مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان (الحلقة الأخيرة) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 14 - 02 - 2014

(أنشر على حلقات هذا المقال الذي سبق لمركز الدوحة للأبحاث ودراسة السياسات تضمينه في كتابه "جنوب السودان الفرص والمخاطر" (2012). وأعيد نشره قريباً في سلسلة كاتب الشونة. وجردت المقال هنا من هوامشه المرجعية لطبيعة هذا المنبر. وأنشرقائمة مراجع البحث في نهاية هذه الحلقة الأخيرة. ومن طلب دقائق الهوامش رجع إلى المقال في بيئته الأصل.
في الجزء الأول جئنا بخبر الأستاذ عبد الخالق محجوب الذي رد على ذائعة الجنوبيين أن سائر الشماليين من تركة الزبير باشا فلا تنتظر منهم خيراً. قال عبد الخالق إنه ربما نسي القائل هنا أنه نشأ بين الشماليين حزب شيوعي أخذ الأخاء الوطني أخذاً جميلا. وتساءلنا إن لم يكن قول عبد الخالق ذاك مجرد تجمل وتفاؤل لا يسنده واقع. وأجبنا بأن تفاؤل الرجل كان في محله. وبدأنا في عرض نضال الحزب والطبقة العاملة بعد الاستقلال لتطبيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي لرفع أجور الجنوبيين التي بخسهم الاستعمار. وعرضنا للنظرية العرقية الاستعمارية والتبشيرية البيضاء التي اعتقدت أن الجنوبيين قبيل من سائر الزنج ممن يفسدهم النقد ويحجبهم عن الأكل من خشاش الأرض. وأنه يكفيهم من المال النذر. فلو كان من أساء للجنوبيين حقاً فهم الإنجليز الذين قامت سياستهم للأجور على تمييز للشماليين لدرجة مزعومة لهم في سلم الرقي. وهذا ما احتشد الحزب الشيوعي كما سنرى لتغييره لتجديد الزمالة في الوطن. وسنرى كيف لقى الأمرين من حكومة الوقت الوطنية التي لم تخرج عن سقف حركة الخريجين وأمانيها حتى قلنا أن الحركة الوطنية حركات في واقع الممارسة لا حركة واحدة.
ووقفنا في الحلقة الماضية عن رابط عن حركة الخريجين والحزب الشيوعي غاب عن نظرنا التاريخي. فكثيراً ما تحدثنا عن دور محمد صالح الشنقيطي في مؤتمر جوبا 1947. وكان من رأي الجنوبيين دائماً أنه "خدع" ممثلي الجنوب في المؤتمر ليقبلوا بأن يكون الجنوب جزءأ في التطورات الدستورية في السودان (الجمعية التشريعية) في طريق البلد للاستقلال المتظر. وبدا للجنوبيين خداع الشنقيطي من حقيقة أن الجنوبيين رفضوا ذلك الارتباط بالشمال في اليوم الأول للمؤتمر ثم تغيروا 180 درجة في اليوم الثاني ووافقوا. والأمر ليس أمر خداع إلا مؤخراً. فقد اقترب الشنقيطي من الجنوبيين عن طرق تظلمهم العظيم من تباين الأجور في الشمال والجنوب كما رأينا. والتزم لهم أن يقف الخريجون معهم لرد هذه المظلمة. وتعاقد الجميع على ذلك ما عدا سلاطين الجنوب الذين واصلوا رفض الارتباط الدستوري مع الشمال لأنه لم يكن يكدرهم شاغل الأجر كالأفندية. وبالطبع لم يف الخريجون بما وعدوا. وقبض الشيوعيون على تلك الذمة الوطنية للخريجين وصارت قضية الأجر المتساوى للعمل المتساوي بين العمال بغض النظر عن العرق والنوع شغلهم في حين قلب الخريجون لها ظهر المجن. وهذا "تسليم وتسلم" للأجندة الوطنية تبنى به الشيوعيون العقود الوطنية بعد تنصل طلائع المتعلمين منها ومنها مثلاً محاربة الإدارة الأهلية. وسنرى كيف تمثل تنصل الخريجين من عقد الأجر المتساوي في "لعبة ملوص" التي لعبوها على أفندية الجنوب في عملية السودنة.
