مجلس الوزراء يرفض بيان "مجلس شركاء الفترة الإنتقالية"    المريخ يسعى لحسم تأهله لدور ال32 بدوري الأبطال بمواجهة أوثو دويو الكونجولي مساء اليوم الجمعة    يوميات محبوس (11) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    زمن التوم هجو ! .. بقلم: زهير السراج    غاب الإمامُ .. بقلم: عباس أبوريدة/الدوحة    قصة أغنية بدور القلعة: حسناء القلعة تهزأ بالشاعر أبو صلاح: الأغنية التي أشعلت التنافس بين وردي ومحمد الأمين! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وقفة وفاء وتحيه النور إشراقه منسية في عوالم الصوفية ! .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / لندن    قراءه منهجيه لإشكاليات الفكر السياسي السودانى .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    عمليات تهريب في انتاج الذهب بشمال كردفان    بدء الإنتاج النفطي بحقل الراوات    200 مليار جنيه عجز الموازنة الجديدة    النائب العام يشدد على بناء أجهزة عدلية قادرة على القيام بمهامها المقررة في الوثيقة الدستورية    أقر بوجود لقواته بليبيا وينفي مشاركتها في الحرب: مني يتبرأ من دعوة المصالحة مع الاسلاميين ويصفهم بالسيئين    وزير الصحة يعلن عن ترتيبات لتوفير الأدوية    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ارهاصات العلمانية وتطور العلوم والنزعة الانسانية في الحضارة الغربية (1/2) .. بقلم: د. أمين حامد زين العابدين
نشر في سودانيل يوم 31 - 08 - 2019

فيما يلي الفصل الخامس من كتاب الحضارة العربية الاسلامية وعوامل تأخرها الصادر في يوليو 2019 والذي يحاول تقديم تفسير لظاهرة تأخر الحضارة العربية الاسلامية من منظور مقارن مع الحضارة الاوروبية المسيحية يساهم في استجلاء العوامل التي أعاقت استمرارية التقدم الحضاري للمجتمعات العربية الاسلامية منذ القرن الرابع عشر وافلحت الحضارة الاوروبية في تجاوزها مما ساعدها في النهوض من كبوتها منذ القرن السادس عشر بعد تخلف عن ركب الحضارة الانسانية دام لفترة طويلة تعرف في تاريخها بفترة العصور المظلمة او العصور الوسطي.
توجد نسخ من الكتاب في مكتبة دار الحكمة ، ارلينجتون بولاية فيرجينيا وسيتم توزيعه عما قريب في المكتبات السودانية.
في الوقت الذي اضمحل فيه الاهتمام بالفلسفة في الحضارة الاسلامية بعد سيادة المذهب الاشعري الذي ناصبها العداء وهجوم الغزالي ضد الفلاسفة واضطهاد ابن رشد وسجنه واحراق كتبه في اواخر القرن الثاني عشر بعد محاولته التنبيه علي اهميتها ورد الاعتبار اليها، ازدهرت الفلسفة في اوروبا المسيحية بعد تشجيع توماس الاكويني علي الخوض فيها بحرية وتمييزه بين مجالها ومجال الوحي وعلم اللاهوت وطرحه مع الفلاسفة الذين ظهروا بعده العديد من الافكار والآراء الأصلية في الميتافيزيقا والمنطق والاخلاق والفلسفة السياسية . وكان لازدهار النشاط الفلسفي اكبر الأثر في تطور اهم الركائز التي استندت عليها نهضة الحضارة الاوروبية المسيحية منذالقرن السادس عشر وهما العلوم الطبيعية التي ادت الي الثورة العلمية والفلسفة السياسية التي شجعت علي ظهور نظام سياسي مستقر يمنح السيادة للمواطنين لانتخاب ممثليهم لمشاركة الحكام في ادارة شؤون الدولة وسن القوانين .
