محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    محاولة قصقصة (أجنحة) الهلال    رئيس لجنة المنتخبات الوطنية يتابع تفاصيل المنتخب أولا بأول    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ثنَايا يَوْمٍ أسْوَد قَديْم: خِطابٌ إلى العُقَلاء .. بقلم: جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 27 - 12 - 2010

هذا خطاب للعقلاء في الوطن المترامي الأطراف، قبيل تساقط بعضها جراء اقتراع على خيارين ، أقربهما إلى الواقع هو الانفصال بدم بارد. الخيار الأبعد هو الوحدة، وقد صار من يلاحقها كمن يلاحق عنقاء في سماء الأحلام . فيما يرجح المراقبون أن البلاد مقدمة على عواصف تنازع مخيف، و"سوانيم" عنف مطبق، تبقى برغم ذلك مساحات متوفرة لتعقل مطلوب، وتريّث مرغوب. لا أحكي عن شواهد عنف في تاريخنا القريب، من باب التخويف والغاء الطمأنينة ، بل هو تمرين آمل أن يكون فيه نشدان للصواب، وأوبة لوعي يتناقص، واستشراف حقيقي لأفق تتماسك فيه مكونات الوطن.
الأحد 6 ديسمبر 1964 . ذلك يومٌ أسودٌ قديم ، أتذكر تفاصيله ، باهتة لا تبين في ضباب الذاكرة الآفلة وعصفها الخاسر. شهدت الخرطوم بدايات شتائها والناس على دفء أيام ثورة أكتوبر، لم يمضِ بعد أكثر من شهرين على اندلاعها وانتصارها . ترد أحداثها مثلما ترد الوقائع الخيالية في رواية من روايات الواقعية السحرية.
لكن هاهي الخرطوم في غضبة لا معنى لها ، وكأنها تتمرّد على وجدانها السويّ فتستبدله بلحظاتٍ غاب فيها الوعي، واهتزت معها موازين المنطق، وتفرّق العقل أيدي سبأ. اضطرابات في الطرقات . اشتباكات عنصرية بغيضة . قتلى من أبناء الجنوب بالعشرات. جرحى بالمئات على أبواب المستشفيات . ضحايا الرّعب بالآلاف. صارت "دار الرياضة" في أم درمان ملاذهم الآمن، في تلك الليلة المحزنة من ديسمبر عام 1964 . أسمتها الصحافة حوادث "الأحد الأسود"، يوم سرت شائعة حول عودة وزير الداخلية "كليمنت مبورو" من جولته في جنوب البلاد. كانت ناراً في هشيم الرّيب بين الشمال والجنوب، والتمرد على حاله، والمناوشات مستمرّة والقتال لم يتوقف. أخذت الناس الشكوك فانفجر العنف بلا كوابح.
لعل عكوفي على كتابة مقالٍ للصحيفة ينبغي أن يكون مسبوقاً بمذاكرة تعضّد ما أعرض من تحليل، وما أصل إليه من نتائج ، من معلومات موثقة ومن مصادر يركن إليها ، بما يجعل هذه الكتابة أقرب إلى المسودات الأكاديمية، منها إلى مقالِ رأيٍ مُعجل. وذلك ما أعادني إلى أدبيات قديمة عن حادثة قديمة، وقعتْ قبل ستٍ وأربعين عاما ، ولكني أوقفت اطلاعي على روايتين هامتين عن أحداث ذلك الأحد، جاءتا من رجلين وثيقي الصلة بتاريخ تلك المرحلة. الرجل الأول هو ك.د.د.هندرسون، من موظفي الإدارة البريطانية السابقين في السودان ، والثاني هو السياسي السوداني الأشهر محمد أحمد محجوب، وزير خارجية السودان وقت وقوع حوادث "الأحد الأسود".
( 2 )
الرّاوي الأول هو السيد ك.د.د. هندرسون، وقد كان مديراً لمديرية دارفور في سنوات الخمسينات قبل الاستقلال. للرجل اهتمام بتاريخ السودان، وقد أعدّ كتاباً ضافياً، صدر في جزئين مترجماً، بقلم الأديب النابه محمود عثمان صالح، عن مركز عبد الكريم ميرغني . كتب هندرسون كتاباً عن السودان وتطوره السياسية حتى عام 1965 وصدر الكتاب في لندن ذلك العام. عنوان الكتاب هو : جمهورية السودان : في سلسلة"أمم العالم الجديد" ، تأليف ك.د.د. هندرسون، دار نشر ارنست بن ليمتد ،لندن 1965 ، وهو الكتاب الذي جاءت فيه روايته عن أحداث ذلك اليوم.