قلنا إن الفصل الماضي ميز، كما لم يقع لنا من قبل، تعدد وجوه الحركة الوطنية ومواقعها حتى قلنا إنها حركات وطنية لا حركة واحدة كما تصورها سردية مؤتمر الخريجين التي تزعم الصدراة في تحرير الوطن وتجعل الآخرين تابعين وهتيفة. وراينا فيه كيف ارتسم الخط الفاصل بين وطنية الخريجين ووطنية الطبقة العاملة في يوم بذاته خلال جلسة للبرلمان السوداني في 1954.
وفي هذا الفصل الأخير سنرى كيف أدى تظلم الجنوبيين من الأجور وخيبة ظنهم في بلدهم المستقل إلى إضرابات وتظاهرات في أنزارا، مركز صناعات النسيح لمشاريع الإستوائية بالجنوب، ثم مواجهات عنيفة مع السلطات قبيل "تمرد" الفرقة الجنوبية من قوة دفاع السودان الشهير في توريت وغيرها في 1955 .
ما حدث في أنزارا يبقي في أنزارا
وضعت إضرابات عمال أنزارا في يوليو 1955 التباين في أجور الشماليين والجنوبيين تحت المجهر. والمنذر في هذه الإضرابات أنها وقعت قبل شهر فقط من تمرد الفرقة الجنوبية في أغسطس 1955 المار ذكره. وكان ذلك التمرد المواجهة الدموية الأولى بين القوميين الجنوبيين والحكومات التي سيطرت عليها صفوات شمالية. وسؤت العلاقة بين شقيّ القطر منذها.
لم يفت تقرير التحقيق في حوادث 1955 بالجنوب الإشارة إلى دور للشيوعيين من وراء تلك الإضرابات في أنزارا. وقال التقرير إن الشيوعية وجدت طريقها إلى الجنوب بفضل الموظفين الشماليين المنقولين إليه. وأزداد النشاط الشيوعي في ديسمبر 1954 بما في ذلك زيارة لوفد من الجبهة المعادية للاستعمار (وهي تحالف بين الشيوعيين ووطنيين يساريين) للمديرية الإستوائية في يناير وفبراير 1955. وتأثر عمال الجنوب يالشيوعية وبالذات عمال أنزارا الذين كانوا سبق لهم تكوين نقابة للدفاع عن مصالحهم. ومن المدهش أن الشيوعيين، الذين كان لسانهم في أدبهم اليساسي هو اللغة العربية، ترجموا منشوراتهم إلى لغة الزاندي في خطاب سياسي نادر تحدث فيه الظلم بلغة المظلومين أصالة لا وكالة. وزكت المنشورات الشيوعية الإضراب كسلاح مجرب للمستضعفين. وتحدثت عن سبب الفقر في الجنوب ووصت بسبل لعلاجه. وطالبت بتكوين مجالس تشريعية في مديريات الجنوب الثلاث للحكم الذاتي في إطار سودان موحد. وشددت على وجوب تطبيق الأجر المتساوي للعمل المتساوي في السودان بأسره.
ولم يمر إلا وقت قليل حتى نشأت مواجهة بين إدارة مشروعات الإستوائية وعمالها. فرفض المزارعون تسليم محصول القطن احتجاجاًً على ضعف ثمن شرائه من قبل إدارة المشروعات. ودخل العمال في إضراب عام في يوم الرابع من فبراير 1954. وتواصل تدهور العلاقة بين الإدارة ومستخدميها حتى وقعت المظاهرات العنيفة في السادس عشر من يوليو 1955 بعد فصل الإدارة لثلاثمائة مستخدم. ومن رأي تقرير التحقيق في تمرد 1955 أن ذلك الإجراء لم يكن راشداً ونسبه إلى تزايد وفود الشماليين لملء وظائف الجاه والرِفعة في المشروعات.وبالطبع نظر الجنوبيون إلى هذا الوفود كغزو شمالي. .