كان من اهم خصائص نظام الحكم في اوروبا في العصور الوسطي التمييز الواضح بين سلطة الدولة التي يتزعمها الامبراطور والملوك في الاقطار الاوروبية المختلفة ويختص بتنظيم شؤون المجتمع الدنيوية والاجتماعية والاقتصادية والسلطة الدينية التي تجسدت في مؤسسة الكنيسة التي يتزعمها البابا لرعاية شؤون المؤمنين الروحية والدينية . وتميزت العلاقة بين هاتين المؤسستين بالتوتر والنزاع بينهما بسبب محاولات تغول احدهما علي صلاحيات الآخري مثل احتجاج البابا جريجوري السابع في النصف الثاني من القرن الحادي عشر علي تدخل الامبراطور في تعيين الأساقفة في المناصب الشاغرة كما ذكرنا في الفصل السابق . وبدأ علماء اللاهوت تناول مسألة العلاقة بين الدين والدولة من منظور فلسفي عقلاني بعد اعادة اكتشاف اعمال ارسطو الفلسفية وتدريسها في الجامعات منذ القرن الثاني عشر . واستهدي توماس الاكويني في صياغة نظريته السياسية بكتب ارسطو في السياسة والأخلاق والتي اكدت له قدرة العقل الانساني في الحضارة اليونانية القديمة في ابتداع نظم مختلفة للحكم ودساتير لتحكم اعمالها بهدف تنظيم شؤون المجتمع لتحقيق غاية ما يطمح اليه الانسان في السلام والسعادة . واعتقد مثل ارسطو ان الاجتماع البشري والحكم طبيعي اقتضته الطبيعة البشرية التي قادت البشر الي تأسيس المجتمعات ومؤسسة الدولة لتأمين انفسهم من مخاطر بيئتهم من اجل البقاء واختيار زعيم من بينهم يتمتع بالحكمة ليتولي حكمهم وتحقيق التعاون بين افراد المجتمع كل في مجال تخصصه من اجل رفاهية المواطنين وسعادتهم . ( F.Copleston,1985,p.416) . ورغم اعتراف الاكويني بأن مصدر نشوء الدولة طبيعي لقدرة العقل الانساني علي ابتداعها كمؤسسة ذات نفوذ مستقل لتنظيم حياة البشر ، الا انه اجتهد في تعديل افكار ارسطو لتنسجم مع معتقداته الدينية المسيحية باعتبار الدين المصدر الحقيقي والنهائي لنشوء الدولة. فجادل ان الارادة الالهية هي سبب وجود الدولة لأن مصدرها الطبيعة البشرية التي خلقها البارئ عز وجل وأودع فيها مسبقا هداية الانسان وارشاده للاجتماع وتأسيس الدولة لتحقيق غاية المجتمع في الخير المشترك لجميع اعضائه. ورغم اقراره ايضاً بأن الدولة بعد تأسيسها مجتمع كامل له مؤسساته المختلفة مثل الملك الحاكم وممثلي المواطنين لسن القوانين الوضعية لتنظيم شؤون المجتمع والقضاة لتنفيذ العقوبات ضد المجرمين لانتهاكهم القوانين والقوات النظامية لتأمين وحفظ الدول من خطر العدوان الخارجي، الا ان ذلك لم يمنعه من تأكيد ان مؤسسة الكنيسة مجتمع كامل ايضا تعلو علي مؤسسة الدولة لأنها تهتم برعاية ارواح المواطنين لتحقيق سعادتهم في عالم الغيب والفوز برضا الله والنجاة التي هي الغاية القصوي للانسان ولسيت السعادة الدنيوية كما اشار ارسطو . ( F.Copleston,1985,P.416) . وقال في هذا السياق " لأن الانسان لايستطيع تحقيق غاية التمتع برؤية الله والفوز برضائه بقدرته البشرية وانما بالقدرة الالهية طبقا لكلمات الانجيل " نعمة الله هي الحياة الازلية" عليه فان قيادة الانسان وارشاده لهذه الغاية هي من صميم اختصاص الحكم الالهي وليس حكم البشر الدنيوي ". (1985,p.416 Aquinas, De Regimen Pricipium,1,15.Cited in F.Copleston, F.Copleston,).
واستعان الاكويني بفلسفة ارسطو الاخلاقية لصياغة آرائه حول القوانين في اطار الدين المسيحي . واتفق معه بقدرة العقل البشري علي معرفة الحسن والقبيح والتمييز بينهما وصياغة مبدأه الأساسي الذي ينص علي فعل الخير و تجنب الشر والقبيح لأن الخير هو غاية ماتطمح افعال الانسان وسلوكه الي تحقيقه. (Aquinas, Summa Theologica a e.Cited in F.Copleston, 1985,p.406 ). وصنف الاكويني القوانين الي اربعة انواع : القانون الطبيعي، القانون الأزلي،القانون الالهي والقانون الوضعي. لذلك تستطيع الدولة سن القوانين الوضعية التي يحتاجها المجتمع لأن القانون حسب تعريفه "مرسوم وحكم للعقل من اجل الخير المشترك يقوم بوضعه الشخص الذي تعهد اليه مهمة حكم المجتمع ورعايته". (F.Copleston, 2001,p. 97). ولم يجعل للعقل البشري نفوذ مستقل مطلق لسن القوانين مثل ارسطو بل حاول ادراج القوانين الوضعية في اطار الدين طبقا لنظريته حول القانون الطبيعي الذي يربط كل القوانين بالاله الذي يتجسد في ارادته القانون الأزلي وانزل الوحي الذي يمثل القانون الالهي في التوراة والانجيل وخلق القانون الطبيعي والطبيعة البشرية وكل مخلوقات الكون. واعتبر الاكويني ان كل القوانين الوضعية مشتقة من القانون الطبيعي لأن المهمة الأساسية للمشرع البشري هي تطبيق قانون الطبيعة وذلك باستلهامه للقوانين التي تضطره الحاجة لاصدارها من القانون الطبيعي لتحقيق غاية الانسان في الأمن والبقاء. ( Aquinas,ST,I,a,II,ae 91,5.Cited in Copleston,1985,p.410) . ويضطر المشرع مثلا لاصدار قانون تفصيلي فيما يختص جريمة القتل المنافية لقانون الطبيعة وذلك بتعريفها وانواعها المختلفة وتحديد العقوبات التي يجب فرضها ضد من يقوم بارتكابها حتي لا يختل الأمن وتعم الفوضي في المجتمع.