فيما يلي رواية السيد ك.د.د. هندرسون عن أحداث "الأحد الأسود"، وقد وردت في صفحة 211 ، أترجمها لك من كتابه المشار إليه :
( كان من المتوقع أن يعود "كليمنت مبورو" من جولته في السادس من ديسمبر (1964)، وأن "جبهة الجنوب" قد أعدت له استقبالاً حاشداً. عدة آلاف من الجنوبيين معظمهم من العمال ، قد احتشدوا في مواكب باتجاه المطار. ما وقع بعد ذلك يظل غامضاً حتى يتم نشر نتائج لجنة التحقيق (جاء في الحاشية أن التحقيق أسفر عن انتفاء أي نية مبيتة لإثارة أيّ شغب). وحسب شاهد عيان فقد احتشد عدد من الجنوبيين بالبار
الملحق بالمطار ، وطالبوا بتزويدهم بخمور زعموا أن الوزير سيسدد قيمتها. وحين شاع خبر تأخر الوزير "كليمنت مبورو" في ملكال، حتى يستكمل مباحثاته هناك ، طفق بعض الجنوبيين في إثارة عراك وهم مخمورون واشتبكوا مع موظفي المطار، وتبادلوا السباب معهم. كانت قوة الشرطة التي حضرت لاستقبال الوزير قد غادرت، ولم يكن ثمة مسئول يمثل "جبهة الجنوب" في المكان. بعضهم أشاع أنه قد جرى تأخير قدوم الوزير لأمرٍ مبيّت. جرت محاولات للإتصال بالشرطة هاتفياً ولكنها لم تسفر عن نتيجة. وأخيراً، وبعد مشادات في البار وفي المطعم، خرج الجمع إلى الطرقات مشحونين لإثارة شغب غير مسئول. اجتاحوا طرقات العاصمة، وعبروا جسر النيل الأزرق في عنف متزايد وهاجموا السيارات، ورشقوها بالحجارة، وتحرشوا بالشماليين وبالأجانب ، واقتحموا حرمة بعض المنازل. أحدهم كان في طريقه باتجاه شارع القصر أشتبك مع جمع حانق خارج سينما كولوزيوم، ثم هاجمه آخرون قادمون من استاد الرياضة . بعضهم لجأ إلى النادي العربي (المصري) والكثيرون احتموا بمبنى مقابل تحتله السفارة الامريكية. إندفع الجمع ووقع اعتداء على رجال الإرسالية، ولكن جرى إخراجهم بواسطة الشرطة وحفظهم في مكان آمن. بعد إخراجهم وخلو المبنى جرى إحراقه بالكامل، ومن بعد استشرت عمليات قنص ومطاردات واسعة. لا يعرف أحد كم عدد الجنوبيين الذي لقوا حتفهم خلال تلك الليلة، وفي صباح الإثنين. أعداد كبيرة جرى إغراقها في النيل، وآخرون جرى اقتناصهم من أمام بوابة المستشفى. قسيس انجيلي أنقذه من بطش المهاجمين، خدمه الشماليون في المنزل الذي يسكنه. ولأن قيادة الشرطة كانت رهن الاعتقال، فقد كانت استجابة الشرطة ضعيفة، ولم تتدخل إلا منتصف نهار يوم الإثنين، حيث عادت الأمور إلى طبيعتها. جرى حصر الجنوبيين بعد ذلك، وتم حفظهم وراء أسوار دار الرياضة في أم درمان، وفي معسكر كيلو 4 على خط السكة الحديدية بمحازاة النيل الأزرق.
وقائع "الأحد الأسود" - كما عرفت فيما بعد- لا يمكن وصفها إلّا بالكارثية. إنّ الإتهامات التي سيقت ضد الإرساليات التبشيرية ، لمسلكها التحريضي المناهض تعدّ مثيرة للعجب، إذ هي المرة الأولى بعد سنوات من المعاناة، يكون فيها للإرساليات التبشيرية في الشمال ارتباط بما يجري في كنائس الجنوب. ما جرى في الكونغو، يعكس بكل وضوح مآلات الأمور للمبشرين، فيما إذا نال الجنوب استقلاله . الخسارة ستكون حتماً فادحة .