وما زاد الطين بلة محاكمة جرت آنذاك لبرلماني جنوبي بتهم مصنوعة مقصودة من قبل الحكومة. ففي يوم المحاكمة، 26 يوليو 1955، تقدم العمال بعريضة إلى مدير المشروعات يطلبون رفع الأجور. وهددوا بالدخول في إضراب عام في اليوم الأول من اغسطس إن لم تستجب الإدارة للمطلب. وما ن سلم العمال العريضة بتوقيع 90 عاملاً حتى نشبت شجارات بين المستخدمين الشماليين والجنوبيين. واستدعى المدير عاملاً جنوبياً بَلَّغ عنه شمالي بأنه رأس الحية. واحتج العمال الجنوبيون على هذا الاستدعاء وخرجوا من الورش ليتظاهروا أمام مكتب المدير متسلحين بالعصي وأدوات الشغل مطالبين لاستعادة زميلهم من قبضة المدير. وحطموا نوافذ المكاتب واعتدوا على بعض المستخدمين الشماليين بأذي يسير.
وبعد نجاحهم في استعادة زميلهم سار العمال في مظاهرة إلى السوق وانضم إليها مزيد من الجنوبيين. وجرى تقدير المشاركين فيها بألف. وجاء بعض المنضمين الجدد من "الأهالي" حاملين حرابهم بصورة منذرة. ولم يكن بوسع الشرطيين الثلاث في أنزارا احتواء تلك المظاهرة. وبلغت هذه التطورات مفتش مركز يامبيو، الحاضرة الإدارية لمشروعات الزاندي، فأرسل نائبه وضابط شرطة على رأس قوة من 16 شرطياً لإحتواء الحادثة. ولما بلغوا أنزارا وجدوا أن التظاهرة أفسدت في الأرض وفي السوق. فنهب المتظاهرون المتاجر التي امتلكها شماليون وقتلوا تاجراً شمالياً.
صف نائب المفتش قواته على بعد 150 ياردة من المتظاهرين وطلب منهم ثلاثاً أن يتفرقوا. فلم يستجيبوا. فرمى بقنبلة مسيلة للدموع نحوهم. وكادت تنفجر في وجهه لضعف تدريبه من هذه الجهة. ويذكرنا هذا بموقف من كتاب "رمي الفيل" لجورج أوريل الذي اضطره الحفاظ المر على صورته الاستعمارية في نظر الأهالي حين عمل ضابط شرطة في بورما أن يطلق النار بغير حاجة على فيل تضرر منه أولئك الأهالي. وواصل مساعد المفتش رمي تلك القنابل ونجح في رمي اثنتين ولكنهما لم ينفجرا على أي حال. ولم يحرك ذلك ساكن المتظاهرين بل تقدموا إلى صف الشرطة. وطلب الضابط من المتظاهرين أن يتفرقوا ثلاث مرات باللغة العربية. ولا فائدة. فأمر أحد رجاله بإطلاق الرصاص ليقتل قائداً للمشاغبين. فاصابه وخر صريعاً. وصدر الأمر للشرطة بإطلاق الرصاص للقتل. فتراجع المتظاهرون وأختفوا في الغابة القريبة. وما أنفك مساعد المفتش يحاول رمي القنابل المسيلة للدموع حتى بعد أن تراجع المتظاهرون بعيداً عنه. فرمى واحدة أخيرة نحوهم بعد أن أعطوه قفاهم بزمن طويل. ونجح الرجل أخيراً فانفجرت القنبلة التي لن تدمع لها عيون بالطبع للتفرق التظاهرة. كما أمر بإطلاق الرصاص الحي. وصدر الأمر لشريطيين مسلحين بالبرين والوستن بإطلاق الرصاص قصد القتل إرهاباً لمن لم تحدثه نفسه بمعاودة التظاهر. وأطلق ضابط الشرطة الطلقة الأخيرة كنقطة النهاية في جملة تراجيدية عنيفة. وتركت القوة الحكومية المكان مخلفة ضحايا: ستة قتلهم الرصاص، قتيلان تحت الأقدام المهرولة من مواجهة الشرطة، وغرق إثنان فيً محاولة للهرب. والأسوأ أن التقرير ذكر أن تاجرين شماليين كانا يطلقان الرصاص في تناغم مع شرطة يامبيو.