( F.Copleston,2001,p.140) . ولا يحق للحاكم المشرع اصدار اي قانون مضاد للقانون الطبيعي ولايتوافق معه (مثل تقنين عبودية الانسان) والذي يعتبر في حالة صدوره تشويه لقانون الطبيعة وباطل. Aquinas,ST,Ia,II,ae,95.Cited in Copleston,1985,p.411) ) . وكما قال كوبلستون في وصفه لنظرية الاكويني حول صلة كل القوانين بالقانون الأزلي الالهي "بما ان الاله ازلي وفكرته عن الانسان وطبيعته ازلية ، فان سن القانون يعتبر ازلي كجزء من الاله رغم انه غير ازلي كجزء من المخلوق. فهذا القانون الازلي الموجود في الاله اصل واساس القانون الطبيعي ... ويتم التعبير عن القانون الطبيعي سلبيا عبر ميول واهواء البشر وايجابيا بسن القوانين التي تستهدي بضوء العقل لتحقيق غاياته. وتضمنت الكتب المقدسة القانون الالهي الذي اوحي به الله الي انبيائه ليلتزم به البشر لادراكه ان ميول الانسان واهوائه قد تضله عن السراط المستقيم باصدار قوانين ظالمة وباطلة.".) Cited in F.Copleston, 1985, p.409)
وتبني الاكويني التصنيف الارسطي لأنواع الحكومات وتقسيمها الي ثلاثة انواع حميدة تلتزم بحكم القانون وهي انظمة الحكم الديمقراطية والارستقراطية والملكية وثلاثة انواع رديئة وهي الديمقراطية الديماغوغية الغير مسئولة والاوليكارجية والاستبدادية. ( F.Copleston,2001,p. ). واعتبر ان افضل انواع الحكم هو الدستور المختلط الذي يقيد سلطات الملك بواسطة ممثلين يتم انتخابهم بواسطة المواطنين لكيلا يستبد بالأمر . ولم يحبذ الاكويني فصل الدين عن الدولة رغم اقراره بأن الدولة ذات نفوذ ومجال مستقل عن سلطة الكنيسة لاعتقاده بأن السعادة الأخروية وليست السعادة الدنيوية هي الغاية القصوي للانسان وهي من اختصاص الكنيسة التي تهتم برعاية ارواح المواطنين والتأكد من التزام الحكام وعامة الجمهور بأوامر الدين واجتناب نواهيه من اجل نيل النجاة والخلاص الأمر الذي يجعل سلطانها أرفع منزلة من الدولة وخضوع السلطة الدنيوية لها في حالة نشوب نزاع بينهما. وتجدرالاشارة الي ان اعتراف الاكويني بالقانون الوضعي وحق الدولة في سن التشريعات الدنيوية يختلف عن ماهو الحال في الحضارة الاسلامية حيث اعتبر الفقهاء ان القانون الالهي الذي تجسد في الشريعة هو القانون الوحيد وضرورة اشتقاق اي تشريعات يضطر الخليفة او الفقهاء الي اصدارها من القرآن والسنة لتكون في آخر الأمرجزء لايتجزأ من الشريعة وليست قوانين .
وبدأ التوازن بين سلطتي الكنيسة والدولة في الاختلال بعد نمو الوعي القومي في الأقطار الاوروبية المختلفة ونزعة ملوكها لممارسة سلطاتهم الدنيوية في بلدانهم بدون توجيه من الكنيسة والامبراطورية الرومانية المقدسة. ويتضح ذلك في النزاع بين ملك فرنسا فيليب الرابع والبابا بونيفيس الثامن في تسعينيات القرن الثالث عشر عندما فرض الملك الفرنسي الضرائب علي ممتلكات الكنيسة لتوفير الدعم المالي لحربه ضد انجلترا في تلك الفترة واصدار البابا لمرسوم يمنع الملوك والأمراء من فرض اي ضرائب علي الممتلكات الكنسية بدون موافقته وتهديد الأباطرة والملوك بطردهم من رحمة الكنيسة في حالة عدم طاعتهم لنص المرسوم البابوي وتفاقم الصراع بين الكنيسة والمملكة الفرنسية عنما اصدر البابا بونيفيس الثامن في نوفمبر 1302 مرسوم بعنوان "كنيسة واحدة مقدسة" حدد فيه بصورة مطلقة علو وسمو سلطة الكنيسة الروحية علي سلطة الملوك الزمنية. ومما جاء فيه"تؤول لنفوذ وصلاحيات الكنيسة كل من السلطتين الروحية والزمنية، وبينما ترعي الكنيسة الشؤون الروحية