لا يجد المتابع لتصريحات وزارة المالية والاقتصاد الوطني، أدنى صعوبة في الوقوف على حجم تناقضاتها واختلافاتها عن سير سفينة الاقتصاد وهي تشق عباب بحر الصعاب مذ إنزال انفصال الجنوب إلى أرض الواقع، إذ درجت المالية وما يليها من مؤسسات على بث التطمينات يمنة ويسرى استسهالا وتضعيفاً لآثار الانفصال على اقتصاد الشمال، واعتبروه أمراً عادياً يمكن تجاوزه بقليل من الترتيب، غير أن مجريات الأحداث وتداعياتها كشفت زيف دعاوى المالية، وأوضحت أن للانفصال أثره غير المنكور على مسيرة اقتصاد الشمال، ومع ذلك استمرأت المالية القفز فوق?حاجز الحقائق، ووصف وزيرها الحديث عن انهيار اقتصادي بالكلام الفارغ، بيد أنه قبل أن يتبدد أثر صدى تصريح الوزير من الآذان، ها هو الآن وتحت قبة البرلمان يصف الانفصال الذي قلل من آثاره الاقتصادية في غير ما موضع في وقت سابق، يصفه بأنه الحدث الأكبر بالسودان، ولم يتوان في تقديمه على استقلال البلاد من الاستعمار، فأين إذن الحقيقة الضائعة حتى يتسنى للجميع التوصل للحلول الناجعة للخروج من نفق الانفصال وتداعي الاقتصاد الحالي. فقد كشفت وزارة المالية والاقتصاد الوطني عن إجراءات جديدة لتقليل الطلب على الدولار، بتقليص عدد الملحقيات الاقتصادية والإعلامية بالخارج، ووضع ضوابط مشددة للعلاج بالخارج بغية توفير النقد الأجنبي. وأكدت توفيرها للسلع الأساسية لأكثر من ستة أشهر مقبلة للمحافظة على أسعارها، وذكر وزير المالية علي محمود تحت قبة البرلمان أن الدولة وضعت كل السيناريوهات المطلوبة لمواجهة آثار انفصال الجنوب الذي وصفه بالحدث الأكبر من استقلال البلاد، وأكد قدرة البلاد على الخروج من تلك المصاعب الاقتصادية خلال ثلاث سنوات، وأرجع ارتفاع الأس?ار إلى شح النقد الأجنبي، إلى جانب الحرب الدائرة في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. غير أن مختصين يرون أن الحل لأزمة الاقتصاد السوداني الحالية يكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد الكلي للبلاد، واتباع سياسات اقتصادية تركز في المقام الأول على زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات والارتقاء بمستوى عرض النقود، ومعالجة الطلب على النقد الأجنبي، وتحجيم المضاربات في سوق النقد الأجنبي، مع ضرورة الحد من استيراد الكماليات والتركيز على الضروريات وصولا للسعر الأمثل لسعر صرف الجنيه. ووصفوا ما ذهب إليه الوزير من تصريحات أخيراً بالافتقار إلى العلمية المنهجية الاقتصادية، وتلونه بالصبغة السياسية التي يفترض المباعدة بين?ا وبين السياسات الاقتصادية. يقول البروفيسور عصام بوب إن ثلاثة أعوام غير كافية لاستعادة الاقتصاد عافيته، كما ذهب إلى ذلك الوزير، بل يلزمه خمسة أعوام بحسب إفادات البنك وصندوق النقد الدوليين. وزاد بوب أن حديث الوزير يحمل بين طياته كثيرا من ملامح الحيرة وعدم القدرة على التعاطي مع تداعيات انفصال الجنوب على اقتصاد الشمال، ولجهة الهزة الكبيرة التي أحدثها والتصدعات والشروخ التي طالت جدران الاقتصاد الشمالي، وتأثيراته على البنية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، مما قاد إلى تغيير كل بنود الصرف، فاختلت موازين الاقتصاد. ولأجل هذا يرى بوب أنه ل? بد من إعادة تخطيط لكل السياسات الاقتصادية، الأمر الذي لا تستطيعه الإدارة الحالية، بحسب رؤية بوب الذي دعا لاجتماع عقول الأمة الاقتصادية وإشراكهم في طرح الحلول القائمة على بيانات علمية حقيقية، مع ضرورة النأي عن الهيكل السياسي ومنع تدخله بأية صورة من الصور، كما طالب بوب بضرورة فصل الإدارة السياسية عن الاقتصادية من الناحية النظرية والتطبيقية. ووصف الوضع الحالي بالخطير. وأضاف بوب أن نفي الوزير للانهيار الاقتصادي يبعث على التساؤل عن معنى الانهيار إن لم يكن ما يمر به الاقتصاد السوداني الآن؟ وختم بوب بأنه حال است?رار الوضع الاقتصادي إلى ديسمبر القادم، فسيصل الاقتصاد إلى مرحلة التفتت الكامل. وغير بعيد عن إفادات بوب يقول المحاضر بجامعة الأحفاد السماني هنون إن الخروج من مغبة النفق الاقتصادي الحالي يكمن في اتباع سياسات اقتصادية تركز في المقام الأول على زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات والارتقاء بمستوى عرض النقود ومعالجة الطلب على النقد الأجنبي وتحجيم المضاربات في سوق النقد الأجنبي، مع ضرورة الحد من استيراد الكماليات والتركيز على الضروريات، وصولا للسعر الأمثل لسعر صرف الجنيه. ووصف السماني ما ذهب إليه الوزير من تصريحات أخيراً بالافتقار إلى العلمية المنهجية الاقتصادية وتلونه بالصبغة السياسية التي يفت?ض المباعدة بينها وبين السياسات الاقتصادية.