وتوقف تقرير التحقيق بشيء من التفصيل عند سوء معالجة السلطات لسلسلة وقائع مما اسقم الجنوبيين وألبهم على الحكومة الوطنية حديثة التكوين. وكان تمرد الفرقة الجنوبية في اغسطس 1955، الذي أشعلته حادثة أنزارا التراجيدية جزئياً، فاصلاً تحولت به سياسة الجنوب به إلى العنف.
لم يقم دليل، في قول التقرير، على أن الجنوبيين اكترثوا لنظريات ماركس ولينين برغم هذه النشاط الشيوعي وسطهم. وبلغ من ذلك أن زعماء القبائل كانوا سلموا المنشورات الشيوعية للسلطات لتقف على ما فيها. ولم تكن حتى صفوة الجنوبيين ممن شغلتها نظريات الشيوعية. ولكن ما جذب انتباههم هو شعار الشيوعيين عن الأجر المتساوي للعمل المتساوي وإنشاء مجالس تشريعية للحكم الذاتي في مديريات الجنوب الثلاث. كما ألهمتهم الشعارات المعادية للشماليين. ومع هذا لم يصح للتقرير وضع مسوؤلية حادث أنزار في يوليو 1955 عند عتبة الشيوعيين. بالأحرى ينبغي النظر إليها في علاقات العمل المتوترة في أنزارا علاوة على الإنزعاج العام السائد في المناخ السياسي على ذلك الوقت.
ظهر على مسرح أنزارا السياسي العرقي المضطرب البدوي الذي رأيناه، وهو الشمالي، على صلة غير منظورة في جمعية رفاه موظفي جنوب السودان. فقد عاد للجنوب ليعمل في مشروعات الإستوائية في 1954. وما أن وصل الجنوب في قوله حتى سعى لتكوين نقابة لمستخدمي المشروع في المدينة. وقال إن من نمى مداركه في هذه الناحية أصدقاؤه في قيادة اتحاد نقابات العمال.وقال بنجاح اجتماع النقابة الأول الذي حضره 350 مستخدماً معظمهم من الجنوبيين. وصدمت البدوي مفارقة أجور الجنوبيين عن رصفائهم في الشمال حين علم أن جيمس طمبرا، المهندس من شعب الزاندي بالمشروع، وخريج معهد الخرطوم الفني الشهير، كان راتبه أقل مما يدفع لخادم موظف شمالي أو ربع المرتب الذي ناله عامل شمالي شبه فني. وشرعت النقابة في تسوية الأجور تحت نظر العمال الجنوبيين المؤرقين بالأمر. وفي طور من أطوار التفاوض مع الإدارة دخل المستخدمون في إضراب ليوم واحد. وامتنع عن الإضراب قلة من العمال الشماليين.
وأضرب العمال بعد شهر من إضراب اليوم الذي مر. وسعت الإدرة لبث الفرقة في تضامن عمال الجنوب والشمال. فقبلت مطالب من العمال الشماليين من مثل صيانة منازلهم التابعة للمشروع. وقام بالصيانة، للاستفزاز، عمال جنوبيون بأمر الإدارة. وبلغ السيل الزبي بالعمال الجنوبيين نتيجة هذا الاستفزاز المزدوج وتفاقمت كراهيتهم للشماليين. ولم يشف اجتماع نقابي انعقد لمعالجة التوتر غليلاً. وضرب العمال الجنوبيون على وتر مطالبهم واقعاً لا مجازاً حين ضربوا الطبول للتنبيه والتعبئة. وجاءوا إلى جمعيتهم حاملين الرماح والنشاب. وهجموا على الشماليين الذين هتفوا بسقوط البدوي الذي هو منهم ومن زعماء النقابة. وخرج خمسة من الشماليين من المتعاطفين مع الجنوبيين بقيادة البدوي لحماية زملائهم من هجوم الجنوبيين. فنجحوا وصحبوا كل واحد منهم إلى بيته آمناً. وسهر الجنوبيون ليلهم كله في اجتماعهم لكي يمنعوا كسر الشماليين الإضراب في الصباح. ومن حسن الحظ كان بالمدينة إداري جنوبي هو برنابا كيسانزا فألتقى بالعمال وحثهم لمعالجة المشكلة بصورة سلمية. ونتج عن ذك انقسام النقابة إلى جماعتين على حد العرق سوى من بعض الشماليين الذين بقوا مع جماعة الجنوبيين.