للمؤمنين ، يتولي الملوك والفرسان زمام السلطة الدنيوية ولكن بارادة القسيس لخضوع السلطة الزمنية للسلطة الروحية. فاذا ما اخطأت السلطة الزمنية وانحرفت عن جادة الصواب، يجب ان تكون السلطة الروحية القاضي والحكم علي أفعالها، ولكن اذا ماأخطأ الحبر الأعظم زعيم السلطة الروحية فان الله وحده وليس الانسان هو القاضي الذي يحكم علي أفعاله...". ) J. Ross and M. McLaughlin, 1949, pp.234-235). وتجدر الاشارة الي ان الراهب جون الباريسي قد اصدر كتابه "حول السلطة الملكية والبابوية" في عام 1303 لدحض المرسوم البابوي جادل فيه بأن المجتمع السياسي طبيعي ومتأصل في الطبيعة البشرية التي خلقها الله وله وجود مستقل بذاته قبل تأسيس المسيح لمؤسسة الكنيسة الأمر الذي ينفي ان الكنيسة هي مبرر وجود الحكم المدني. F.Copleston, 2001, p.174) ) . ورغم اعترافه بأن الكنيسة أرفع مقاما وأسمي مكانة من السلطة المدنية الا ان ذلك لا يعني بأن الحكم المدني مشتق من الكنيسة او خاضع لسلطانها ، كما لاتثبت حقائق التاريخ والجدال النظري خضوع ملك فرنسا ، بحكم منصبه كملك، للبابا رغم خضوعه كشخص مسيحي متدين للسلطة الروحية للكنيسة. pp.174-175) F.Copleston, 2001,) . وكان رد فعل فيليب الرابع علي اصدار البابا مرسوم بطرده من رحمة الكنيسة ارساله بعض اعوانه الي مقر البابا في ايطاليا حيث تمكنوا من الاعتداء عليه في قصره واعتقاله في 7 سبتمبر 1303، وتوفي بعد ذلك بشهرين بعد تهريبه من السجن بواسطة سكان المدينة. وانتخب الكرادلة بتأثير من ملك فرنسا كليمنت الخامس الفرنسي الأصل لتولي منصب البابا والذي آثر البقاء في فرنسا كما فعل البابوات الذين أتوا بعده وذلك بتأسيس مقر جديد للبابوية في افيغنون تحت سيطرة ملوك فرنسا الي عام 1376 بدلا عن مقرها التقليدي في روما وهي التي عرفت في التاريخ بالأسر البابيلوني للبابوية.
وتجدد النزاع بين الدولة والكنيسة في عام 1323 عندما رفض البابا جون الثاني وعشرين الاعتراف بانتخاب لويس البافاري امبراطورا للامبراطورية الرومانية المقدسة وأدانه لاعتقاده بضرورة خضوع الدولة لسلطة الكنيسة وموافقتها علي انتخاب الامبراطور. وأصدر مارسيليو اوف بادوا ( 1275-1342) الذي كان محاضرا في جامعة باريس بالتعاون مع زميله جون جاندون في عام 1324 كتاب "الدفاع عن السلام" لتأييد موقف الامبراطور واستهجانه لتدخل الكنيسة في شؤون الدولة بحجة عدم خضوعها لهيمنة الكنيسة واستقلالها عن سلطتها مما أدي الي ادانة البابا للكتاب في عام 1326 وهروب مارسيليو وجاندون من فرنسا واللجوء الي الامبراطور لويس البافاري في المانيا خشية اعتقالهم. وتأثرت النظرية السياسية التي طرحها مارسيليو في كتابه بالظروف التاريخية في عصره حيث شهدت دويلات المدن والجمهوريات في شمال ايطاليا، مثل فلورنسا وميلانو والبندقية التي ازدهر اقتصادها بفضل نشاطاتها التجارية الواسعة منذ القرن الثالث عشر، العديد من الحروب والاضطرابات بسبب تدخل البابا والقساوسة في شئونها الداخلية والتحالف مع بعض الدويلات ضد الأخري. لذلك كان موضوع تحقيق السلام وحفظه في الدولة من اهم القضايا التي تناولها في كتابه باعتباره العامل الرئيسي لتحقيق حياة الخير والفضيلة التي هي غاية الاجتماع السياسي وهدف تأسيس الدولة، بالاضافة الي تصوره لأنسب النظم السياسية لتحقيق هذه الغاية استهداء بتجارب مؤسسات الحكم في جمهوريات ودويلات شمال ايطاليا واقتراح السبل لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة.