ما ان هدأت الأحوال، حتى بدأت أعداد من الجنوبيين، خاصة من أبناء الدينكا، في العودة إلى الجنوب، حاملين معهم قصصاً عن مذابح لن تساعد إلّا في اجهاض جهود الحكومة للتسامح في الجنوب. وللمرة الأولى بدأ الشماليون الحديث عن الهجرة من الجنوب، خاصة من جنوب منطقة السدود، وذلك حصد ما زرعت أيديهم. الأجانب المقيمون في العاصمة المثلثة، استهدفهم كذلك، شعورٌ عدائي. حتى الأقباط لم يسلموا من التهديد، فيما يُروى. على كلٍ، قد يأتي الخير بعد الشر . كانت صدمة الرأي العام كبيرة حين اتضحت الحاجة إلى استعادة الأمن من جديد. خرج رجال الشرطة من مخابئهم، واستأنفوا مهمة استتباب الأمن. الجنوبيون الذين تنادوا لنيل الاستقلال، تبينوا أن ما يطلبون قد يؤخذ على محمل الجد.
هدأ الجو تدريجياً. جرى الاحتفال بأعياد الميلاد بلا حوادث ، وكذا الاحتفال بعيد الإستقلال(الأول من يناير). جرى إقناع الطلبة الجنوبيين باستئناف الدراسة في الجامعة. وبرغم أن النزوح إلى الجنوب قد استمر، إلا أن العديد من العمال الجنوبيين عادوا لمزاولة أعمالهم ، (خاصة- فيما يبدو- أولئك المنتمين لقبيلة النوير، وهم قد درجوا على تمييز مواقف تخصّهم دون الآخرين).
كان الظرف أشبه بحال انجلترا بعد رحيل كرومويل ( اضطرابات الحرب الأهلية في انجلترا، وإعدام الملك تشارلز الأول، في سنوات منتصف القرن السابع عشر الميلادي- المترجم ). ملّ الناس حكم الجنرالات، ولكن مالوا مجبرين لاستعادة برلمان صوري مقصوم الظهر، (كان كرومويل قد صرفه إبّان سنوات سطوته- المترجم). نواب وصفوة مدنٍ، عادوا يتناكفون بلا هوادة . كان ثمة قلق يحيط بأهل اسكتلندة. "الليفلرز" ( وهم تيار سياسي من مناهضي الملكية- المترجم) وطابور الملكية الخامس، بدوا أكبر من أحجامهم الحقيقية. في آخر الأمر، اجتاح مدٌّ من رأيٍ عام، منحدراً من الأقاليم البعيدة، آخذاً البلاد إلى قدرٍ محتوم.
ذلك ما أمّلتْ الأحزابُ في تحقيقه في السودان : كانوا على ثقة من أن دستوراً على النّسق الأمريكي، لكفيل بتوفير حكومة مستقرّة، بل كانوا أشدّ إصراراً على تجنّب الوقوع في أخطاء الماضي. وهكذا فقد انخرطوا في إعداد أنفسهم لانتخابات تجري في مارس(1965)...)
إنتهت رواية هندرسون هنا ، وقد سعيتُ في ترجمتي هذه الفقرات، ترجمة أمينة ومتواضعة، أن أنقل إليك عزيزي القاريء، شيئاً يقارب كتابة هندرسون وروح لغته العالية، وهو يتناول أحداثاً عاشتها الخرطوم في سنوات الستينات من القرن الماضي. كان الرجل أميناً وصادقاً ومحايداً في رؤيته لما وقع.
( 3 )
الرّواية الثانية عن أحداث "الأحد الأسود"، جاءت من السيد محمد أحمد محجوب ، وزير خارجية السودان وقتذاك وقد وردت في كتابه المعنون "الديمقراطية في الميزان"، الصادر عن دار جامعة الخرطوم للنشر، طبعة ثانية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وكما هو معروف فإن الكتاب حوى تجربة المحجوب السياسية، وقد كتب بحذق وإن اختزل بعض التفاصيل التي لم تكن ذات أهمية في نظره . خلتْ كتابة المحجوب - إلا من القليل - من انطباعاته واسقاطاته الشخصية، عما كان يدور حوله من جدل ووقائع في السياسة، وعن انطباعاته الحميمة عن الشخصيات السياسية البارزة التي كان لها أثرها على مجريات الأحداث في البلاد .