وقع في تأرخة إضرابات أنزارا في 1954 وهم توثيقي لم يستبن إلا في 2007. فقد أشار تقرير التحقيق في تمرد 1955 إلى أنشط الشيوعيين في منطقة الزاندي وسمى بنجامين بيسارا وهو مفتش صحة من الزاندي وطبيباً مصرياً. وصار بيسارا نائباً برلمانياً مستقلاً في 1958 عن دائرة أهله الزاندي مدعوماً من الجبهة المعادية للاستعمار.ولكن هوية الدكتور المصري ظلت مجهولة حتى نٌشر "مشاوير في دروب الحياة" بعد موت مؤلفه الدكتور مصطفى السيد (2003). فمصطفى كان هو الطبيب المصري الذي ورد في التقرير مع أنه سوداني وطبيب عيون. ولم يكن خطأ كتاب التقرير بلا مبرر. فهو أبيض البشرة خلافاً لمعظم السودانيين وخريج كلية طب مصري ومتزوج من مصرية.
كان مصطفى شيوعياً من طراز فريد. فقد بنى منفرداً أول خلية شيوعية بين عمال السكة الحديد في عطبرة في 1946 وهو مايزال قائداً طلابياً باتحاد طلاب جامعة الخرطوم قبل فصله وسفره لمصر لمواصلة تعليمه. وكان وقتها مجنداً جديداً في الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) التي صارت الحزب الشيوعي لاحقاً. فألقى بنفسه حرفياً بين أحضان العمال يوم دخل بغير دعوة إلى نادي خريجي المدارس الصناعية بعطبرة وتحدث إلى من رحبوا به زائراً ليكونوا شيوعيين. ونجحت جراءته وتلقائيته. فجند لحزبه وفكره من صاروا قادة قوميين للحزب الشيوعي والحركة العمالية. وتبين معدنهم في قيادتهم لنقابة عمال السكة الحديد التي كتب سعد الدين فوزي عن همتها النقابة معجباً. وكذلك طه (1978) وكروس (1977) وسكينجا (2002). فكان من بين كسب مصطفى لحزبه الشفيع احمد الشيخ عضو المكتب السياسي للحزب وسكرتير عام اتحاد نقابات عمال السودان والذي شنق ماسوفاً عليه بيد الرئيس نميري في 1971 ، وإبراهيم زكريا المسوؤل التنظيمي الأول للحزب وسكرتير اتحاد نقابات العمال العالمي في براغ. وأسفرت حمية مصطفى الوطنية وسعته للسياسة الجذرية خلال وجوده في مريدي بالجنوب التي نقل إلى مستشفاها. لقد عمل بصورة ضميرية ليمثل للجنوبيين "الشمالي الآخر" ليعطيهم الأمل في الآخاء العرقي. وكان عارفاً أنه قد خرج لرحلة شاقة بالنظر إلى تدني صورة الشمالي التي رسَّخها في واعيتهم التاجر الشمالي الذي كاد يكون هو الممثل الوحيد لجنسه بين الجنوبيين لوقت طويل. ولم يزين الصورة وفود الموظفين الشماليين الذين "غزوا" الجنوب كما رأينا وتقلدوا زمام السلطة في الجنوب خلال فترة الحكم الذاني (1954-1965) وعليهم خيلاء استعمارية.