تبني مارسيليو افكار ارسطو حول اصل الاجتماع المدني السياسي واعتبره طبيعي مصدره ارادة الانسان التي تم بمقتضاها تأسيس اهم عناصر ومؤسسات الدولة لأداء وظائفها. وتتكون هذه العناصر من الطبقات الاجتماعية التي وصفها ارسطو وهم طبقة الفلاحين والحرفيين والجنود المحاربين والمسؤولين عن الشؤون المالية ورجال الدين والقضاة والحكام. وربط وظائف الدولة بالأسباب الأربعة في فلسفة ارسطو : فالسبب النهائي لهذه الوظائف هي ان يكون المجتمع مكتفيا بذاته بتوفير كل حاجيات المواطنين. والسبب المادي هوالافراد الذين يقومون بخدمة المجتمع كل في مجال تخصصه ومهاراته، والسبب الشكلي الذي يحدد هيئة الأشياء ويتمثل في القوانين والتوجيهات التي يتلقاها المواطنين بفئاتهم المختلفة من السبب الفعال الذي يمثله المشرع البشري.( Marsilius Padua,Disc.1,c.7;2005). وألمح مارسيليو الي موقفه من وضع الدين في علاقته مع الدولة في بداية كتابه باشارته الي اهمية حصره في مجال اختصاصه وهو "تعليم وتوجيه المواطنين في المواضيع التي يحث الوحي علي الايمان والالتزام بها واجتناب النواهي لكي ينالوا الخلاص الأبدي ويتجنبوا الشقاء الأبدي."( Marsilius Padua,Disc.1,c.6,8 ). وطرح افكاره حول مفهوم القانون الذي يختلف عن آراء سابقيه كمدخل لدعم حجته بضرورة اقصاء السلطة الدينية من التدخل في شؤون الدولة المدنية التي يعتبر العقل والارادة البشرية أصل وجودها وليس الوحي الديني. واعتبر القانون مستمد من المعرفة العقلانية للوصول الي أحكام كلية تتسم بالعدل والانصاف لمنفعة الدولة و مصلحة المجتمع السياسي. (Disc.1,11) . كما اعتقد بضرورة تميز القانون بصفة الالزام وتطبيقه بواسطة الحاكم في الحياة الدنيوية بصورة قهرية بفرض الجزاء والعقوبات ضد من يقوم بخرقه وعدم الالتزام بأحكامه، اضافة الي محتواه المعرفي العقلاني، باعتبارهما المعيار الذي يميزهما عن القوانين الأخري وتكسبه التعريف الصحيح لمفهوم القانون ويصبح طبقا لذلك القانون الكامل.( Disc.1.10,5; Disc.2,.8,5). ويلاحظ ان تمييزمارسيليو للقانون الوضعي، الذي تتم صياغته عقلانيا، عن القانون الطبيعي يختلف عن رأي الاكويني الذي ربط كل القوانين الوضعية والطبيعية بالقانون الالهي الأزلي باعتباره مصدرها الذي تفرعت منه. ويتضح من وصفه للقانون الطبيعي انه مبهم وملتبس ذو معنيين ليس بينهما تطابق احدهما الذي يكون عليه اجماع لدي كل البشر في البلدان المختلفة مثل بر الوالدين او النهي عن نكاح المحارم وارتكاب جريمة القتل ويصدر الحكام في تلك البلدان القوانين اللازمة بشأنها. وينعكس معناه الآخر في ما تعتبره شعوب معينة أحكام يمليها العقل الصحيح بشأن سلوك وأفعال البشر في المجتمع ويتم ادراجها ضمن القانون الالهي رغم ان بعضها لايكتسب صفة الشمول والاجماع علي تطبيقها في كل المجتمعات الأمر الذي يجعل بعض الأشياء محرمة طبقا للقانون الالهي ومباحة وفقا لبعض القوانين الوضعية التي يسنها البشر.( Disc.2, 12, 9. ( ويعزي عدم تبني مارسيليو لتعريف الاكويني للقانون الطبيعي وطرحه معني له يتسم بالابهام والافتقار الي صفة القهر بتطبيقه في الحياة الدنيوية بفرض العقوبات ضد من لم يلتزم بأحكامه بواسطة الحاكم والقضاة الي حرصه لاعتبار القانون الوضعي القانون الكامل الوحيد الذي تتوفر فيه معايير المعني الحقيقي للقانون. وكما أشارت د. انابيل بريت" جادل مارسيليو بأن القانون الالهي الذي ينعكس في وحي الانجيل يختص حقيقة بسلوك وأفعال البشر الا ان قوته القهرية لاتصيبهم في حياتهم الدنيوية. وليس ذلك بسبب عجز الاله في العالم الدنيوي وانما بسبب ان رحمة المسيح قد سمحت للبشر امكانية التوبة حتي لحظة وفاتهم. لذلك فان القانون الالهي في هذه الحياة الدنيا محتوي معرفي صرف الأمر الذي لايجعله بالضرورة قانون قهري في المجتمع البشري."( Annabel Brett, 2005, p.22). واعتبر مارسيليو بأن مصدر القانون والجهة المختصة باصداره في المجتمع السياسي هو المشرع الذي يمثله مجموع المواطنين او مجموعة مختارة من بينهم ذات وزن وذلك بقوله"المشرع او السبب الفعال للقانون هو الشعب او مجموع المواطنين اوفئة منهم ذات وزن معتبر تصدر الأمر وتحدد،بواسطة انتخابات او خطبة في جمعية عامة للمواطنين،اشياء معينة يجب ادائها او الامتناع عنها بقوانين مدنية تنص علي ذلك وتتضمن الجزاء والعقاب الدنيوي".( Disc.2, 12, 8.). وترك لمجموع المواطنين او النخبة ذات الوزن التي تمثلهم الخيار لسن القوانين مباشرة او بواسطة انتخابهم لأشخاص لهم تجربة وحذق في مجال القانون لصياغة قانون معين"وعرضه لمجموع المواطنين او من يمثلهم من الصفوة ذات الوزن للتصديق عليه او رفضه حيث يمكن لأي مواطن ابداء رأيه اذا مااعتقد ان جزء من القانون المطروح يحتاج الي اضافة او حذف او تغيير او رفضه كلية حتي تكون نتيجة هذه العملية صياغة القانون بأعجل ما تيسر".( Disc.1, 13, 8 ).