أورد لك فيما يلي ما جاء في صفحتي 195 و196، من كتاب المحجوب المشار إليه، وهو يصف تلك الأحداث :
( وبعد ذلك وقع ما بات معروفاً في السودان بإسم "يوم الأحد الأسود". كان كل شيءٍ هادئاً يوم 6 كانون الأول(ديسمبر) 1964 ،عندما غادرتُ الخرطوم إلى الأمم المتحدة لحضور اجتماع الجمعية العمومية. لكن لدى وصولي إلى نيويورك أحاط بي الصحافيون في المطار طالبين معلومات عمّا يجري في الخرطوم. وقد سأل أحد الصحافيين: "ما هي حقيقة الأنباء القائلة إن القسم الأفريقي من الخرطوم يشهد اضطرابات ضد القسم العربي؟" فقلت ضاحكاً : " ليس لدينا "هارلم" في الخرطوم ولا تمييز عنصري من أيّ نوع."
وسأل صحفي آخر: " لم تسمع الأنباء إذاً؟" وسألت :"أي أنباء؟"، فأبلغوني.
ما حدث هو أن اصطداماً حدث بين جنوبيين ذهبوا لمقابلة "كليمنت مبورو" العائد لتوه من جولة لتقصي الحقائق في جنوب السودان ، والشرطة. وقد اتسع النطاق حتى تحول إلى اشتباك بين الجنوبيين والشماليين وقُتل 14 شخصاً وجُرح أكثر من
400 شخص. وكل ما كان بوسعي أن أقوله هو : "عندما غادرت الخرطوم لم يكن هناك شيء من هذا النوع . ومهما يكن الذي حدث ، فهو لا شيء البتة بالنسبة إلى ليتل روك، أو الاشتباكات العنصرية التي تقع في مختلف أنحاء الولايات المتحدة" .
وتلقيتُ في وقتٍ لاحقٍ برقية من الخرطوم تتضمن التفاصيل الحقيقية للحادث.وهي أن السلطات سمحت للجنوبيين القيام بمسيرة سلمية إلى المطار لاستقبال كليمنت مبورو. ولكن الطائرة تأخرت، ومع مرور الوقت استحوذ الذعر الذي نشره المحرّضون على الجمهور. وبالنظر إلى خطورة الوضع أمرت الشرطة المتظاهرين بالتفرق والعودة إلى منازلهم. ووقع اشتباك أوّلي وسرعان ما نزل الجنوبيون والشماليون بعضهم إلى بعض فوقعت معارك طاحنة. وأُبلغت بأن الشرطة تسيطر على الوضع مع سلطة تامة باستخدام القوة إذا لزم الأمر، لاعادة الأمن والنظام . واتخذت تدابير صارمة لمنع التظاهرات والمسيرات والتجمعات السياسية.
ولقد كانت هذه فاتحة مؤسفة لعودتي إلى الأمم المتحدة ولكن ما العمل ؟ )
إنتهت رواية الراحل محمد أحمد المحجوب هنا .
