاب على رصدٍ دقيقٍ جداً لسجل الطيب صالح من أقواله وسيرته. وليس الغرض من الكتاب محاكمة الطيب صالح، وإنما الغرض منه الاحتفاء بالطيب صالح، واستخلاص العبر من تجربته. فالطيب صالح يبقى، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، علماً من أعلامنا، وكنزاً ثميناً جداً من كنوز ثقافتنا الوطنية. فالغرض من الكتاب إنما هو إلقاء الضوء على السالب في بنية ثقافتنا، وفحص مكوناتها التي تؤثر علينا جميعاً، وبلا استثناء، وتجعل خياراتنا الأخلاقية ملتبسةً وغائمة. ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن يتم تحميل المسؤولية في اضطراب أحوالنا، لفردٍ واحد، أو لأفراد قلائل، خاصة في هذا المخاض الأليم، والطويل في آن معا، في مضمار بناء أمتنا، التي لم تتخلق ثوابتها بعد. فكلنا ضحايا لوضع موروث معقد يحتاج منا الكثير من البحث، ومن الصبر، ومن الأناة، ومن الحيدة العقلية. والأمر في عمومه، أعمق، وأعقد، من مجرد الصراع على السلطة، ومن مجرد التحزب بين موقعي الحكم، ومعارضة الحكم. فالفيل الحقيقي الذي يتوجب طعنه، إنما هو علل بنية ثقافتنا التي أنتجتنا. وما إخفاقات الأفراد، مما يتبدى لنا هنا وهناك، سوى الظل، الذي لا ينبغي أن يعمينا أبداً عن الفيل. قال السيد المسيح عليه السلام: ((وُضعت الفأسُ على أصلِ الشجرةِ، كلُّ شجرةٍ لا تأتي بثمرٍ، تُقطعُ وتُطرحُ في النار)).
صحيفة الأحداث 14 ديسمبر 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.