ويتضح مفهوم السيادة الشعبية الديمقراطي في النظرية السياسية لمارسيليو في الدور الذي منحه للمواطنين للاشراف علي اجهزة الحكم التي تقوم بتنفيذ القوانين مثل السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. فبعد عرضه للدساتير التي ذكرها ارسطو وتؤسس بمقتضاها أنظمة الحكم المختلفة مثل النظام الملكي الوراثي والاوليجاركي والارستقراطي والديمقراطي ، تبني مارسيليو النظام الملكي الدستوري لتأثره بأوضاع عصره حيث كانت السلطة التنفيذية في دويلات وامارات شمال ايطاليا في يد الأمراء ،واقترح ان يكون منصب الامير خاضعا لسلطة المشرع والدستور لكي يقوم بأداء وظائفه من اجل رفاهية ومصلحة المواطنين.( McIlwin, 1932, p.301). كما قاده نفوره من انظمة الحكم الاستبدادية الي تفضيل انتخاب الامير بواسطة المواطنين لتولي السلطة التنفيذية بدلا عن ان يكون حكمه وراثياً.( Disc1, 15, 3). وبرر ذلك بقوله"بما انه يقع علي عاتق المواطنين تأسيس الهيئة التي يتم بمقتضاها تنظيم كل المعاملات المدنية بواسطة القانون،يتضح من ذلك ان من حق المواطنين أيضا تحديد نوع السلطة التنفيذية التي تؤدي مهمة تسوية الأعمال والدعاوي القضائية بين البشر طبقا لتلك الهيئة اي الامارة ومنصب الأمير الحاكم". (Disc.2, 12, 9) . واشترط ان يكون الأمير حصيفا ويتمتع بفضيلة العدل والوجدان السليم حتي يتم ضمان تنفيذه للقوانين بنزاهة والتغلب علي مايعتريها من نقص وعيوب.( Disc.1, 14.). ورغم ان للامير السلطة العليا في مجال تنفيذ القوانين والاشراف علي الجهاز القضائي والشؤون العسكرية،فقد تم اخضاع سلطاته للسلطة التشريعية حتي لايسئ استخدامها ويستبد بالأمر. وشرح في كتابه الخطوات القانونية التي يتم بمقتضاها ادانة وعقوبة الامير مثل توقيفه عن الحكم لفترة معينة او عزله في حالة خرقه للقوانين لضمان رفاهية المواطنين واستقرار النظام السياسي. Disc.1, 15, 2; 18, 3)). كما حدد مارسيليو سلطات الامير في الشؤون العسكرية بقوله"يجب ان يحدد المشرع القوات العسكرية للامير لتكون ضخمة لفرض العدل وحماية النظام السياسي ولكن ليس بذلك القدر الهائل الذي يغري الامير باستغلالها لمصلحته الذاتية ".( (Disc.1, 14, 8. )
وذكر مارسيليو عدة حجج لتأكيد ان نظام الحكم الذي يستند علي مبدأ السيادة الشعبية هو افضل النظم السياسية لتحقيق الاستقرار والسلام اهمها حجة الكثرة وهي ان اغلبية الجمهور تسعي دائما الي تحقيقق الخير المشترك للجميع حين اصدارها للقوانين ويكون حكمها في هذا الشأن دائما الأقرب الي الصواب.( Disc.1, 12, 6. ). كما اشار الي ان تنفيذ المواطنين للقوانين التي صاغوها بأنفسهم حتي لو اعترتها بعض العيوب افضل من فرض نظام قانوني عليهم يتسم بالكمال ولايتم تنفيذه ابدا او تطبيقه بطريقة غير صحيحة.( Disc.1, 12, 6. ). ويعتقد بروفسور بيونوديس ان نموذج نظام الحكم الذي طرحه مارسيليو في نظريته السياسية تتوفر فيه شروط النظام الديمقراطي الذي ساد منذ القرن التاسع عشر وهي "مشاركة المواطنين مباشرة في ممارسة السلطة التشريعية وبطريقة غير مباشرة في ممارسة السلطة التنفيذية باختيار شخص او اكثر من مسؤول تودع لديه مهمة وواجب تنفيذ القوانين".( F. Peondis, 2016, p.119.. (