يحدثك المحجوب، كما تلاحظ ، بطريقة درامية عن كيفية تلقيه خبر أحداث ذلك اليوم وهو في نيو يورك ، ولكنه لا يحدثك عن الصحفي الذي استفسره، ولا عن خلفية وصول المعلومة إليه من السفارة في نيويورك، أومن كان من بين الدبلوماسيين في السفارة، من وافاه ببرقية رئاسة وزارة الخارجية السودانية عن الموضوع، أو إن كان قد طلب التفاصيل من وزارته أصلاً . ولم يشأ المحجوب أن يفيدنا عمّن وصف ذلك اليوم بأنه يوم "الأحد الأسود". ولا نعرف كم عدد القتلى والجرحى في روايته تلك ، فيما لم يتعد عدد أبناء الجنوب في تلك السنوات وعلى أكثر تقدير، سوى عدة آلاف في العاصمة المثلثة. لم تكن الكثير من هذه التفاصيل مما يشغل ذهن المحجوب، ولكن بالقطع تهمّ كتّاب التاريخ والمحللين . كان المحجوب وفي سخريته المعهودة، قد نظر من زاويته، وكأنه يختزل أحداث ذلك اليوم في السودان وفي العاصمة تحديداً، فيشير للصحفيين أن ليس في الخرطوم ما يشبه "هارلم" في نيويورك! لكن في واقع الأمر أن أحداث "الأحد الأسود"، وحتى من إطلاق هذه الصفة عليها، يعكس سقوط الخرطوم في مجابهات عنصرية بغيضة . ما تريثنا لتدارس الأمر بعمق ، ويكفي أن التاريخ أعاد لنا الحادثة ، وبصورة أكثر اتساعاً، حين سقطت طائرة النائب الأول لرئيس الجمهورية ،
قائد الحركة الشعبية في عام 2005 ، في أحراش يوغندا، وأثارت ريباً وشكوكاً في العاصمة الخرطوم، أشبه بتلك التي ألهبت حوادث "الأحد الأسود" الدامية في عام 1964. كان المحجوب فيما روى عن الحوادث ، معنياً بمهمته في الأمم المتحدة وأحزنه أن بداية زيارته قد شابتها أخبار سلبية جرت في عاصمة بلاده. يلاحظ أنه لم
يعبّرعن أسفٍ أو ترحّمٍ، على من فقدوا أرواحهم من مواطني السودان، في تلك الحوادث. في الذي كتبه هندرسون، تكاد تحسّ بتعاطف الرجل- الغريب عن البلاد- مع ضحايا الأحداث، بأكثر مما رشح في رواية المحجوب.
( 4 )
إنّ جولات العنف العنصري المتبادل ، وعلى محدوديتها، بين الشمال والجنوب، تحتاج لوقفات تحليلية تعين الجميع في التعرف على طبيعة نوازعها ومسبباتها، وعمّا إذا كانت نتاج تشوّهات هيكلية حقيقية في "الشخصية السودانية"، أم هي محض انفعالات لا تسندها حيثيات أو مبررات . وفيما نحن نقف على أعتاب مرحلة مصيرية في تشكيل علاقات الشمال مع الجنوب ، فإنّ الحاجة لأكثر من ملحّة لقراءة أحداث تاريخنا القريب، قراءة متأنية وموضوعية . يرجّح عدد من المراقبين، الأجانب والغرباء على حدٍ سواء، أنّ عنفاً قد يستشري في أعقاب انفصالٍ متوقع بين الشمال والجنوب، مما يحيلنا إلى أخذ مثل هذه التوقعات بالجديّة المطلوبة ، فنقرأ صفحات تاريخنا القريب والبعيد بعمقٍ وتمعّن، خاصة تلك التي شهدت أحداث عنفٍ متفاوت الدرجات .
على عكس ما روى المحجوب، مهوّناً من تداعيات "الأحد الأسود"، نجد في الذي جاء من ك.د.د.هندرسون أعلاه، نظراً ثاقباً وجدية محمودة، فيما روَى عن أحداث ذلك اليوم، في ذلك التاريخ البعيد. فقد ذكر هندرسون، مستصحباً شيئاً من تاريخ بلاده انجلترا، أن رحيل السياسي الانجليزي كرومويل، الذي شهد عهده تغييب الملكية في انجلترا في القرن السابع عشر، شكّل إيذاناً بعودتها بعد اضطرابات واهتزازات، وعودة نظامها البرلماني مقترناً بملكية بصيغة جديدة . لاحظ الرّجل كيف تطلع السياسيون- وجراح الخرطوم طرية بعد أحداث "الأحد الأسود"- لتنظيم انتخابات عاجلة، ولصياغة دستور حسبوا أنه سيأخذ البلاد إلى عتبات استقرار منشود. ذلك بالطبع لم يحدث، إذ وقعتْ بعد عام 1965، إضطرابات أشد، وتحالفات ضعيفة، وتغولات على ديمقراطية هشّة ، تمثلت في طرد نواب من البرلمان وتمّ ذلك - وياللأسف- بتواطؤ سياسيين وقانونيين كبار. في نهاية الأمر، وقع انقلاب مايو
العسكري عام 1969 ، ودارت عجلة التاريخ في دورة جديدة.
والآن يأخذ التاريخ دورته، ونحن نعالج مصائر البلاد، وهي على شفا التشظي. لا يدري أحد ، إذ ربما التأم شقا البلاد من جديد، فيما ظنّ البعض أنّ الشتيتين لن يلتقيا . حمى الله الوطن ، وحفظ تماسكه.
الخرطوم – 24 ديسمبر2010
jamal ibrahim [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.