واتخذت حيله (تكيكاته) ليكون الشمالي الآخر صوراً عدة. فقد رسم حداً فاصلاً بينه وبين طبقة الجلابة الشماليين التجار ممن عمل بعضهم بتجارة الدواء بغير ترخيص. فأفرغ رفوفهم منه وزود به شفخانة المستشفى. علاوة على عنايته بالمستوى المعيشي لممرضيه الذين حدثهم عن ضرورة التنظيم في نقابة للدفاع عن مصالحهم بتنسيق مع زملائه وحواريه في اتحاد العمال بالخرطوم. أهم من ذلك العلاقة الحميمة التي أقامها مع بيسارا، ضابط الصحة الزانداوي، الذي تعرف عليه بعد جدل حام بينهما عن علاقات العرق في البلد خلال حملة منظمة لمحاربة مرض النوم بدار الزاندي. ومنذها تواشجت علاقتهما فأدت إلى بناء فرع للحزب الشيوعي وآخر للجبهة المعادية للاستعمار في المنطقة. وطلب الانتساب للجبهة سلاطين الزاندي وعامة الناس. وقد طلبوا من مصطفى أن يخاطب اجتماعا لبعض شعب الزاندي عدة مرات.
الخاتمة:
بالنظر إلى غلبة الدلالة الإسلامية في الصراع العرقي الاجتماعي القائم في السودان صح أن نسأل: أكان ما حاوله الوطنيون العمال في الخمسينات مجرد فنتازيا للتآخي العرقي معدومة فرص النجاح؟ فلنتفق أولاً أن دور الإسلام في إلهام أولئك العمال للدعوة للإلفة العرقية (أو ما قد كان لعبه حتى في تسوئتها افتراضاً) أمر لا موضع له في معرض هذه المناقشة. وأعتقد، بما يعتقد به كل مسلم حسن إسلامه، أن الإسلام قد لعب دوراً كبيراً في تزكية التآخي النقابي العرقي في الحركة العمالية الشمالية التي غالب جمهورها من المسلمين. ولكن ذلك موضوع حري بمناقشة منفصلة. ولكن ماينبغي التشديد عليه هنا أن نداء العمال لذلك للتآخي لم يخرج لفض نزاع عرقي مما تسبب الإسلام فيه. لقد خرجت تلك الدعوة في سياق محاولة حثيثة صادقة لإحسان التحرر من الاستعمار ولم شعث الأمة حديثة الاستقلال. وبعبارة اخرى فالنداء أراد ان يزيل من دفاتر الحكومة ضيماً كتب بمداد الغرب واستقى لؤمه من معارف الاستعمار والتبشير. وهي المعارف التي أساءت للجنوبيين وبخستهم أجورهم.
هل كان عبد الخالق مبالغاً حين جادل بأنه ليس من سلامة العقل أو الطوية أن نجمد أولاد الزبير في التاريخ مَوزورين بحزازة جاهلية راسخة بحق الجنوبيين؟ لا. لم يبالغ. وربما كان وهو يلقي بذلك الحديث في مؤتمر المائدة المستديرة قد طرق أذنه قرار إتخذته حكومة ثورة اكتوبر 1964، التي غلب فيها الشيوعيون وحلفاؤهم، بتكوين لجنة لمراجعة سلم الأجور في البلد. وكان أحد قراراتها بعد ثلاث سنوات من انعقادها مساواة أجور عمال المياومة الجنوبيين برصفائهم الشماليين. وبعد 9 اشهر من كلمة عبد الخالق الواثقة عن إمكانيات التآخي العرقي الكامنة جري حل حزبه بواسطة حلف إسلامي حاكم فزعاً من الفنتازيات الاجتماعية والثقافية والعرقية التي بثها الحزب بقوة لتخيل جديد للسودان المستقل وراقبت قوي إسلامية إقليمية واستعمارية جديدة همة هذا الحلف السوداني في العداء للشيوعية إن لم تحرضهم عليه أو تعينهم عليه. وتلك هي الملابسات بالتحديد التي تخلق فيها المجاز الإسلامي ذائع الصيت في السياسة السودانية والذي تكالب الدارسون يوسعونه درساً كأنه الراوية التي لا ثان لها. فلن تجد لفانتازيا عبد الخالق ورهطه والوطنية العمالية ذكراً في رواية الشقاق الوطني التي فيها الشماليون عرب مسلمون عرقيون من ذرية الزبير باشا لا فكاك لم يمسهم زمانهم بشاغل آخر أو شوق مبتكر أو إنسانية ممشوقة الخاطر والمخاطرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.