وبعد ان شرح مارسيليو اهمية السلام لاستقرار الدولة وتأكيده لسلطة المواطنين في صياغة القوانين وانتخاب الحاكم للاشراف علي تنفيذها وعقاب كل من ينتهكها وان السمة القهرية للقانون الوضعي تجعله القانون الوحيد الذي ينطبق عليه التعريف الصحيح لمصطلح القانون،بدأ في الجزء الثاني من كتابه في طرح افكاره حول ضرورة خضوع سلطة البابا الدينية لسلطة الدولة والامير الدنيوية لتجنب الفتن والحروب التي يسببه تدخل البابا والكنيسة في شؤون الحكم الدنيوية. وذكر عدة حجج لدحض وتفنيد ادعاء الكنيسة بتمتعها بالسلطة المطلقة في المجالين الروحي والدنيوي العلماني كما ورد في مرسوم البابا بونيفيس الثامن في 1302 وطبقه عمليا البابا جون الثاني وعشرين في 1323 بادانته واعلانه بطلان انتخاب لويس البافاري امبراطورا للامبراطورية الرومانية المقدسة لأنه تم بدون استشارته وموافقته. فاستنكر ممارسة البابا والقساوسة مهام الأمير والقضاة المدنيين بتنفيذ قوانين قهرية ضد المواطنين لأن تنفيذ العقوبات في الحياة الدنيا هي من اختصاص القانون الوضعي كما اشار في تعريفه لمفهوم القانون الصحيح في الجزء الأول من كتابه. كما لايبيح له القانون الالهي بأن يكون قاضيا للحكم علي المواطنين في حياتهم الدنيوية لأن المسيح عيسي هو القاضي الالهي الوحيد الذي سيصدر حكمه علي كل البشر في الحياة الأخروية وليس اثناء حياتهم الدنيوية.كذلك لايحق للبابا والقساوسة ممارسة السلطة القهرية لعقاب المواطنين الذين ارتكبوا منكرات نهي عنها القانون الالهي او الجهر بالحادهم ضد عقائد الدين لأن ذلك من صلاحية الأمير او القضاة المدنيين الذين يعينهم لتنفيذ العقوبات اللازمة لحفظ النظام السياسي. فكما قال:"تؤول الي الحاكم فقط بموجب السلطة المخولة له من المشرع البشري صلاحية اصدار الأحكام ضد الملحدين والمنشقين عن الكنيسة او اي كافر آخر وتنفيذ الجزاء والعقوبات الدنيوية ضدهم كما تطبق ضد المجرمين في المجتمع حيث لايحق لأي قسيس او اسقف تنفيذ هذه العقوبات بدعوي انها ضد القانون الالهي،اذ قد يفلت الأشخاص الذين ارتكبوا الاثم من العقاب اذا لم يتم ردع ومنع هذه المعاصي بواسطة القانون الوضعي."( (Disc.2, 10
واستخدم مارسيليو ايضا المنهج التاريخي كحجة لتأكيد نظريته بضرورة خضوع الكنيسة لسلطة الدولة الدنيوية حيث اشار الي ان اعنناق الامبراطور قسطنطين للدين المسيحي في القرن الرابع الميلادي وتحول الامبراطورية الرومانية الي المسيحية قد جعله المشرع الانساني المؤمن والسبب الفعال ومبرر وجود الكنيسة التي بدأ في تنظيمها واخضاعها لسلطته مثل بقية مؤسسات الامبراطورية المدنية الأخري.( Disc.2, 21 ). وأثبت ذلك باصدار الامبراطور قسطنطين، باعتباره المشرع ، الأوامر الي الاساقفة والقساوسة للحكم علي افكار آريوس في مجلس نيقية المنعقد في عام 325 باقتباس ماورد في افتتاحية المجلس"اصدر الامبراطور قسطنطين الأمر الي آريوس للمثول امام 318 أسقف في مجلس نيقية للحكم علي اقتراحاته وآرائه"( Disc.2, 21,2. ) . ومما ذكره ايضا في هذا السياق"وتكون للمشرع الانساني المؤمن الذي لايعلو عليه احد سلطة اصدار الأوامر القهرية او المراسيم والقرارات للجميع بدون اي تمييز(قساوسة وغيرهم) لمراعاة والتقيد بما تم تعريفه واصدر الحكم فيه وأمر به لمجلس العام.".( Disc.2, 21,4. ) .
وجادل بان المسيح عيسي لم يدّعِ اي صلاحية في شؤون الحكم الدنيوية بل انه أخضع نفسه للسلطة المدنية بزعامة الحاكم الروماني في فلسطين اثناء حياته، وسار تلاميذذه الحواريين علي نهجه في هذا السياق عند انتشارهم في اقاليم الامبراطورية الرومانية للتبشير بالمسيحية.( Disc.2, 4.). ونفي وجود اي دليل في تعاليم المسيح والانجيل لاثبات دعوي الكنيسة بعلو سلطة البابا علي كل المؤمنين في العالم المسيحي بما فيهم الحكام وحقهم في الاشراف والتدخل في شؤونهم المدنية الدنيوية . كما اعتقد ان المراسيم البابوية وقرارات المجالس الكنسية التي تضمنها القانون الديني قد تمت صياغتها بواسطة الفقهاء البشر وليست قوانين الهية منزلة وان ماورد فيها بشأن السلطة المطلقة للبابا التي تبيح له التدخل في شؤون الدولة الدنيوية والهيمنة علي الملوك والأمراء قد استندت علي تفسيرات خاطئة لنصوص الكتاب المقدس وحقائق التاريخ.واستغل البابوات وفقهاء الكنيسة الجهل والخرافة السائدة بين عامة الجمهورالمدني وضعف الحكام لفرض آرائهم حول سلطة البابا المطلقة لتحقيق مقاصدهم في التدخل والسيطرة علي شؤون الدولة الدنيوية.( Disc.2, 24, 4. ) واعتقد مارسيليو ان السبيل الوحيد للقضاء علي توغل الكنيسة في شؤون الحكم الدنيوية والتي أدت الي الفتن والحروب في شمال ايطاليا والمانيا في عصره هو اجتماع كلمة المواطنين المؤمنين في الأمة المسيحية في مجلس عام لاستعادة وضع الكنيسة في علاقتها مع الدولة الي ماكان عليه الأمر في السابق بعد اعتناق الامبراطور قسطنطين للمسيحية وذلك باخضاعها ،مثل بقية مؤسسات الدولة الأخري، لسلطة الأمير الدنيوية.
استند فقهاء الكنيسة لتعضيد مفهوم السلطة المطلقة للبابا علي اعتقادهم بخضوع شؤون الحكم في العالم الدنيوي للتدبير والاشراف الالهي الذي استلزم تفويض البابا للسيطرة والاشراف علي كل المؤمنين في شؤونهم الدنيوية والروحية لاعدادهم لنيل النجاة والنعيم الأخروي. ويشبه رأيهم اتفاق فقهاء السنة علي ان الدين والشريعة الالهية هما مصدر وجوب الخلافة حيث يتولي الخليفة شؤون الدولة و الحكم الدنيوي الأمر الذي يستوجب الدمج الكامل بين الدين والدولة كما ينعكس في قول الماوردي"الامامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين والدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالاجماع."(الماوردي،الأحكام السلطانية،ص 5 ). ولعل طرح مسألة العقل والوحي في اوروبا منذ تدوين غراتيان للقوانين الدينية من منظور تكميلهما لبعضهما البعض لأن العقل مصدره الطبيعة التي خلقها الله فلاتنافر وتناقض بينهما، طبقا لفلسفة الاكويني التي تعتبر القانون الوضعي العقلاني جزء من القانون الالهي، قد ألهمت مارسيليو للتفكير في ان قدرة العقل البشري لصياغة القوانين لتنظيم الشؤون الدنيوية للمجتمع السياسي المدني تستلزم تأسيس دولة علمانية تكون السيادة فيها للمواطنين لسن القوانين وانتخاب الحكام واخضاع الدين والكنيسة للدولة بدلا عن التقليد السائد في عصره بتخطي البابا والقساوسة لصلاحيات وسلطات الحكام الدنيوية بغرض السيطرة علي كل شؤون الدولة والحكم والذي كانت نتيجته انتشار الفتن والحروب. ويبدو ان تمييز فقهاء الاسلام بين العقل والوحي كقطبين متنافرين وتفضيل الوحي علي العقل وادراج الرأي العقلاني في اصول الفقه الديني لكي يلتزم بنصوص القرآن والسنة قد كان السبب في فقر الفكر السياسي في الحضارة الاسلامية وعدم خروجه من جلباب الدين حيث كانت تناقش مواضيعه مثل الخلافة وشؤون الحكم في الأمة الاسلامية في كتب الشريعة والفقه الديني.
كان حرص مارسيليو علي استتباب السلام في اوروبا المسيحية الدافع الأساسي لتأليف كتابه وتقديم اطروحته الأصلية حول ضرورة القضاء علي سلطة البابا المطلقة في الشؤون الروحية والدنيوية العلمانية وذلك بتوظيفه لفلسفة ارسطو السياسية حول الاكتفاء الذاتي لنظام الحكم المدني لادارة الشؤون الدنيوية للمجتمع بدون الاستعانة بالقانون الالهي او السلطة الدينية وتضمينها في نظريته السياسية. وسبق مارسيليو عصره بطرح آراء متقدمة استشرفت ظهور العلمانية كنظام سياسي في العصور التالية واهم عناصرها مثل سيادة حكم الشعب واهمية دوره في انتخاب الحكام واصدار القوانين لتنظيم شؤون المجتمع الدنيوية واخضاع الكنيسة والدين لسلطة الدولة والتي اضاف اليها الفلاسفة امثال هوبز وجون لوك فيما بعد المزيد من الأفكار مثل العقد الاجتماعي والتسامح وفصل الدين عن الدولة لترسيخ اسس الدولة العلمانية التي سادت في اوروبا بعد نهاية الحروب الدينية في القرن السابع عشر.
د.امين حامد زين العابدين
محاضر سابق بجامعة الخرطوم كلية الاداب .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.